الأم: كتاب الحيض:
أخبرنا الربيع قال:
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال الله ﵎: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) الآية.
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وأبان - ﷿ - أنها حائض، غير طاهر، وأمر ألا تقرب حائض حتى تطهر، ولا إذا طهرت حتى تتطهر بالماء، وتكون ممن تحل لها الصلاة، ولا يحل لامرئ كانت امرأته حائضًا أن يجامعها حتى تطهر، فإن اللَّه تعالى جعل التيمم طهارة إذا لم يوجد الماء، أو كان التيمم مريضًا، ويحل لها الصلاة بغسل إن وجدت ماء، أو تيمم إذا لم تجده.
[ ١ / ٣٣٢ ]
الأم (أيضًا): باب (ترك الحائض الصلاة):
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال الله ﷿: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) الآية، فكان بينًا في قول اللَّه - ﷿ -: (حَتَّى يَطْهُرْنَ) بأنهن حِيَّض في غير حال الطهارة، وقضى على الجنب ألا يقرب الصلاة حتى يغتسل، وكان بينًا أن لا مدة لطهارة الجنب إلا الغسل، وأن لا مدة لطهارة الحائض إلا ذهاب الحيض، ثم الاغتسال لقول اللَّه - ﷿ -: (حَتَّى يَطْهُرْنَ)
وذلك بانقضاء الحيض، (فَإِذَا تَطَهرْنَ) يعني بالغسل، فإن السنة تدل على أن
طهارة الحائض بالغسل، ودلت سنة رسول الله - ﷺ - على بيان ما دلَّ عليه كتاب اللَّه تعالى من ألا تصلي الحائض - حتى تطهر -.
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وأمر رسول الله - ﷺ - عائشة ألا تطوف بالبيت حتى تطهر، فدل على ألا تصلي حائضًا، لأنها غير طاهر ما كان الحَيض قائمًا.
وكذلك قال اللَّه - ﷿ -: (حَتى يَطهُرْنَ) .
الأم (أيضًا): باب (المستحاضة):
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: ولم يُذكَر في حديث عائشة الغسل عند تولي
الحيضة، وذكِرَ غَسْلُ الدم، فأخذنا بإثباث الغسل من قول اللَّه - ﷿ - ق: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) الآية، فقيل: - واللَّه تعالى أعلم - يطهرن: من الحيض، فإذا تطهرن: بالماء.
[ ١ / ٣٣٣ ]
ثم من سنة رسول الله - ﷺ - ما أبان رسول الله - ﷺ - أن الطهارة بالماء الغسل.
وفي حديث حمنة بنت جحش ﵂ فأمرها في الحيض أن تغتسل إذا رأت أنها طَهُرَت، ثم أمرها - في حديث حمنة - بالصلاة. فدل ذلك على أن لزوجها أن يصيبها، لأن الله تبارك ؤتعالى أمر باعتزالها حائضًا، وأذن في إتيانها "طاهرًا.
أخبرنا الربيع قال:
أخبرنا الشَّافِعِي رحمه الله تعالى قال: أخبرنا سفيان قال: أخبرني الزهري.
عن عمرة، عن عائشة، أن أم حبيبة (بنت جحش ﵂) استحيضت فكانت لا تصلي سبع سنين فسألت رسول الله - ﷺ - فقال: "إنَّما هو عِرْق وليست بالحيضة"، فأمرها رسول الله أن تغتسل وتصلي، فكانت تغتسل لكل صلاة
وتجلس في المِرْكن فيعلوه الدم.
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وقد روى غير الزهري هذا الحديث أن النبي - ﷺ - أمرها أن تغتسل لكل صلاة ولكن رواه عن عمرة بهذا الإسناد والسياق.
والزهري أحفظ منه، وقد روى فيه شيئًا، يدل على أن الحديث غلط، قال: تترك الصلاة قدر أقرائها، وعائشة تقول الأقراء: الأطهار، قال: أفرأيت لو كانت تثبت الروايتان فإلى أيهما تذهب؟
قلت: إلى حديث حمنة بنت جحش ﵂
وغيره مما أعرف فيه بالغسل عند انقطاع الدم، ولو لم يؤمرن به عند كل صلاة.
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: فإن قال فهل من دليل غير الخبر؟
قيل:
نعم، قال - ﷿ -: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى) إلى قوله: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) فدلت سنة رسول الله - ﷺ - أن الطهر: هو الغسل.
[ ١ / ٣٣٤ ]
الأم (أيضًا): باب - (الخلاف في المستحاضة):
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: فقال لي قائل: تصلي المستحاضة، ولا يأتيها
ْزوجها، وزعم لي بعض من يذهب مذهبه، أن حجته فيه أن اللَّه ﵎
قال: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى) الآية، وأنه قال في الأذى أنه
أمر باجتنابها فيه، فأثم فيها، فلا يحل له إصابتها.
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: فقيل له: حكم اللَّه - ﷿ - في أذى المحيض أن تعتزل المرأة، ودلت سنة رسول الله - ﷺ - على أن حكم اللَّه - ﷿ - أن الحائض لا تصلي، فدل حكم اللَّه وحكم رسوله - ﷺ - أن الوقت الذي أمر الزوج باجتناب
المرأة فيه للمحيض، الوقت الذي أمرت المرأة فيه إذا انقضى المحيض بالصلاة.
قال: نعم. فقيل له: فالحائض لا تطهر وإن اغتسلت، ولا يحل لها أن تصلى، ولا تمس مصحفًا، قال: نعم. فقيل له: حكم رسول الله - ﷺ - يدل على أن حكم أيام الاستحاضة حكم الطهر، وقد أباح اللَّه للزوج الإصابة إذا تطهرت الحائض.
وقوله - ﷺ - قال في الاستحاضة: إنما ذلك عِرق وليس بالحيضة. . ..
الأم (أيضًا): باب (إتيان النساء حِيَّضًا):
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال اللَّه - ﷿ -: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ) الآية.
قال: فزعم بعض أهل العلم بالقرآن، أن قول اللَّه - ﷿ -: (حَتَّى يَطْهُرْنَهُ) حتى يَرَيْن الطهر (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) بالماء (فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) أن تجتنبوهن.
[ ١ / ٣٣٥ ]
قال وما أشبه ما قال - والله تعالى أعلم - بما قال، ويشبه أن يكون تحريم
الله - ﷿ - إتيان النساء في المحيض؛ لأذى الحيض، وإباحته إتيانهن إذا طهرن، وتطهُّرن بالماء من الحيض، على أن الإتيان المباح في الفرج نفسه كالدلالة على أن إتيان النساء في أدبارهن محرم.
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وبين في الآية: إنما نهى عن إتيان النساء في
المحيض، ومعروف أن الإتيان، الإتيان في الفرج؛ لأن التلذذ بغير الفرج في شيء من الجسد ليس إتيانًا.
الأم (أيضًا): باب (في إتيان الحائض):
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال اللَّه - ﷿: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) الآية، يحتمل معنين:
أحدهما: فاعتزلوهن في غير الجماع.
ثانيهما: لا تقربوهن في الجماع.
فيكون اعتزالهن من وجهين؛ والجماع أظهر معانيه لأمر اللَّه بالاعتزال ثم
قال: (وَلَا تَقرَبُوهُن) الآية، فأشبه أن يكون أمرًا بينًا وبهذا نقول لأنه قد
يحتمل أن يكون أمر باعتزالهن، ويعني أن اعتزالهن: الاعتزال في الجماع.
الأم (أيضًا): باب (طهر الحائض):
أخبرنا الربيع قال:
[ ١ / ٣٣٦ ]
أخبرنا الشَّافِعِي ﵀: وإذا انقطع عن الحائض الدم، لم يقربها زوجها
حتى تطهر للصلاة، فإن كانت واجدة للماء فحتى تغتسل، وإن كانت مسافرة
غير واجدة للماء فحتى تتيمم لقول الله - ﷿: (وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ)
الآية، أي حتى ينقطع الدم ويرين الطهر، (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) يعني - واللَّه تعالى
أعلم -: الطهارة التي تحل بها الصلاة لها، ولو أتى رجل امرأته حائضًا، أو بعد تولية الدم، ولم تغتسل، فليستغفر اللَّه ولا يعد حتى تطهر، وتحل لها الصلاة، وقد روي فيه شيء لو كان ثابتًا أخذنا به، ولكنه لا يثبت مثله.
الأم (أيضًا): باب (ما ينال من الحائض):
أخبرنا الربيع قال:
أخبرنا الشَّافِعِي ﵀ قال: أخيرنا مالك، عن نافع، أن ابن عمر رضي
الله عنهما أرسل إلى عائشة ﵂ يسألها: "هل يباشر الرجل امرأته وهي حائض؛ فقالت: لتشدد إزارها على أسفلها ثم يياشرها إن شاء" الحديث.
الأم (أيضًا): باب (نكاح حرائر أهل الكتاب):
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: - وبينَ في نكاح الكتابية - وله جبرها على
الغسل من الحيضة، ولا يكون له إصابتها إذا طهرت من الحيض حتى تغتسل؛ لأن الله - ﷿ يقول (حَتَّى يَطْهُرْنَ) فقال بعض أهل العلم بالقرآن: حتى ترى
الطهر قال: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) يعني: بالماء إلا أن تكون في سفر لا تجد الماء فتتيمم، فإذا صارت ممن تحل لها الصلاة بالطهر حلت له.
[ ١ / ٣٣٧ ]
الأم (أيضًا): النصرانية تحت المسلم:
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وإذا كانت النصرانية عند المسلم فطهرت من
الحيضة، جُبرت على الغسل منها، فإن امتنعت أُدِّبت حتى تفعل؛ لأنها تمنعه
الجماع في الوقت الذي يحل له، وقد قال اللَّه - ﷿ -: (وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ)
الآية، فزعم بعض أهل التفسير أنه حتى يطهرن من الحيض قال اللَّه تعالى ١:
(فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) يعني بالماء (فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) الآية.
الرسالة: باب (فرض الصلاة الذى دل الكتاب ثم السنة على من تزول عنه
بالعذر:
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال اللَّه ﵎:
(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) .
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: افثرض اللَّه الطهارة على المصلي، في الوضوء
والغسل من الجنابة، فلم تكن لغير طاهر صلاة.
ولما ذكر اللَّه المحيض فأمر باعتزال النساء فيه حتى يطهرن، فإذا تطهرن أتِينَ.
استدللنا على أن تطهرهن بالماء بعد زوال المحيض، لأن الماء موجود في الحالات كلها في الحضر، فلا يكون للحائض طهارة بالماء، لأن اللَّه إنما ذكر التطهر بعد أن يَطْهُرن، ويطَهرُهُن: زوال المحيض في كتاب اللَّه ثم سنة رسوله.
[ ١ / ٣٣٨ ]
ْأخبرنا مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة رضي اللَّه
عنها: وذكرت إحرامها مع النبي - ﷺ -، وأنها حاضت، فأمرها أن ئقضي ما يقضي الحاج "غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري" الحديث.
أحكام القرآن: فصل فيما يؤثر عن الشَّافِعِي من التفسير والمعاني في الطهارات والصلوات:
وفيما أنباني أبو عبد اللَّه (إجازة) عن الربيع قال:
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال اللَّه ﵎: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) الآية.
فأبان: أنها حائض غير طاهر. وأمرنا: أن إلا نقرب حائضًا حتى تطهر، ولا
إذا طهرت حتى تتطهر بالماء، وتكون ممن تحل لها الصلاة.
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال بعض أهل العلم بالقرآن: (فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) الآية، أن تعتزلوهن يعني: في مواضع الحيض.
وكانت الآية محتملة لما قال.
ومحتملة: أن اعتزالهن: اعتزال جميع أبدانهن، ودلت سنة رسول الله - ﷺ -: على اعتزال ما تحت الإزار منها، وإباحة ما فوقها - أي: ما فوق الإزار -.
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وكان مبينًا في قول اللَّه - ﷿ -:
(حَتَّى يَطْهُرْنَ)
أنهن حُيض في غير حال الطهارة وقضى اللَّه على الجنب: أن لا يقرب الصلاة
[ ١ / ٣٣٩ ]
حتى يغتسل، فكان مبينًا: أن لا مدة لطهارة الجنب إلا الغسل، ولا مدة لطهارة الحائض إلا ذهاب الحيض، ثم الغسل، لقول اللَّه - ﷿ -: (حَتَّى يَطْهُرْنَ)، وذلك انقضاء الحيض، (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) يعني: بالغسل، لأن السنة دلت على أن طهارة
الحائض: الغسل، ودلت على بيان ما دلَّ عليه كتاب اللَّه: من ألَّا تصلي الحائض.
فذكر حديث عائشة ﵂ ثم قال: وأقرَّ النبي - ﷺ - عائشة ﵂: "أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري ". الحديث، يدل على ألَّا تصلي حائضًا؛ لأنها غير طاهر ما كان الحيض قائمًا، ولذلك قال اللَّه - ﷿: (حَتَّى يَطْهُرْنَ) .