قال أبو جعفرٍ: يعنى بذلك جل ثناؤه: وللَّهِ مُلْكُ جميعِ ما حَوَتْه السماواتُ السبعُ والأَرَضُونَ السبعُ مِن الأشياءِ كلِّها. وإنما ذكَر جلَّ ثناؤُه [ذلك بعَقِبِ] (^٢) قولِه: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾. تنبيهًا منه خلقَه على مَوْضعِ الرغبةِ عندَ فِراقِ أحدِهم زوجتَه؛ ليَفْزَعوا إليه عندَ الجَزَعِ مِن الحاجةِ والفاقةِ والوَحْشَةِ بفِراقِ سَكَنِه وزَوْجَتِه، وتَذْكيرًا منه له أنه الذي له الأشياءُ كلُّها، وأنَّ مَن كان له مُلْكُ جميعِ الأشياءِ، فغيرُ مُتَعَذَّرٍّ عليه أن يُغْنِيَه وكلَّ ذى فاقةٍ وحاجةٍ، ويُؤْنِسَ كلَّ ذى وَحْشَةٍ. ثم رجَع جل ثناؤُه إلى عَدْلِ مَن سعَى في أمرِ بنى أُبَيْرِقٍ وتَوْبيخِهم، ووَعِيدِ مَن فعَل (^٣) فِعْلَ المرتدِّ منهم، فقال: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ
_________________
(١) تفسير مجاهد ص ٢٩٤، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٣، ٢٣٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) في م: "بعقب ذلك".
(٣) بعده في م: "ما".
[ ٧ / ٥٧٨ ]
وَإِيَّاكُمْ﴾. يقولُ: ولقد أمَرْنا أهلَ الكتابِ، وهم أهلُ التوراةِ والإنجيلِ، ﴿وَإِيَّاكُمْ﴾. يقولُ: وأمَرْناكم وقلنا لكم ولهم: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾. يقولُ: احْذَروا الله (^١) أن تَعْصُوه وتخالفوا أمرَه ونهيَه، ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا﴾. يقولُ: وإِن تَجْحَدوا وَصِيَّتَه إياكم أيها المؤمنون، فتُخالِفوها، ﴿فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: فإنكم لا تَضُرُّون بخلافِكم وصيتَه غيرَ أنْفُسِكم، ولا تَعْدُون في كفرِكم ذلك أن تكونوا مِثْلَ (^٢) اليهودِ والنصارى، في نزولِ عقوبتِه بكم، وحلولِ غضبِه عليكم، كما حلَّ بهم، إذ بَدَّلوا عهدَه ونَقَضوا ميثاقَه، فغَيَّر بهم ما كانوا فيه مِن خَفْضِ العَيْشِ وأَمْنِ السِّرْبِ (^٣)، وجعَل منهم القِرَدَةَ والخنازيرَ، وذلك أن له مُلْكَ جميعِ ما حَوَتْه السماواتُ والأرضُ، لا يَمْتَنِعُ عليه شيءٌ أراده بجميعِه وبشيءٍ منه؛ مِن إعْزازِ مَن أرادَ إعزازَه، وإذْلالِ مَن أراد إذلالَه، وغيرِ ذلك مِن الأموِر كلِّها؛ لأن الخَلْقَ خلقُه، بهم إليه الفاقةُ والحاجةُ، وبه قُواهم وبَقاؤُهم، وهَلاكُهم وفَناؤُهم. وهو الغنيُّ الذي لا حاجةَ تُخِلُّ (^٤) به إلى شيءٍ، ولا فاقةَ تَنْزِلُ بِه تَضْطَرُّه إليكم أيُّها الناسُ، ولا إلى غيرِكم، والحَمِيدُ الذي اسْتَوْجَب عليكم أيُّها الخلقُ الحَمْدَ بصَنائِعِه الحميدةِ إليكم، وآلائِه الجميلةِ لديكم، فاسْتَديموا ذلك أيُّها الناسُ باتِّقائِه، والمسارعةِ إلى طاعتِه فيما يَأْمُركم به، ويَنْهاكم عنه.
كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ هاشمٍ، قال: أخبرنا سَيْفٌ، عن أبي رَوْقٍ، عن عليٍّ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا﴾. قال: غَنِيًّا عن خلقِه،
_________________
(١) سقط من: الأصل، م.
(٢) في م: "أمثال".
(٣) في م: "الشرب". وآمن في سِرْبه: آمن في أهله وماله وولده. تاج العروس (س ر ب).
(٤) في ص، م، ت ٢، ت ٣، س: "تحل"، وفى ت ١: "بحل". وخَلَّ الرَّجُلُ خَلًّا وأُخِلَّ، بالضَّمِّ: أي احْتاج، وأَخَلّ الرجلُ: افْتَقَر. تاج العروس (خ ل ل).
[ ٧ / ٥٧٩ ]
﴿حَمِيدًا﴾. قال: مُسْتَحْمَدًا إليهم (^١).