قراءة عبد الله، وأبي -﵄-: (والله ركسهم) (١)، قال ابن رواحة:
أركسوا (٢) في فتنة مظلمة كسواد الليل تتلوها فتن
أي: نكسوا.
﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا﴾ ترشدوا إلى الهدى ﴿مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ ويقال: إن معناه: أتقولون إن هؤلاء مهتدون، (والله قد أضلهم) (٣)، ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ عن الهدى ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ دينًا، وطريقًا إلى الهدى.
٨٩ - قوله تعالى: ﴿وَدُّوا﴾ أي: تمنوا، ﴿لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾
شرعًا سواء (٤) في الكفر، سماهم كفارًا، ثم أمرهم بالبراءة منهم، فقال: ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الثانية معكم.
قال عكرمة: هي هجرة أخرى، وبيعة أخرى (٥).
والهجرة على ثلاثة أوجه:
إما هجرة المؤمنين في أول الإسلام، فهي قوله -﷿-: ﴿لِلْفُقَرَاءِ
_________________
(١) انظر: "معجم مقاييس اللغة" ٢/ ٤٣٤ (ركس). وهي قراءة شاذة. انظر: "المحتسب" لابن جني ١/ ١٩٤، "إعراب القراءات الشواذ" للعكبري ١/ ٣٩٩، "معاني القرآن" للفراء ١/ ٢٨١.
(٢) في (ت): ركسوا.
(٣) في (م): وقد أضلهم الله.
(٤) ساقطة من (م)، (ت).
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسير القرآن العظيم" ٣/ ١٠٢٦.
[ ١٠ / ٥٠٦ ]
الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ (١)، وقوله: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٢) ونحوهما من الآيات.
وإما هجرة المنافقين، فهي الخروج في سبيل الله مع رسول الله -ﷺ-، صابرا، محتسبًا، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وإما هجرة سائر المؤمنين، فهي أن يهاجروا ما نهى الله تعالى عنه (٣)، كما قال رسول الله -ﷺ- (٤).
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عن التوحيد، والهجرة، ﴿فَخُذُوهُمْ﴾ يعني: أسروهم، ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ يعني: في الحل والحرم، ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ يعني: مانعًا في العون، والنصرة.
وقوله ﴿فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ لم يرد به جواب التمني (٥)؛ لأن جواب التمني بالفاء منصوب، إنما أراد النسق على تأويل ودوا لو تكفرون، وودوا لو تكونون سواء (٦) مثل قوله ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ
_________________
(١) الحشر: ٨.
(٢) النساء: ١٠٠.
(٣) انظر في أنواع الهجرة: "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي ٥/ ٣٠٨، "الرسالة التبوكية" لابن القيم (ص ٦١).
(٤) ولفظه: "المهاجر من هجر ما نهى الله عنه". وقد أخرجه البخاري في كتاب الإيمان" باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده (١٠)، وأحمد في "المسند" ٢/ ١٦٣ (٦٥١٥)، وأبو داود كتاب الجهاد، باب في الهجرة هل انقطعت؟ (٢٤٨١)، وغيرهم من طريق الشعبي عن عبد الله بن عمرو. وفي الباب عن أنس، وفضالة بن عبيد، وأبي مالك الأشعري، وغيرهم.
(٥) قال الزمخشري في "الكشاف" ١/ ٥٥١: ولو نصب على جواب التمني لجاز.
(٦) ساقطة من (ت).
[ ١٠ / ٥٠٧ ]