بعد أن بيّن الحق ﷾ لنا كيف أمر اليهود بأن يتذكروا المنهج ولا ينسوه. . وكان مجرد تذكرهم للمنهج يجعلهم يؤمنون بالإسلام وبرسول الله ﷺ َ لأنه مكتوب عندهم في التوراة ومذكورة أوصافه. . ماذا فعل اليهود؟
يقول الحق ﵎: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِّن بَعْدِ ذلك﴾ . . أي أعرضتم عن منهج الله ونسيتموه ولم تلتفتوا إليه. . ﴿فَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُم مِّنَ الخاسرين﴾ ما هو الفضل وما هي الرحمة؟ الفضل هو الزيادة عما تستحق. . يقال لك هذا حقك وهذا فضل مني أي زيادة على حقك. .
عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ َ قال: «سدّدوا وقاربوا وأبشروا فإنه لا يُدْخِلُ أحدًا الجنةَ عملهُ قالوا: ولا أنت يا رسولَ الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة»
فإذا تساءلت كيف يتم هذا؟ وكيف أنه لا أحد يدخل الجنة بعمله؟ نقول نعم لأن عمل الدنيا كله لا يساوي نعمة من نعم الله على خلقه؛ فأنت تذكرت العمل ولم تتذكر الفضل. . وكل من يدخل الجنة فبفضل الله ﷾. . حتى الشهداء الذين أعطوا حياتهم وهي كل ما يملكون في هذه الدنيا. . يقول الحق ﷾ عنهم:
[ ١ / ٣٧٩ ]
﴿فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ الله مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بالذين لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران: ١٧٠]
فإذا كان هؤلاء الشهداء وهم في أعلى مراتب الجنة قد دخلوا الجنة بفضل الله. . فما بالك بمن هم أقل منهم أجرا. . والله ﷾ له فضل على عباده جميعا. . واقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٣]
أما الرحمة فهي التي فتحت طريق التوبه لغفران الذنوب. والله ﷾ يريد أن يلفتنا إلى أنه لولا هذا الفضل لبني إسرائيل. . ولولا أنه فتح لهم باب الرحمة والمغفرة ليعودوا مرة أخرى إلى ميثاقهم ومنهجهم. . لولا هذا لكانوا من الخاسرين الذين أصابهم خسران مبين في الدنيا والآخرة. . ولكن الله ﵎ بفضل منه ورحمة قد قادهم إلى الدين الذي حفظه الله ﷾ بقدرته من أي تحريف. . فرفع عنهم عبء حفظ الكتاب. . وما ينتج عن ذلك من حمل ثقيل في الدنيا. . ورحمهم برسول الله ﷺ َ الذي أرسله رحمة للعالمين. . مصداقا لقوله ﵎: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]
وأعطاهم فضل هذا الدين الخاتم الذي حسم قضية الإيمان في هذا الكون. . ومع هذه الرحمة وهذا الفضل. . بأن نزل إليهم في التوراة أوصاف رسول الله ﷺ َ وموعد بعثه. . فتح لهم بابا حتى لا يصبحوا من الخاسرين. . ولكنهم تركوا هذا الباب كما تولوا عن دينهم.
[ ١ / ٣٨٠ ]