(٩)﴾ (١) أي: ودوا لو تدهن، وودوا لو يدهنون، ومثله: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ﴾ (٢) أي: ودوا لو تغفلون، وودوا لو يميلون.
ثم استثنى منهم طائفة، فقال:
٩٠ - ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ﴾
أي: يتصلون بقوم، وينتسبون إليهم، يقال: اتصل، أي: انتسب (٣)، وفي الحديث: "من اتصل فأعضُّوه" (٤)، أي: من ادعى بدعوى الجاهلية.
_________________
(١) القلم: ٩.
(٢) النساء: ١٠٢.
(٣) وهو قول أبي عبيدة في "مجاز القرآن" ١/ ١٣٦. وانظر: "القاموس المحيط" للفيروزآبادي (وصل)، وقد رد هذا القول الطبري في "جامع البيان" ٥/ ١٩٨ قائلًا: ولا وجه لهذا التأويل في هذا الموضع.
(٤) الحديث: لم أجده بهذا اللفظ، وإنما وجدته بلفظ: "من سمعتموه يدعو بدعوى الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا". أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" ٦/ ٢٤٢ (١٠٨١١)، والضياء في "الأحاديث المختارة" ٤/ ١٣ (١٢٤٤) بلفظ: "من تعزى بعزاء الجاهلية"، وابن حبان في "صحيحه" كما في "الإحسان" ٧/ ٤٢٤ (٣١٥٣)، والبخاري في "الأدب المفرد" (٩٦٣)، وأحمد في "المسند" ٥/ ١٣٦ (٢١٢٣٣)، والطبراني في "المعجم الكبير" ١/ ١٩٨ (٥٣٢)، كلهم من طريق الحسن عن عتي بن ضمرة عن أبي بن كعب، إلا النسائي فإنه أسقط عتي بن ضمرة، وهذا يشعر بأن الحسن قد دلس الحديث، وصحح إسناده الضياء. =
[ ١٠ / ٥٠٨ ]
قال الأعشى:
إذا اتصلت قالت أبكر بن وائلٍ وبكر سبتها والأنوف رواغمُ (١)
أي إذا انتسبت، ويقال: يصلون من الوصول، أي: يلجئون إليهم.
﴿إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ أي: عهد، وهم الأسلميون، وذلك أن رسول الله -ﷺ- وادع هلال بن عمير الأسلمي (٢)، خروجه (٣) إلى مكة، على أن لا يعينه ولا يعين عليه، حتى يرى ويرى، ومن وصل إلى هلال من قومه وغيرهم ولجأ إليه فلهم من الجوار مثل الذي لهلال.
وقال الضحاك عن ابن عباس: أراد بالقوم الذي بينهم وبينه ميثاق بني بكر بن زيد بن مناة، كانوا في الصلح والهدنة (٤).
_________________
(١) = وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٣/ ٣: رجاله ثقات. وهو كما قال الهيثمي إن كان الحسن سمع من عتي، فإن الحسن كما هو معلوم، مدلس، وقد وجدت لضمرة متابعًا عند أحمد في "المسند" ٥/ ١٣٣ (٢١٢١٨)، والضياء في "الأحاديث المختارة" ٤/ ٤٣٥ (١٢٣٥) من طريق سفيان عن عاصم، عن أبي عثمان، عن أبي، وهذا سند صحيح.
(٢) البيت في "ديوانه" (ص ٨١). وانظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة ١/ ١٣٦، "الناسخ والمنسوخ" للنحاس ٢/ ٢١٤.
(٣) الأسلمي نسبة إلى أسلم بن أقصى بن حارثة، إخوة لخزاعة وأسلم. انظر: "الأنساب" للسمعاني ١/ ١٥٢.
(٤) قبلها في (ت): وقت.
(٥) الأثر ذكره الواحدي في "الوسيط" ٢/ ٩٢، والبغوي في "معالم التنزيل" ٢/ ٢٦٠.
[ ١٠ / ٥٠٩ ]
قوله: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ﴾، أو الذين جاءوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم، أي: ضاقت صدورهم عن قتالكم، وهم بنو مُدلج (١)، جاؤوا المؤمنين ﴿أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ يعني: من آمن منهم، ويجوز أن يكون معناه: أنهم لا يقاتلونكم، ولا يقاتلون قومهم معكم، فيكونون لا عليكم ولا لكم.
وقال بعضهم: أو بمعنى الواو، كأنه يقول: إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق، وجاءوكم ضيقة صدورهم عن قتالكم، والقتال معكم، وهم قوم هلال الأسلميون، وبنو بكر بن زيد بن مناة (٢).
وقوله ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ أي: قد حصرت صدورهم، تقول العرب: أتاني ذهب عقله، يريدون: قد ذهب عقله، وقال الفراء: سمع الكسائي بعضهم يقول: أصبحت نظرت إلى ذات التنانير (٣).
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ يعني: تسليط الله المشركين
_________________
(١) بنو مدلج: بضم الميم، وسكون الدال، قبيلة من كنانة مشهورة بالقيافة، وهي إلحاق الأولاد بالآباء. انظر: "الأنساب" للسمعاني ٥/ ٢٣٢، وهذا هو قول الحسن، كما ذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٢/ ٣٤٢ عنه.
(٢) انظر: "معالم التنزيل" للبغوي ٢/ ٢٦١.
(٣) في (ت): التناصر، وهو خطأ، والتنانير أرض بين الكوفة وبلاد غطفان، كما قال شاكر في تعليقه على "جامع البيان" للطبري ٩/ ٢٢. وانظر: "معجم البلدان" لياقوت ٢/ ٤٧. وانظر: مقالة الفراء في "معاني القرآن" ١/ ٢٨٢.
[ ١٠ / ٥١٠ ]