حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: سَمِعْتُ ابنَ زيدٍ يقولُ في قولِه: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾. قال: لا تَطِيبُ نَفْسُه أن يُعْطِيَها شيئًا فتُحَلِّلَه، ولا تَطِيبُ نَفْسُها أن تُعْطِيَه شيئًا مِن مالِها، فتَعْطِفَه (^٢) عليها (^٣).
وأَوْلَى القولين في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: عَنَى بذلك: وأُحْضِرَتْ أَنْفُسُ النساءِ الشُحَّ بأنْصِبائِهِنَّ مِن أزواجِهِنَّ في الأيامِ والنفقةِ. والشُّحُّ الإفراطُ في الحِرْصِ على الشئِ. وهو في هذا الموضعِ إفراطُ حرصِ المرأةِ على نصيبِها مِن أيامِها مِن زوجِها ونفقتِها.
فتأويلُ الكلامِ: وأُحْضِرَتْ أنْفسُ النساءِ أهْوَاءَهن؛ مِن فَرْطِ الحرصِ على حُقُوقِهِنَّ مِن أزواجِهِنَّ، والشُّحِّ بذلك على ضرائرِهن.
وبنحوِ ما قلنا. في معنى الشحِّ ذُكِرَ عن ابن عباسٍ أنه كان يقولُ.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾: والشحُّ هواه في الشئِ يَحْرِصُ عليه (^٤).
_________________
(١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٣ - مختصرًا - إلى المصنف، وينظر التبيان ٣/ ٣٤٧.
(٢) في الأصل: "فيعطيه".
(٣) ينظر التبيان ٣/ ٣٤٧.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٨٢ (٦٠٥١)، والبيهقى ٧/ ٢٩٨، من طريق أبى صالح به. =
[ ٧ / ٥٦٤ ]
وإنما قلنا: هذا القولُ أولى بالصوابِ مِن قولِ مَن قال: عَنَى بذلك: وأُحْضِرَتْ أَنْفُسُ الرجالِ والنساءِ الشُّحَّ. على ما قاله ابن زيدٍ؛ لأن مُصالَحةَ الرجلِ امرأتَه بإعطائِه إياها مِن مالِه جُعْلًا، على أن تَصْفَحَ له عن القَسْمِ لها، غيرُ جائزةٍ؛ وذلك أنه غيرُ مُعتاضٍ عِوَضًا مِن جُعْلِه الذي بَذَلَه لها. والجُعْلُ لا يَصِحُّ إلا على عوضٍ؛ إما عَلَى (^١) عَيْنٍ، وإما عَلَى (^٢) مَنْفَعَةٍ. والرجلُ متى جعَل للمرأةِ جُعْلًا على أن تَصْفَحَ له عن يومِها وليلتِها، فلم يَمْلِكْ عليها عينًا ولا منفعةً. وإذا كان ذلك كذلك، كان ذلك مِن معاني أكلِ المالِ بالباطلِ. وإذ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أنه لا وجهَ لقولِ مِن قال: عَنَى بذلك الرجلَ والمرأةَ.
فإن ظنَّ ظانٌّ أن ذلك إذ كان حقًّا للمرأةِ، ولها المطالبةُ به (^٣)، فللرجلِ افتداؤُه منها بجُعْلٍ، فإن شُفْعَةَ المُسْتَشْفِعِ في حِصَّةٍ مِن دارٍ اشتراها رجلٌ مِن شريكٍ له فيها حَقُّ (^٤) المُطالَبَةِ بها، فقد يَجِبُ أن يكونَ للمطلوبِ افتداءُ ذلك منه بجُعْلٍ. وفى إجماعِ الجميعِ على أن الصُّلْحَ في ذلك على عوضٍ غيرُ جائرٍ؛ إذ كان غيرَ مُعْتاضٍ منه المطلوبُ بالشُّفْعَةِ (^٥) عينًا ولا نفعًا، ما يَدُلُّ على بُطُولِ صُلْحِ الرجلِ امرأتَه على عِوَضٍ، على أن تَصْفَحَ عن مُطالَبَتِها إياه بالقِسْمَةِ لها.
وإذا فسَد ذلك، صحَّ أن تأويلَ الآيةِ ما قلنا. وقد أبان الخبرُ الذي ذَكَرْناه عن سعيدِ بن المُسَيِّبِ وسليمانَ بن يَسارٍ أن قولَه: ﴿وَإِنِ امْرَأَة خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ
_________________
(١) = وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٣٣ إلى ابن المنذر. وينظر فتح البارى ٨/ ٢٦٥.
(٢) سقط من: م.
(٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٤) في الأصل: "له"، وفى: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: "بها".
(٥) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: "له".
(٦) في م: "في الشفعة".
[ ٧ / ٥٦٥ ]
إِعْرَاضًا﴾ الآية. نَزَلتْ في أَمْرِ رافعِ بن خَدِيجٍ وزوجتِه، إذ تَزَوَّج عليها شابَّةً، فآثَر الشابةَ عليها، فأَبَتِ الكبيرةُ أن تقِرَّ على الأثَرَةِ، فَطَلَّقها تَطْليقةً وترَكها، فلَمَّا قارَب انْقِضاءُ عِدَّتِها، خَيَّرها بينَ الفِراقِ والرَّجْعةِ والصبرِ على الأَثَرَةِ، فاخْتارَت الرَّجْعةَ والصبرَ على الأَثَرةِ، فراجَعها وآثَر عليها، فلم تَصْبِرْ، فطَلَّقَها (^١). ففى ذلك دليلٌ واضحٌ على أن قولَه: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾. إنما عنَى به: وأُحْضِرت أنْفُسُ النساءِ الشحَّ بحقوقِهنَّ مِن أزواجِهنَّ. على ما وَصَفْنا.
وأما قولُه: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا﴾. فإنه يَعْنى: وإن تُحْسِنوا أيها الرجالُ، في أفعالِكم إلى نسائِكم، إذا كَرِهتم منهن دَمامةً أو خُلُقًا، أو بعضَ ما تَكْرَهون منهن، بالصبرِ عليهن، وإيفائِهِنَّ حُقُوقَهنَّ وعِشْرَتِهِنَّ بالمعروفِ، ﴿وَتَتَّقُوا﴾. يقول: وتَتَّقُوا الله فيهن، بتَرْكِ الجَوْرِ منكم عليهن فيما يَجِبُ لمَن كَرِهْتُموه منهن عليكم، مِن القِسْمةِ له والنفقةِ والعِشْرةِ بالمعروفِ، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾. يقولُ: فإن الله كان بما تعملون في أمورِ نسائِكم، أيها الرجالُ، مِن الإحسانِ إليهن والعِشْرةِ بالمعروفِ، والجَوْرِ عليهن فيما يَلْزَمُكم لهن ويَجِبُ، ﴿خَبِيرًا﴾. يَعْنِى عالمًا [خابرًا، لا يَخْفَى عليه منه شيءٌ، بل هو به عالمٌ، وله مُحْصٍ عليكم، حتى يُوَفِّيَكم جزاءَ] (^٢) ذلك (^٣)، المُحْسنَ منكم بإحسانِه، والمُسِيءَ بإساءتِه.