بعد أن تحدث الحق ﷾ عن بني إسرائيل وكيف كفروا بنعمه. . أراد أن يعرض لنا حساب الأمم التي سبقت أمم رسول الله ﷺ َ يوم القيامة، ولقد وردت هذه الآية في سورة المائدة ولكن بخلاف يسير من التقديم والتأخير. . ففي سورة المائدة: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ والذين هَادُواْ والصابئون والنصارى﴾ [المائدة: ٦٩]
أي أنه في سورة المائدة تقدمت الصابئون على النصارى. . واختلف الإعْراب فبينما في البقرة و«الصابئين» . . وفي المائدة و«الصابئون» . . وردت آية أخرى في سورة الحج: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ والذين هَادُواْ والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧]
الآيات الثلاث تبدو متشابهة. . إلا أنَّ هناك خلافات كثيرة. . ما هو سبب التكرار الموجود في الآيات. . وتقديم الصابئين مرة وتأخيرها. . ومع تقديمها رفعت وتغير الإعراب. . وفي الآيتين الأوليين (البقرة والمائدة) تأتي: ﴿مَنْ آمَنَ
[ ١ / ٣٦٩ ]
بالله واليوم الآخر وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ . . أما في الآية التي في سورة الحج فقد زاد فيها: ﴿المجوس والذين أشركوا﴾ . . واختلف فيها الخبر. . فقال الله ﷾: ﴿إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة﴾ .
عندما خلق الله وأنزله ليعمر الأرض أنزل معه الهدى. . واقرأ قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتبع هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يشقى﴾ [طه: ١٢٣]
مفروض أن آدم أبلغ المنهج لأولاده. . وهؤلاء أبلغوه لأولادهم وهكذا. . وتشغل الناس الحياة وتطرأ عليهم الغفلة. . ويصيبهم طمع الدنيا وجشعها ويتبعون شهواتهم. . فكان لابد من رحمة الله لخلقه أن يأتي الرسل ليذكروا وينذروا ويبشروا. .
الآية الكريمة تقول: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ﴾ . . أي إيمان الفطرة الذي نزل مع آدم إلى الأرض. . وبعد ذلك جاءت أديان كفر الناس بها فأبيدوا من على الأرض. . كقوم نوح ولوط وفرعون وغيرهم. . وجاءت أديان لها اتباع حتى الآن كاليهودية والنصرانية والصابئية، والله ﷾ يريد أن يجمع كل ما سبق في رسالة محمد ﵊ ُ. . ورسول الله ﷺ َ جاء لتصفية الوضع الإيماني في الأرض. .
إذن الذين آمنوا أولا سواء مع آدم أو مع الرسل. . الذين جاءوا بعده لمعالجة الداءات التي وقعت. . ثم الذين تسموا باليهود والذين تسموا بالنصارى والذين تسموا بالصابئة. . فالله ﵎ يريد أن يبلغهم لقد انتهى كل هذا. . فمن آمن بمحمد ﷺ َ فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. . فكأن رسالته ﵊ ُ جاءت لتصفية كل الأديان السابقة.
. وكل إنسان في الكون مطالب بأن يؤمن بمحمد ﵊ ُ. . فقد دعى الناس كلهم إلى الإيمان برسالته. . ولو بقي إنسان من عهد آدم أو من عهد إدريس أو من
[ ١ / ٣٧٠ ]
عهد نوح أو إبراهيم أو هود. . وأولئك الذين نسبوا إلى اليهودية وإلى النصرانية وإلى الصابئية. . كل هؤلاء مطالبون بالإيمان بمحمد ﷺ َ والتصديق بدين الإسلام. . فالإسلام يمسح العقائد السابقة في الأرض. . ويجعلها مركزة في دين واحد. . الذين آمنوا بهذا الدين: ﴿لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ . . والذين لم يؤمنوا لهم خوف وعليهم حزن. . وهذا إعلان بوحدة دين جديد. . ينتظم فيه كل من في الأرض إلى أن تقوم الساعة. . أما أولئك الذين ظلوا على ما هم عليه. . ولم يؤمنوا بالدين الجديد. . لا يفصل الله بينهم إلا يوم القيامة. . ولذلك فإن الآية التي تضمنت الحساب والفصل يوم القيامة. . جاء فيها كل من لم يؤمن بدين محمد ﵊ ُ. . بما فيهم المجوس والذين أشركوا.
والحق ﵎ أراد أن يرفع الظن. . عمن تبع دينا سبق الإسلام وبقي عليه بعد السلام. . وهو يظن أن هذا الدين نافعه. . نقول له أن الحق ﷾ قد حسم هذه القضية في قوله تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]
وقوله ﷻ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإسلام﴾ [آل عمران: ١٩]
إذن التصفية النهائية لموكب الإيمان والرسالات في الوجود حسمت. . فالذي آمن بمحمد ﵊ ُ. . لا يخاف ولا يحزن يوم القيامة. . والذي لم يؤمن يقول الله ﵎ له ﴿إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة﴾ . . إذن الذين آمنوا هم الذين ورثوا الإيمان من عهد آدم. . والذين هادوا هم أتباع موسى ﵇. . وجاء الاسم من قولهم: «إنا هدنا إليك» أي عدنا إليك. . والنصارى جمع نصراني وهم منسوبون إلى الناصرة البلدة التي ولد فيها عيسى عليه
[ ١ / ٣٧١ ]
السلام. . أو من قول الحواريين نحن أنصار الله في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّآ أَحَسَّ عيسى مِنْهُمُ الكفر قَالَ مَنْ أنصاري إِلَى الله قَالَ الحواريون نَحْنُ أَنْصَارُ الله آمَنَّا بالله واشهد بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٥٢]
أما الصابئة فقد اختلف العلماء فيهم. . قال بعضهم هم أتباع نوح ولكنهم غيروا بعده وعبدوا من دون الله الوسائط في الكون كالشمس والقمر والكواكب. . أو الصابئة هم الذين انتقلوا من الدين الذي كان يعاصرهم إلى الدين الجديد. . أو هم جماعة من العقلاء قالوا ما عليه قومنا لا يقنع العقل. . كيف نعبد هذه الأصنام ونحن نصنعها ونصلحها؟ .
. فامتنعوا عن عبادة أصنام العرب. . فقالوا عنهم إنهم صبئوا عن دين آبائهم. . أي تركوه وآمنوا بالدين الجديد. . وأيا كان المراد بالصابئين فهم كل من مال عن دينه إلى دين آخر.
أننا نلاحظ أن الله ﷾. . جاء بالصابئين في سورة البقرة متأخرة ومنصوبة. . وفي سورة المائدة متقدمةً ومرفوعةً. . نقول هذا الكلام يدخل في قواعد النحو. . الآية تقول: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ﴾ . . نحن نعرف أَنَّ (إِنَّ) تنصب الاسم وترفع الخبر. . فالذين مبني لأنه إسم موصول في محل نصب إسم لأن: ﴿والذين هَادُواْ﴾ معطوف على الذين آمنوا يكون منصوبًا أيضًا. . والنصارى معطوف أيضا على إسم إن. . والصابئين معطوف أيضا ومنصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم. .
نأتي إلى قوله تعالى: ﴿مَنْ آمَنَ بالله واليوم الآخر﴾ . هذه مستقيمة في سورة البقرة إعرابا وترتيبا. . والصابئين تأخرت عن النصارى لأنهم فرقة قليلة. . لا تمثل جمهرة كثيرة كالنصارى. . ولكن في آية المائدة تقدمت الصابئون وبالرفع في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ والذين هَادُواْ﴾ . . الذين آمنوا إسم إن والذين هادوا معطوف. . و«الصابئون» كان القياس إعرابيا أن يقال والصابئين. . وبعدها النصارى معطوفة. . ولكن كلمة (الصابئون) توسطت بين اليهود وبين
[ ١ / ٣٧٢ ]
النصارى. . وكسر إعرابها بشكل لا يقتضيه الظاهر. . وللعرب إذن مرهفة لغويا. . فمتى سمع الصابئين التي جاءت معطوفة على اسم إن تأتي بالرفع يلتفت لفتة قسرية ليعرف السبب. .
حين تولى أبا جعفر المنصور الخلافة. . وقف على المنبر ولحن لحنة أي أخطأ في نطق كلمة. . وكان هناك إعرابي يجلس فآذت أُذنيه. . وأخطأ المنصور للمرة الثانية فحرك الإعرابي أُذنيه باستغراب. . وعندما أخطأ للمرة الثالثة قام الإعرابي وقال. . أشهد أنك وليت هذا الأمر بقضاء وقدر. . أي أنك لا تستحق هذا. . هذا هو اللحن إذا سمعه العربي هز أذنيه. . فإذا جاء لفظ مرفوعا والمفروض أن يكون منصوبا. . فإن ذلك يجعله يتنبه أن الله له حكمة وعلة. . فما هي العلة؟ . .
الذين آمنوا أمرهم مفهوم والذين هادوا أمرهم مفهوم والنصارى أمرهم مفهوم. . أما الصابئون فهؤلاء لم يكونوا تابعين لدين. . ولكنهم سلكوا طريقا مخالفا. . فجاءت هذه الآية لتلفتنا أن هذه التصفية تشمل الصابئين أيضا. . فقدمتها ورفعتها لتلفت إليها الآذان بقوة. . فالله ﷾ يعطف الإيمان على العمل لذلك يقول دائما: ﴿آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ . . لأن الإيمان إن لم يقترن بعمل فلا فائدة منه. . والله يريد الإيمان أن يسيطر على حركة الحياة بالعمل الصالح. . فيأمر كل مؤمن بصالح العمل وهؤلاء لا خوف عليهم في الدنيا ولا هم يحزنون في الآخرة.
[ ١ / ٣٧٣ ]