﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ أَيْ وَمِنْ أَوْلَادِي أَيْضًا فَاجْعَلْ مِنْهُمْ أَئِمَّةً يُقْتَدَى بِهِمْ فِي الْخَيْرِ ﴿قَالَ﴾ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَا يَنَالُ﴾ لَا يُصِيبُ ﴿عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قَرَأَ حَمْزَةُ وَحَفْصٌ بِإِسْكَانِ الْيَاءِ وَالْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا أَيْ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ ظَالِمًا لَا يُصِيبُهُ قَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: عَهْدِي رَحْمَتِي وَقَالَ السُّدِّيُّ: نُبُوَّتِي وَقِيلَ: الْإِمَامَةُ قَالَ مُجَاهِدٌ: لَيْسَ لِظَالِمٍ أَنْ يُطَاعَ فِي ظُلْمِهِ. وَمَعْنَى الْآيَةِ لَا يَنَالُ مَا عَهِدْتُ إِلَيْكَ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالْإِمَامَةِ مَنْ كَانَ ظَالِمًا مِنْ وَلَدِكَ وَقِيلَ: أَرَادَ بِالْعَهْدِ الْأَمَانَ مِنَ النَّارِ وَبِالظَّالِمِ الْمُشْرِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ" (٨٢-الْأَنْعَامِ) .
﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)﴾
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ﴾ يَعْنِي الْكَعْبَةَ ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ مَرْجِعًا لَهُمْ، قَالَ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَأْتُونَ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَيَحُجُّونَ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: مَعَاذًا وَمَلْجَأً وَقَالَ قَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ: مَجْمَعًا ﴿وَأَمْنًا﴾ أَيْ مَأْمَنًا يَأْمَنُونَ فِيهِ مِنْ إِيذَاءِ الْمُشْرِكِينَ، فَإِنَّهُمْ مَا كَانُوا يَتَعَرَّضُونَ لِأَهْلِ مَكَّةَ وَيَقُولُونَ: هُمْ أَهْلُ اللَّهِ وَيَتَعَرَّضُونَ لِمَنْ حَوْلَهُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ" (٦٧-الْعَنْكَبُوتِ) .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طاووس عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: "إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ وَلَا يَنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهُ" فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا الْإِذْخِرَ فَإِنَّهُ لَقَيْنِهِمْ وَلِبُيُوتِهِمْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِلَّا الْإِذْخِرَ" (١) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ قَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ بِفَتْحِ الْخَاءِ عَلَى الْخَبَرِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِكَسْرِ الْخَاءِ عَلَى الْأَمْرِ ﴿مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ قَالَ ابْنُ يَمَانٍ (٢) الْمَسْجِدُ كُلُّهُ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: الْحَرَمُ كُلُّهُ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِمَقَامِ إِبْرَاهِيمَ جَمِيعَ مُشَاهِدِ الْحَجِّ، مِثْلَ عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَسَائِرِ الْمَشَاهِدِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ هُوَ الْحَجَرُ الَّذِي فِي الْمَسْجِدِ يُصَلِّي إِلَيْهِ الْأَئِمَّةُ، وَذَلِكَ الْحَجَرُ الَّذِي قَامَ
_________________
(١) أخرجه البخاري: في الجنائز - باب: الإذخر والحشيش: ٣ / ٢١٣. ومسلم: في الحج - باب: تحريم مكة وصيدها وخلاها برقم: (٣٥٣، ٣٥٤، ٣٥٥) ٢ / ٩٨٦. والمصنف في شرح السنة: ٧ / ٢٤٩.
(٢) وفي ب (يمان) .
[ ١ / ١٤٦ ]
عَلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ ﵇ عِنْدَ بِنَاءِ الْبَيْتِ، وَقِيلَ: كَانَ أَثَرُ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ بَيِّنًا فِيهِ فَانْدَرَسَ مِنْ كَثْرَةِ الْمَسْحِ بِالْأَيْدِي، قَالَ قَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ وَالسُّدِّيُّ: أُمِرُوا بِالصَّلَاةِ عِنْدَ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ وَلَمْ يُؤْمَرُوا بِمَسْحِهِ وَتَقْبِيلِهِ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: "وَافَقْتُ اللَّهَ فِي ثَلَاثٍ، أَوْ وَافَقَنِي رَبِّي فِي ثَلَاثٍ -قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْتَ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ وَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: يَدْخُلُ عَلَيْكَ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ فَلَوْ أَمَرْتَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْحِجَابِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ آيَةَ الْحِجَابِ، قَالَ وَبَلَغَنِي مُعَاتَبَةُ النَّبِيِّ ﷺ بَعْضَ نِسَائِهِ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِنَّ فَقُلْتُ لَهُنَّ: إِنِ انْتَهَيْتُنَّ، وليبدلنه اللَّهُ خَيْرًا مِنْكُنَّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: "عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنُّ" (١) الْآيَةَ (٥-التَّحْرِيمِ) .
وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَيْضًا عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ أَنَا هُشَيْمٌ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ عُمَرُ ﵁: وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْتَ مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى فَنَزَلَتْ ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (٢) .
وَأَمَّا بَدْءُ قِصَّةِ الْمَقَامِ فَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لما أتى إبرهيم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِسْمَاعِيلَ وَهَاجَرَ وَوَضَعَهُمَا بِمَكَّةَ، وَأَتَتْ عَلَى ذَلِكَ مُدَّةٌ، وَنَزَلَهَا الْجُرْهُمِيُّونَ وَتَزَوَّجَ إِسْمَاعِيلُ مِنْهُمُ امْرَأَةً وَمَاتَتْ هَاجَرُ، وَاسْتَأْذَنَ إِبْرَاهِيمُ سَارَةَ أَنْ يَأْتِيَ هَاجَرَ، فَأَذِنَتْ لَهُ وَشَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْزِلَ فَقَدِمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، وَقَدْ مَاتَتْ هَاجَرُ، فَذَهَبَ إِلَى بَيْتِ إِسْمَاعِيلَ فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَيْنَ صَاحِبُكِ؟ قَالَ ذَهَبَ لِلصَّيْدِ وَكَانَ إِسْمَاعِيلُ ﵇ يَخْرُجُ مِنَ الْحَرَمِ فَيَصِيدُ، فَقَالَ لَهَا إِبْرَاهِيمُ: هَلْ عِنْدَكِ ضِيَافَةٌ؟ قَالَتْ لَيْسَ عِنْدِي ضِيَافَةٌ، وَسَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ؟ فَقَالَتْ: نَحْنُ فِي ضِيقٍ وَشِدَّةٍ، فَشَكَتْ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهَا: إِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَأَقْرِئِيهِ السَّلَامَ وَقُولِي لَهُ فَلْيُغَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِهِ، فَذَهَبَ إِبْرَاهِيمُ فَجَاءَ إِسْمَاعِيلُ فَوَجَدَ رِيحَ أَبِيهِ فَقَالَ [لِامْرَأَتِهِ: هَلْ جَاءَكِ أَحَدٌ؟ قَالَتْ: جَاءَنِي شَيْخٌ صِفَتُهُ كَذَا وَكَذَا كَالْمُسْتَخِفَّةِ بِشَأْنِهِ قَالَ] (٣) فَمَا قَالَ لَكِ؟ قَالَتْ قَالَ أَقْرِئِي زَوْجَكِ السَّلَامَ وَقُولِي لَهُ فَلْيُغَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِهِ، قَالَ ذَلِكَ أَبِي وَقَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُفَارِقَكِ الْحَقِي بِأَهْلِكِ، فَطَلَّقَهَا وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ أُخْرَى، فَلَبِثَ إِبْرَاهِيمُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَلْبَثَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ سَارَةَ أَنْ يَزُورَ إِسْمَاعِيلَ فَأَذِنَتْ لَهُ وَشَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْزِلَ، فَجَاءَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ حَتَّى انْتَهَى إِلَى بَابِ إِسْمَاعِيلَ فَقَالَ
_________________
(١) أخرجه البخاري: في التفسير - باب قوله: واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى: ٨ / ١٦٨. ومسلم: في فضائل الصحابة - باب: من فضائل عمر برقم: (٢٣٩٩) ٤ / ١٨٦٥ مختصرا. والمصنف في شرح السنة: ١٤ / ٩٣، وانظر: قطف الثمر في موافقات عمر للسيوطي في الحاوي للفتاوى ١ / ٣٧٧.
(٢) أخرجه البخاري في الصلاة، باب ما جاء في القبلة، ومن لا يرى الإعادة على من سها ١ / ٥٠٤.
(٣) ساقط من أ.
[ ١ / ١٤٧ ]
لِامْرَأَتِهِ أَيْنَ صَاحِبُكِ؟ قَالَتْ ذَهَبَ يَتَصَيَّدُ وَهُوَ يَجِيءُ الْآنَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَانْزِلْ يَرْحَمُكَ اللَّهُ، قَالَ: هَلْ عِنْدَكَ ضِيَافَةٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ فَجَاءَتْ بِاللَّبَنِ وَاللَّحْمِ، وَسَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ؟ فَقَالَتْ: نَحْنُ بِخَيْرٍ وَسَعَةٍ، فَدَعَا لَهُمَا بِالْبَرَكَةِ وَلَوْ جَاءَتْ يَوْمَئِذٍ بِخُبْزِ بُرٍّ أَوْ شَعِيرٍ وَتَمْرٍ لَكَانَتْ أَكْثَرَ أَرْضِ اللَّهِ بُرًّا أَوْ شَعِيرًا أَوْ تَمْرًا، فَقَالَتْ لَهُ: انْزِلْ حَتَّى أَغْسِلَ رَأْسَكَ، فَلَمْ يَنْزِلْ فَجَاءَتْهُ بِالْمَقَامِ فَوَضَعَتْهُ عَنْ شِقِّهِ الْأَيْمَنِ فَوَضَعَ قَدَمَهُ عَلَيْهِ فَغَسَلَتْ شِقَّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنَ ثُمَّ حَوَّلَتْ إِلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ فَغَسَلَتْ شَقَّ رَأْسِهِ الْأَيْسَرِ فَبَقِيَ أَثَرُ قَدَمَيْهِ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهَا: إِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَأَقْرِئِيهِ السَّلَامَ وَقُولِي لَهُ قَدِ اسْتَقَامَتْ عَتَبَةُ بَابِكَ، فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ، وَجَدَ رِيحَ أَبِيهِ فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: هَلْ جَاءَكِ أَحَدٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ شَيْخٌ أَحْسَنُ النَّاسِ وَجْهًا وَأَطْيَبُهُمْ رِيحًا، وَقَالَ لِي كَذَا وَكَذَا وَقُلْتُ لَهُ كَذَا وَكَذَا، وَغَسَلْتُ رَأْسَهُ وَهَذَا مَوْضِعُ قَدَمَيْهِ فَقَالَ: ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ النَّبِيُّ أَبِي، وَأَنْتَ الْعَتَبَةُ أَمَرَنِي أَنْ أُمْسِكَكِ (١) .
وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بن جبير ١٨/ب عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قال: ثم لبثت عَنْهُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِسْمَاعِيلُ يَبْرِي نَبْلًا تَحْتَ دَوْمَةٍ قَرِيبًا مِنْ زَمْزَمَ، فَلَمَّا رَآهُ قَامَ إِلَيْهِ فَصَنَعَا كَمَا يَصْنَعُ الْوَالِدُ بِالْوَلَدِ، وَالْوَلَدُ بِالْوَالِدِ ثُمَّ قَالَ: يَا إِسْمَاعِيلُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَنِي بِأَمْرٍ تُعِينُنِي عَلَيْهِ؟ قَالَ: أُعِينُكَ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ هَاهُنَا بَيْتًا، فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَا الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ فَجَعَلَ إِسْمَاعِيلُ يَأْتِي بِالْحِجَارَةِ وَإِبْرَاهِيمُ حَتَّى ارْتَفَعَ الْبِنَاءُ جَاءَ بِهَذَا الْحَجَرِ فَوَضَعَهُ لَهُ، فَقَامَ إبراهيم على الحجر الْمَقَامِ وَهُوَ يَبْنِي وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ وَهُمَا يَقُولَانِ ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ وَفِي الْخَبَرِ: "الرُّكْنُ وَالْمَقَامُ يَاقُوتَتَانِ مِنْ يَوَاقِيتِ الجنة ولولا مامسته أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ لَأَضَاءَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ" (٢) .
قَوْلُهُ ﷿ ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ أَيْ أَمَرْنَاهُمَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمَا، قِيلَ: سُمِّيَ إِسْمَاعِيلُ لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ يَدْعُو اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَهُ وَلَدًا وَيَقُولَ: اسْمَعْ يَا إِيلُ وَإِيلُ هُوَ اللَّهُ فَلَمَّا رُزِقَ سَمَّاهُ اللَّهُ بِهِ ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ يَعْنِي الْكَعْبَةَ أَضَافَهُ إِلَيْهِ تَخْصِيصًا وَتَفْضِيلًا أَيِ ابْنِيَاهُ عَلَى الطَّهَارَةِ وَالتَّوْحِيدِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٌ: طَهِّرَاهُ مِنَ الْأَوْثَانِ وَالرِّيَبِ وَقَوْلِ الزُّورِ، وَقِيلَ: بَخِّرَاهُ وَخَلِّقَاهُ، قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَحَفْصٌ ﴿بَيْتِيَ﴾ بِفَتْحِ الْيَاءِ هَاهُنَا وَفِي سُورَةِ الْحَجِّ، وَزَادَ حَفْصٌ فِي سُورَةِ نُوحٍ ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ الدَّائِرِينَ حَوْلَهُ ﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾ الْمُقِيمِينَ الْمُجَاوِرِينَ ﴿وَالرُّكَّعِ﴾ جَمْعُ رَاكِعٍ ﴿السُّجُودِ﴾ جَمْعُ سَاجِدٍ وَهُمُ الْمُصَلُّونَ قَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ:
_________________
(١) أخرجه البخاري: مطولا في الأنبياء - باب: يزفون: النسلان في المشي: ٦ / ٣٩٦ وفي مواضع أخرى.
(٢) أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عمرو بلفظ "إن الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة طمس الله نورهما ولو لم يطمس نورههما لأضاءتا " ٣ / ٦١٨ وقال هو حديث غريب. ورواه الحاكم في الحج عن داود الزبرقان عن أيوب السختياني عن قتادة بن دعامة عن أنس وقال: صحيح فرده الذهبي بأن فيه داود، قال أبو داود: متروك، (فيض القدير: ٤ / ٥٩) . ورواه أيضا عن عبد الله بن عمرو، انظر: المستدرك: ١ / ٤٥٦. وأخرجه الواحدي في الوسيط: ١ / ١٩٠، وانظر: تحفة الأحوذي: ١ / ٦١٨-٦١٩.
[ ١ / ١٤٨ ]