الأم: المدعي والمدعى عليه:
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وفرض اللَّه - ﷿ - العدة على الزوجة في الوفاة فقال: (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) الآية.
الأم (أيضًا): ما يُحَمث من انكاح العبيد:
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال - ﷿ - في المعتدات: (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ) الآية، وقال رسول الله - ﷺ -: "الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها" الحديث، مع ما سوى ذلك. ودلَّ الكتاب والسنة على أن المماليك لمن ملكهم، وأنههم لا يملكون من أنفسهم شيئًا.
ولم أعلم دليلًا على إيجاب إنكاح صالحي العبيد والإماء كما وجدت الدلالة
على إنكاح الحر إلا مطلقًا، فأحبّ إليَّ أن يُنكح من بلغ من العبيد والإماء، ثم صالحوهم خاصة، ولا يتبين لي أن يُجبَر أحد عليه، لأن الآية محتملة أن يكون أريد به الدلالة، لا الإيجاب.
[ ١ / ٣٨٦ ]
الأم (أيضًا): الفرقة بين الأزواج بالطلاق أو الفسخ:
قال الشَّافِعِي ﵀: وقلت: في قول الله - ﷿ في المتوفى عنها زوجها:
(فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ)
هذا إذا قضين أجلهن والكلام فيهما واحد. ..
قال الشَّافِعِي ﵀: فقلت له (بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ): يحتمل قاربن البلوغ
وبلغن: فرغن مما عليهن - من العدة - فكان سياق الكلام في الآية دليل على هذا.
الرسالة: في العدد:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) الآية.
فقال بعض أهل العلم: قد أوجب اللَّه على المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر
وعشرًا، وذكر أن أجل الحامل أن تضع، فإذا جمعت أن تكون حاملًا متوفى عنها، أتت بالعدتين معًا، كما أجدها في كل فرضين جعلا عليها، أتت بهما معًا.
قال الشَّافِعِي ﵀: فلما قال رسول الله - ﷺ - لسبيعة بنت الحارث، ووضعت بعد وفاة زوجها بأيام: "قد حللت فتزوجي" الحديث.
دلَّ هذا على أن العدة في الوفاة، والعدة في الطلاق بالأقراء والشهور، إنما أريد به من لا حمل به من النساء، وأن الحمل إذا كان فالعدة سواه ساقطة.
[ ١ / ٣٨٧ ]
الرسالة (أيضًا): فيما تُمسك عنه المعتدة من الوفاة:
قال الشَّافِعِي ﵀: - قال الله: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ) إلى قوله: (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) الآية.
فذكر اللَّه - ﷿ - أن على المتوفى عنهن عدة، وأنهن إذا بلغنها فلهن أن يفعلن في أنفسهن بالمعروف، ولم يذكر. شيئًا تجتَنبه في العدة.
فكان ظاهر الآية أن تمسك المعتدة في العدة عن الأزواج ففط، مع إقامتها في
بيتها بالكتاب، وكانت تحتمل أن تمسك عن الأزواج، وأن يكون عليها في الإمساك عن الأزواج إمساك عن غيره، مما كان مباحًا لها قبل العدة من طيب وزينة.
فلما سنَّ رسول الله - ﷺ - على المعتدة من الوفاة الإمساك عن الطيب وغيره.
كان عليها الإمساك عن الطيب وغيره بفرض السنة، والأمساك عن الأزواج، والسكنى في بيت زوجها بالكتاب ثم السنة.
واحتملت السنة في هذا الموضع ما احتملت في غيره، من أن تكون السنة
بينت عن اللَّه كيف إمساكها؛ كما بينت الصلاة والزكاة والحج، واحتملت أن يكون رسول الله - ﷺ - سنَ فيما ليس فيه نص حكم لله.
الرسالة (أيضًا): باب (الاختلاف):
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال اللَّه تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) الآية.
فقال بعض أصحاب رسول الله - ﷺ -: ذكر اللَّه المطلقات، أن عدة الحوامل أن يضعن حملهن، وذكر في المتوفى عنها أربعة أشهر وعشرًا.
[ ١ / ٣٨٨ ]
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤)
فعلى الحامل المنوفى عنها أن تعتد أربعة أشهر وعشرًا، وأن تضع حملها.
حتى تأتي بالعدتين معًا، إذ لم يكن وضع الحمل انقضاء العدة نصًا إلا في
الطلاق، كاله يذهب إلى أن وضع الحمل براءة، وأن الأربعة أشهر وعشرًا
تعبد، وأن المتوفى عنها تكون غير مدخول بها، فتأتي بأربعة أشهر، وأنه
وجب عليها شيء من وجهين، فلا يسقط أحدهما، كما لو وجب عليها حقان لرجلين، لم يسقط أحدهما حق الآخر.
وكما إذا نكحت في عدتها، وأصيبت، اعتدت من الأول، واعتدت من الآخر.
قال: - أي الشَّافِعِي ﵀ - وقال غيره من أصحاب رسول الله - ﷺ -:
إذا وضعت ذا بطنها فقد حلَّت، ولو كان زوجها على السرير.
قال الشَّافِعِي ﵀: فكانت الآية محتملة المعنيين معًا، فكان أشبههما
بالمعقول الظاهر أن يكون الحمل انقضاء العدة.
وقال: فدلَّت سنة رسول الله - ﷺ - على أن وضع الحمل آخر العدة في الموت، مثلُ معناه الطلاق.
أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبيه: أن سبيعة
الأسلمية وضعت بعد وفاة زوجها بليال، فمر بها أبو السنابل بن بَعْكَك، فقال: قد تصنعت للأزواج! إنها أربعة أشهر وعشرًا!
فذكرت ذلك سبيعة لرسول اللَّه - ﷺ -؟
[ ١ / ٣٨٩ ]
فقال: "كذب أبو السنابل"، أو: " لَيسَ كما قال أبو السنابل".
"قد حللت فتزوجي" الحديث.
* * *