بعد أن حذر الحق ﷾ اليهود من أن يبيعوا دينهم بثمن قليل وهو المال أو النفوذ الدنيوي. قال تعالى: ﴿وَلاَ تَلْبِسُواْ الحق بالباطل﴾ مادة تلبس. مأخوذة من اللباس الذي نرتديه. واللبس هو التغطية أو التعمية بأن نخفي الحق ولا نظهره. فاللباس تغليف للجسم يستره فلا يبين تفصيلاته. .
والحق هو القضية الثابتة المقدرة التي لا تتغير. فلنفرض أننا شهدنا شيئا يقع. ثم روى كل منا ما حدث. إذا كنا صادقين لن يكون حديثنا إلا مطابقا للحقيقة. ولكن إذا كان هناك من يحاول تغيير الحقيقة فيكون لكل منا رواية. وهكذا فالحق ثابت ولا يتغير.
في التوراة آيات لم يحرفها اليهود. . وآيات محرفة. كل الآيات التي تتعلق برسول الله ﷺ َ ووصفه. . وأنه النبي الخاتم. . حرفها اليهود. والآيات التي لا تتعلق برسول الله ﷺ َ لم يحرفوها. . فكأنهم خلطوا الحق بالباطل. . ما الذي جعلهم يدخلون الباطل ويحاولون إخفاء الحقائق؟ المصلحة الأولى: ليشتروا بآيات الله ثمنا قليلا. . والباطل هو ما لا واقع له. ولذلك فإن أبواب الباطل متعددة.
وباب الحق واحد. فالله ﷾ يريد أن يبلغنا أن اليهود قد وضعوا في التوراة باطلا لم يأمر به الله. وكتموا الحقيقة عن رسالة محمد ﷺ َ. ولكن هل فعلوا ذلك عن طريق الخطأ أو السهو أو النسيان؟ لا بل فعلوه وهم
[ ١ / ٢٩٩ ]
يعلمون. نأتي مثلا إلى قول الحق ﵎ لليهود: ﴿وادخلوا الباب سُجَّدًا وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ المحسنين﴾ [البقرة: ٥٨]
وحطة أي حط عنا يا رب ذنوبنا. يأتي اليهود ويغيرون قول الله. فبدلا من أن يقولوا حطة. يقولوا حنطة. من يسمع هذا اللفظ قد لا يتنبه ويعتقد أنهم قالوا ما أمرهم الله به. مع أن الواقع أنهم حرفوه. ولذلك عندما كانوا يأتون إلى رسول الله ﷺ َ كانوا يقولون: راعنا ليا بألسنتهم. وكان المفروض أن يقولوا راعينا. . ولكنهم قالوا راعنا من الرعونة. . والله تعالى نبه المؤمنين برسوله ﷺ َ ألا يقولوا مثلهم. فقال ﷻ: ﴿لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظرنا﴾ .
أي اتركوا هذه الكلمة نهائيا، هذا لبس الحق بالباطل. إذن فاليهود ألبسوا الحق بالباطل. والإنسان لا يلبس الحق بالباطل. . إلا إذا كان لا يستطيع مواجهة الحق. لأن عدم القدرة على مواجهة الحق ضعف نَفِرُّ منه إلى الباطل، لأن الحق يتعب صاحبه. . والإنسان لا يستطيع أن يَحْمل نفسه على الحق.
وقوله تعالى: ﴿وَتَكْتُمُواْ الحق وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي أنهم يفعلون ذلك عن عمد وليس عن جهل. فقد يكتم الإنسان حقا وهو لا يعلم أنه الحق. ولكن إذا كنت تعلمه فتلك هي النكبة لأنك تخفيه عامدا متعمدا. أو وأنتم تعلمون. قد يكون معناها أن اليهود وهم أهل الكتاب يعلمون ما سيصيبهم في الآخرة من العذاب الأليم. . بسبب إخفائهم الحق. فهم لا يجهلون ماذا سيحدث في الآخرة. ولكنهم يقدمون على عملهم مع علمهم أنه خطأ فيكون العذاب حقا.
[ ١ / ٣٠٠ ]