وكما اعطانا الحق ﷾ أوصاف المؤمنين يعطينا صفات الكافرين. . وقد يتساءل بعض الناس إذا كان هذا هو حكم الله على الكافرين؟ فلماذا يطلب رسول الله ﷺ َ الإيمان منهم وقد ختم الله على قلوبهم؟! ومعنى الختم على القلب هو حكم بألاّ يخرج من القلب ما فيه من الكفر. . ولا يدخل إليه الإيمان. .
نقول أن الله ﷾ غني عن العالمين. . فإن استغنى بعض خلقه عن الإيمان واختاروا الكفر. . فإن الله يساعده على الاستغناء ولا يعينه على العودة إلى الإيمان. . ولذلك فإن الحق ﷾ يقول في حديث قدسي:
«أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني. . فإن ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وإن اقترب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، وإن اقترب إلي ذراعا اقتربت إليه باعا وإن أتاني يمشي أتيته هرولة» .
وقد وضح الحديث القدسي أن الله ﵎ يعين المؤمنين على الإيمان، وأن الله ﷻ كما يعين المؤمنين على الإيمان. . فإنه لا يهمه أن يأتي العبد إلى الإيمان أو لا يأتي. . ولذلك نجد القرآن دقيقا ومحكما بأن من كفروا قد اختاروا الكفر بإرادتهم. واختيارهم للكفر كان أولا قبل أن يختم الله على قلوبهم. . والخالق ﷻ أغنى الشركاء عن الشرك. . ومن أشرك به فإنه في غنى عنه.
إن الذين كفروا. . أي ستروا الإيمان بالله ورسوله. . هؤلاء يختم الله بكفرهم على آلات الإدراك كلها. . القلب والسمع والبصر. والقلب أداة إدراك غير ظاهرة. . وقد قدم الله القلب على السمع والبصر في تلك الآية لأنه يريد أن يعلمنا
[ ١ / ١٤٢ ]
منافذ الإدراك. . وفي القرآن الكريم يقول الحق ﵎: ﴿والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨]
وهكذا يعلمنا الله أن منافذ العلم في الإنسان هي السمع والأبصار والأفئدة. . ولكن في الآية الكريمة التي نحن بصددها قدم الله القلوب على السمع والأبصار. . أن الله يعلم أنهم اختاروا الكفر. . وكان هذا الاختيار قبل أن يختم الله على قلوبهم. . والختم على القلوب. . معناه أنه لا يدخلها إدراك جديد ولا يخرج منها إدراك قديم. . ومهما رأت العين أو سمعت الأذن. . فلا فائدة من ذلك لأن هذه القلوب مختومة بخاتم الله بعد أن اختار أصحابها الكفر وأصروا عليه. . وفي ذلك يصفهم الحق ﷻ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٨]
ولكن لماذا فقدوا كل أدوات الإدراك هذه؟ .
. لأن الغشاوة التفت حول القلوب الكافرة، فجعلت العيون عاجزة عن تأمل آيات الله. . والسمع غير قادر على التلقي من رسول الله ﷺ َ. .
إذن فهؤلاء الذين اختاروا الكفر وأصروا عليه وكفروا بالله رغم رسالاته ورسله وقرآنه. . ماذا يفعل الله بهم؟ أنه يتخلى عنهم. ولأنه ﷾ غني عن العالمين فإنه ييسر لهم الطريق الذي مشوا فيه ويعينهم عليه. . واقرأ قوله ﵎: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرحمن نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦]
[ ١ / ١٤٣ ]
ويقول ﷻ: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ على مَن تَنَزَّلُ الشياطين تَنَزَّلُ على كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٢]
ومن عظمة علم الله ﵎ أنه يعلم المؤمن ويعلم الكافر. . دون أن يكون ﷻ تدخل في اختيارهم. . فعندما بعث الله ﷾ نوحا ﵇. . ودعا نوح إلى منهج الله تسعمائة وخمسين عاما. وقبل أن يأتي الطوفان علم الله ﷾ أنه لن يؤمن بنوح ﵇ إلا من آمن فعلا. . فطلب الله ﵎ من نوح أن يبني السفينة لينجو المؤمنون من الطوفان. . واقرأ قوله ﷻ: ﴿وَأُوحِيَ إلى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ واصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الذين ظلموا إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ﴾ [هود: ٣٦ - ٣٧]
وهكذا نرى أنه من عظمة علم الله ﷾. . أنه يعلم من سيصر على الكفر وأنه سيموت كافرا. . وإذا كانت هذه هي الحقيقة فلماذا يطلب الله ﵎ من رسوله ﷺ َ أن يبلغهم بالمنهج وبالقرآن؟ . . ليكونوا شهداء على أنفسهم يوم القيامة. . فلا يأتي هؤلاء الناس يوم المشهد العظيم ويجادلون بالباطل. . أنه لو بلغهم الهدى ودعاهم رسول الله ﷺ َ لآمنوا. . ولكن لماذا يختم الله ﷻ على قلوبهم؟ . . لأن القلب هو مكان العقائد. . ولذلك فإن القضية تناقش في العقل فإذا انتهت مناقشتها واقتنع بها الإنسان تمامًا فإنها تستقر في القلب ولا تعود إلى الذهن مرة أخرى وتصبح عقيدة وإيمانا. . والحق ﷾ يقول: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي فِي الصدور﴾ [الحج: ٤٦]
[ ١ / ١٤٤ ]
وإذا عمى القلب عن قضية الإيمان. . فلا عين ترى آيات الإيمان. . ولا أذن تسمع كلام الله. . وهؤلاء الذين اختاروا الكفر على الإيمان لهم في الآخرة عذاب عظيم. . ولقد وصف الله ﷾ العذاب بأنه أليم. . وبأنه مهين. . وبأنه عظيم. . العذاب الأليم هو الذي يسبب ألما شديدا. . والعذاب المهين هو الذي يأتي لأولئك الذين رفعهم الله في الدنيا. . وأحيانا تكون الإهانة أشد إيلاما للنفس من ألم العذاب نفسه. . أولئك الذين كانوا أئمة الكفر في الدنيا. . يأتي بهم الله ﵎ يوم القيامة أمام من اتبعوهم فيهينهم. . أما العذاب العظيم فإنه منسوب إلى قدرة الله ﷾. . لأنه بقدرات البشر تكون القوة محدودة. . أما بقدرات الله ﷻ تكون القوة بلا حدود. . لأن كل فعل يتناسب مع فاعله. . وقدرة الله ﷾ عظيمة في كل فعل. . وبما أن العذاب من الله ﷻ فإنه يكون عذابا عظيما.
[ ١ / ١٤٥ ]