﵄: كتمانها من أكبر الكبائر، (وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) تهديد ووعيد.
* * *
(لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤) آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)
* * *
(لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) خلقًا وملكًا، (وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفوهُ): ما خطر ببالكم من السوء، (يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ) في
[ ١ / ٢١٢ ]
الآخرة، لما نزلت غمت الصحابة " فقالوا هلكنا، فقلوبنا ليست بأيدينا، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: قولوا سعنا وأطعنا، فقالوها " فنزلت " آمن الرسول " إلى " عليها ما اكتسبت " فنسختها، وتجاوز لهم عن حديث النفس وصرح بنسخها أكثر السلف، وبعضهم صرحوا بعدم نسخها، وقالوا: يخبرهم الله يوم القيامة بما أخفوا في أنفسهم، فيغفر للمؤمنين، ويؤاخذ أهل الشك والنفاق، فمعنى المحاسبة: الإخبار، وعن عائشة ﵂ " أن رسول الله ﷺ قال حين سألت عن الآية: هذه معاتبة الله العبد بما يصيبه الله من الحمى والنكبة، حتى البضاعة يضعها في يد قميصه فيفقدها، فيفزع لها، حتى أن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكير "، فعلى هذا المحاسبة المؤاخذة، لكن المحاسبة إما في الدنيا، وإما في الآخرة، (فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ) مغفرته، (وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ) تعذيبه، (وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) من المحاسبة وغيرها، (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ) وجه نزول الآية قد ذكرناه وهو أنهم قالوا: " سمعنا وأطعنا " لا كما قال أهل الكتاب: " سمعنا وعصينا " (البقرة: ٩٣) قوله: " والمؤمنون " عطف على الرسول، (كُل): من الرسول والمؤمنين، (آمَنَ بِاللهِ وَمَلاِئكَتهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ) يقولون، (لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ) في الإيمان بهم، ولا نقول: " نؤمن ببعض ونكفر ببعض " [النساء: ١٥٠]، (وَقَالُوا سَمِعنا)، قول الله، (وَأَطَعْنَا) أمره، نسأل، أو اغفر،
[ ١ / ٢١٣ ]
(غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ): المرجع بعد الموت، (لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) ما يسعه قدرتها ويتسع فيه طوقها، لا ما لا يملك دفعه من وسوسة النفس وحديثها، (لَهَا مَا كَسَبَتْ): من خير، (وَعَلَيْهَا مَا اكْتسَبَتْ): من شر، ولما كان الشر مما تشتهيه النفس، وهي أَجَدُّ واعْمَلُ فيه، جعلت لذلك مكتسبة فيه بخلاف الخير، فإنها لما لم تكن فيه كذلك وصفت بما ليس فيه الاعتمال، فقال: كسبت، (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) سألوا الله التجاوز عنهما فأجاب، ففي الحديث " وضع عن أمتي الخطأ والنسيان "، وأما دعاؤنا حينئذ بهما، فيمكن أن يكون لإدامة الوعد، وأن يجعلنا ممن وعد له التجاوز عنهما، (رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا): تكاليف شاقة، تأصر صاحبه: تحبسه في مكانه، وإن أطقناها، (كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَ)، مثل الذي حَمَّلْتَهُ إياهم فيكون صفة إصرا وهو التكاليف الشاقة وما أصابهم من المحن، (رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ):
[ ١ / ٢١٤ ]
من المصائب، والتشديد هاهنا لتعديته إلى مفعول ثان، (وَاعْفُ عَنَّا): امح عنا ذنوبنا، (وَاغْفِرْ لَنَا): واستر لنا عيوبنا، (وَارْحَمْنَا) في الدنيا، فلا توقعنا في ذنب (١) آخر، (أَنْتَ مَوْلانَا): ولينا وناصرنا، (فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)، وفي الحديث: " في آخر كل دعوة من هذه الدعوات، قال الله تعالى: فعلت ونعم "، وفي الحديث، " فضلنا على الناس بثلاث: أوتيت هؤلاء الآيات من آخر سورة البقرة من بيت تحت العرش، لم يعطها أحد قبلي ولم يعطها أحد بعدي.
والحمد لله حقَّ حمده.
_________________
(١) عن بعض السلف، الذنب محتاج إلى ثلاثة أشياء: أن يعفو الله عنه، وأن يستره عن عباده فلا يفضحه، وأن يعصمه فلا يوقعه في نظيره/ ١٢ منه.
[ ١ / ٢١٥ ]