تعرضنا إلى هذه الآية الكريمة في بداية سورة البقرة. . لأن السورة سميت بهذا الاسم. . ونلاحظ هنا أن الله ﷾ أتى بحرف: «وإذ» . . يعني واذكروا: ﴿وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾ . . ولم يقل لماذا أمرهم بأن يذبحوا البقرة. . ولابد أن نقرأ الآيات إلى آخر القصة لنعرف السبب في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادارأتم فِيهَا والله مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ فَقُلْنَا اضربوه بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي الله الموتى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٢ - ٧٣]
والمفروض في كل الأمور أن الأمر تسبقه علته. . ولكن هذه عظمة القرآن الكريم. . لأن السؤال عن العلة أولا معناه أن الأمر صادر من مساو لك. . فإذا قال لك إنسان إفعل كذا. . تسأله لماذا حتى أطيع الأمر وأنفذه. . إذن الأمر من المساوي هو الذي تسأل عن علته. . ولكن الأمر من غير المساوي. . كأمر الأب لإبنه والطبيب لمريضه والقائد لجنوده. . مثل هذا الأمر لا يسأل عن علته قبل تنفيذه. . لأن الذي أصدره أحكم من الذي صدر إليه الأمر. . ولو أن كل مكلف من الله أقبل على الأمر يسأل عن علته أولا. . فيكون قد فعل الأمر بعلته. فكأنه قد فعله من أجل العلة. . ومن هنا يزول الإيمان. . ويستوي أن يكون الإنسان مؤمنا أو غير مؤمن. . ويكون تنفيذ الأمر بلا ثواب من الله. .
[ ١ / ٣٨٨ ]
إن الإيمان يجعل المؤمن يتلقى الأمر من الله طائعا. . عرف علته أو لم يعرف. . ويقوم بتنفيذه لأنه صادر من الله. . ولذلك فإن تنفيذ أي أمر إيماني يتم لأن الأمر صادر من الله. . وكل تكليف يأتي. . علة حدوثه هي الإيمان بالله. . ولذلك فإن الحق ﷾ يبدأ كل تكليف بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمنوا﴾ . . أي يا من آمنت بالله ربا وإلها وخالقا. . خذ عن الله وافعل لأنك آمنت بمن أمرك.
في هذه الآيات التي نحن بصددها أراد الله تعالى أن يبين لنا ذلك. فجاء بالأمر بذبح البقرة أولا. . وبالعلة في الآيات التي روت لنا علة القصة. . وأنت حين تعبد الله فكل ما تفعله هو طاعة لله ﷾. . سواء عرفت العلة أو لم تعرفها؛ فأنت تؤدي الصلاة لأن الله ﵎ أمرك بأن تصلي. . فلو أديت الصلاة على أنها رياضة أو أنها وسيلة للاستيقاظ المبكر. . أو أنها حركات لازمة لليونة المفاصل فإن صلاتك تكون بلا ثواب ولا أجر. . إن أردت الرياضة فاذهب إلى أحد النوادي وليدربك أحد المدربين لتكون الرياضة على أصولها.
. وأن أردت اللياقة البدنية فهناك ألف طريقة لذلك. . وإن أردت عبادة الله كما أمرك الله فلتكن صلاتك التي فرضها الله عليك لأن الله فرضها. . وكذلك كل العبادات الأخرى. .
الصوم ليس شعورا بإحساس الجائع. . ولا هو طريقة لعمل الرجيم ولكنه عباده. . إن لم تصم تنفيذا لأمر الله بالصوم فلا ثواب لك. . وإن جعلت للصيام أي سبب إلا العبادة فإنه صيام لا يقبله الله. . والله أغنى الشركاء عن الشرك. . فمن أشرك معه أحدا ترك الله عمله لمن أشركه. . وكذلك كل العبادات.
هذا هو المفهوم الإيماني الذي أراد الله ﷾ أن يلفتنا إليه في قصة بقرة بني إسرائيل. . ولذلك لم يأت بالعلة أو السبب أولا. . بل أتى بالقصة ثم أخبرنا سبحانه في آخرها عن السبب. . وسواء أخبرنا الله عن السبب أو لم يخبرنا فهذا لا يغير في إيماننا بحقيقة ما حدث. . وإن القصة لها حكمة وإن خفيت علينا فهي موجودة.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾ . . أعطى الله ﵎
[ ١ / ٣٨٩ ]
الأمر أولا ليختبر قوة إيمان بني إسرائيل. . ومدى قيامهم بتنفيذ التكليف دون تلكؤ أو تمهل. . ولكنهم بدلا من أن يفعلوا ذلك أخذوا في المساومة والتباطؤ: ﴿وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ﴾ . . كلمة قوم تطلق على الرجال فقط. . ولذلك يقول القرآن الكريم: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عسى أَن يَكُونُواْ خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عسى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ﴾ [الحجرات: ١١]
إذن قوم هم الرجال. . لأنهم يقومون على شئون أسرهم ونسائهم. . ولذلك يقول الشاعر العربي:
وما أدري ولست أخال أدري أَقَوْمٌ آل حصنٍ أم نساءُ
فالقوامة للرجال. . والمرأة حياتها مبنية على الستر في بيتها. . والرجال يقومون لها بما تحتاج إليه من شئون. . والمفروض أن المرأة سكن لزوجها وبيتها وأولادها وهي في هذا لها مهمة أكبر من مهمة الرجال. . قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ﴾ . . الأمر طلب فعل. وإذا كان الآمر أعلى من المأمور نسميه أمرا. . وإذا كان مساويا له نسميه إلتماسا. . وإذا كان إلى أعلى نسميه رجاء ودعاء. . على أننا لابد أن نلتفت إلى قوله تعالى على لسان زكريا: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: ٣٨]
هل هذا أمر من زكريا؟ طبعا لا. لأنه دعاء والدعاء رجاء من الأدنى إلى الأعلى. . قوله تعالى: ﴿الله يَأْمُرُكُمْ﴾ . . لو أن إنسانا يعقل أدنى عقل ثم يطلب منه أن يذبح بقرة. . أهذه تحتاج إلى إيضاح؟ لو كانوا ذبحوا بقرة لكان كل شيء قد تم دون أي جهد.
. فمادام الله قد طلب منهم أن يذبحوا بقرة. . فكل
[ ١ / ٣٩٠ ]
ما عليهم هو التنفيذ. .
ولكن أنظر إلى الغباء حتى في السؤال. . إنهم يريدون أن يفعلوا أي شيء لإبطال التكليف. . لقد قالوا لموسى نبيهم إنك تهزأ بنا. . أي أنهم استنكروا أن يكلفهم الله ﵎ بذبح بقرة على إطلاقها دون تحديد. . فاتهموا موسى أنه يهزأ بهم. . كأنهم يرون أن المسألة صعبة على الله ﷾. . لا يمكن أن تحل بمجرد ذبح بقرة. . وعندما سمع موسى كلامهم ذهل. . فهل هناك نبي يهزأ بتكليف من تكليفات الله ﵎. . أينقل نبي الله لهم أمرا من أوامر الله ﷻ على سبيل الهزل؟
هنا عرف موسى أن هؤلاء اليهود هم جاهلون. . جاهلون بربهم وبرسولهم وجاهلون بآخرتهم. . وأنهم يحاولون أن يأخذوا كل شيء بمقاييسهم وليس بمقاييس الله ﷾. . فاتجه إلى السماء يستعيذ بالله من هؤلاء الجاهلين. . الذين يأتيهم اليسر فيريدونه عسرا. ويأتيهم السهل فيريدونه صعبا. . ويطلبون من الله أن يعنتهم وأن يشدد عليهم وأن يجعل كل شيء في حياتهم صعبا وشاقا.
[ ١ / ٣٩١ ]