قال أبو جعفرٍ، ﵀: يَعْنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾. ولولا أن الله تَفَضَّل عليك يا محمدُ فعصَمك بتوفيقِه وتِبيانِه لك أمرَ هذا الخائنِ، فكَفَفْتَ لذلك عن الجدالِ عنه، ومدافعةِ أهلِ الحقِّ عن حقِّهم قِبَلَه، ﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾. يَقُولُ: لهمَّت فرقةٌ منهم، يَعْنى: مِن هؤلاءِ الذين يَخْتَانُون أنفسَهم ﴿أَنْ يُضِلُّوكَ﴾. يَقُولُ: يُزِلُّوك عن طريقِ الحقِّ، وذلك لتلبِيسِهم أمرَ الخائنِ عليه ﷺ، وشَهادتِهم للخائنِ عندَه بأنه برئٌ مما ادُّعِى عليه، ومسألتِهم إياه أن يَعْذِرَه، ويَقُومَ بمعذِرتِه في أصحابِه، فقال اللهُ ﵎: وما يُضِلُّ هؤلاء الذين همُّوا بأن يُضِلوك عن الواجبِ مِن الحكمِ في أمرِ هذا الخائنِ درعَ جارِه، إلا أنفسَهم.
_________________
(١) في الأصل: "زورا".
(٢) في م: "عمله".
[ ٧ / ٤٧٩ ]
فإن قال قائلٌ: وما كان وجهُ إضلالِهم أنفسَهم؟ قيل: وجهُ إضلالِهم أنفسَهم: أخذُهم بها في غيرِ ما أباح اللهُ لهم الأخذَ بها فيه مِن سُبُلِه، وذلك أن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه قد كان تَقَدَّم إليهم فيما تَقَدَّم في كتابِه على لسانِ رسولِه ﷺ إلى خلقِه، بالنهى عن التعاونِ على الإثمِ والعُدْوانِ، والأمرِ بالتعاونِ على الحقِّ، فكان مِن الواجبِ للهِ على من سعَى في أمرِ الخائنين الذين وصَف اللهُ أمرَهم بقولِه: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾، معاونةُ مَن ظلَموه دونَ مَن خاصَمهم إلى رسولِ اللهِ ﷺ في طلبِ حقِّه منهم، فكان سعيُهم في معونتِهم دونَ معونةِ مَن في ظلَموه، أخذًا منهم في غيرِ سبيلِ اللهِ، وذلك هو إضلالهُم أنفسَهم، الذي وصَفه اللهُ فقال: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾. يقولُ: وما يَضُرُّك هؤلاء الذين همُّوا بك أن يُزِلُّوك عن الحقِّ في أمرِ هذا الخائنِ مِن قومِه وعشيرتِه مِن شيءٍ؛ لأن الله مُثَبِّتُك ومسدِّدُك في أمورِك، ومبينٌ لك أمرَ مَن سعَوا في إضلالِك عن الحقِّ في أمرِه وأمرِهم، ففاضِحُه وإياهم.
وقولُه: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾. يَقُولُ: ومِن فضلِ اللهِ عليك يا محمدُ مع سائرِ ما تَفَضَّل به عليك مِن نعمِه، أنه أنزَل عليك أيضًا الكتابَ، وهو القرآنُ الذي فيه تِبيانُ كلِّ شيءٍ وهدًى وموعظةٌ، و﴿وَالْحِكْمَةَ﴾، يَعْنى: وأنزل عليك مع الكتابِ الحكمةَ، وهى بيانُ ما كان في الكتابِ مجملًا ذكرُه، مِن حلالِه وحرامِه، وأمرِه ونهيِه وأحكامِه، ووعدِه ووعيدِه، ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ مِن خبرِ الأوَّلين والآخرين، وما كان وما هو كائنٌ (^١)، فكل ذلك مِن فضلِ اللهِ عليك.
_________________
(١) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، س: "قبل".
[ ٧ / ٤٨٠ ]
[وقولُه: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾. يقولُ: ولم يَزَلْ فضلُ اللَّهِ عليك] (^١) يا محمدُ مذ خلَقك، عظيمًا فاشْكُرْه على ما أوْلاك مِن إحسانِه إليك بالتمسُّكِ بطاعتِه، والمسارعةِ إلى رضاه ومحبتِه، ولزومِ العملِ بما أنْزَل إليك في كتابِه وحكمتِه، ومخالفةِ مَن حاول إضلالَك عن طريقِه ومنهاجِ دينِه، فإن اللَّهَ هو الذي يَتَولّاك بفضلِه ويَكْفِيك غائلةَ مَن أرادَك بسوءٍ وحاوَل صدَّك عن سبيلِه، كما كفاك أمرَ الطائفةِ التي همَّت أن تُضِلُّك عن سبيلِه في أمرِ هذا الخائنِ، ولا أحدَ مِن دونِه يُنْقِذُك مِن سوءٍ إن أراد بك، إن أنت خالَفتَه في شيءٍ مِن أمره ونهيِه، واتَّبَعْت هوَى مَن حاوَل صدَّك عن سبيلِه.
وهذه الآيةُ تَنْبِيهٌ مِن اللهِ ﷿ نبيَّه محمدًا ﷺ على موضعِ خَطئِه (^٢)، وتذكيرٌ منه له الواجبَ عليه مِن حقِّه.