فالله ﷾ يريد أن يمتن على بني إسرائيل بنعمه ومعجزاته. . ويرينا أنه برغم كل هذه النعم عاش بنو إسرائيل في عنادهم وتعنتهم، بعد أن طلب بنو إسرائيل أن يروا الله جهرة فقتلتهم الصاعقة. . ثم بعثهم الله ﵎ لعلهم يشكرون. . ذكر لنا الحق ﷻ نعما أخرى من نعمه على بني إسرائيل. . وقال اذكروا إذ كنتم في الصحراء وليس فيها ظل تحتمون به من حرارة الشمس القاسية. . وليس فيها مكان تستظلون فيه، لأنه لا ماء ولا نبات في الصحراء. . فظلل الله ﷾ عليكم بالغمام. . أي جاء الغمام رحمة من الله ﷾. . ثم بعد ذلك جاء المن والسلوى. .
والمن نقط حمراء تتجمع على أوراق الشجر بين الفجر وطلوع الشمس. . وهي موجودة حتى الآن في العراق. . وفي الصباح الباكر يأتي الناس بالملاءات البيضاء ويفرشونها تحت الشجر. . ثم يهزون الشجر بعنف فتسقط القطرات الموجودة على ورق الشجر فوق الملاءات. . فيجمعونها وتصبح من أشهى أنواع الحلويات. فيها طعم القشدة وحلاوة عسل النحل. . وهي نوع من الحلوى اللذيذة المغذية سهلة الهضم سريعة الامتصاص في الجسم. والله ﷾ جعله بالنسبة لهم وقود حياتهم. . وهم في الصحراء يعطيهم الطاقة. أما السلوى فهي طير من السماء ويقال أنه السمان. . يأتيهم في جماعات كبيرة لا يعرفون مصدرها. . ويبقى على الأرض حتى يمسكوا به ويذبحوه ويأكلوه.
فالله ﵎ قد رزقهم بهذا الرزق الطيب من غمام يقيهم حرارة الشمس، ومَنّ يعطيهم وقود الحركة. وسَلْوَى كغذاء لهم، وكل هذا يأتيهم من
[ ١ / ٣٥٠ ]
السماء دونما تعب منهم. . ولكنهم لعدم إيمانهم بالغيبيات يريدون الأمر المادي وهم يخافون أن ينقطع المَنَّ والسلْوى عنهم يوما ما فماذا يفعلون؟
لو كانوا مؤمنين حقا لقالوا: إن الذي رزقنا بالمن والسلوى لن يضيعنا. . ولكن الحق ﷻ ينزل لهم طعامهم يوميا من السماء وهم بدلا من أن يقابلوا هذه النعمة بالشكر قابلوها بالجحود.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا ولكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ فالحق ﷾ يتحدث للمرة الثالثة عن ظلم قوم موسى. . ففي المرة الأولى قال «وأنتم ظالمون» . وفي الآية الثانية قال: «ظلمتم أنفسكم» . . وفي هذه الآية قال: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا ولكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ . .
ولقد سبق أن قلت أنه لا أحد يستطيع أن يظلم الله لأن الله ﷾ باق بقدرته وقوته وعظمته. . لا يقلل منها لو كفر أهل الأرض جميعا ولا يزيد فيها لو آمن أهل الأرض كلهم. فقدرة الله باقية وكلمته ماضية.
. ولكن نحن الذين نظلم أنفسنا. . بأن نوردها مورد التهلكة والعذاب الذي لا نجاة منه دون أن نعطيها شيئا. .
إن الدنيا كما قلنا عالم أغيار. والنعمة التي أنت فيها زائلة عنك. إما أن تتركها بالموت أو تتركك هي وتزول عنك. . وتخرج من الدنيا تحمل أعمالك فقط. . كل شيء زال وبقيت ذنوبك تحملها إلى الآخرة. . ولذلك فإن كل من عصى الله وتمرد على دينه قد ظلم نفسه لأنه قادها إلى العذاب الأبدي طمعا في نفوذ أو مال زال بعد فترة قصيرة ولم يدم. . فكأنه ظلمها بأن حرمها من نعيم أبدي وأعطاها شهوة قصيرة عاجلة «.
[ ١ / ٣٥١ ]