وهذا مَثَلٌ ضرَبه اللهُ تعالى للمُمتنعِ من الإنفاقِ في الحقوقِ التي أوجَبها اللهُ في أموالِ ذوى الأموالِ، فجعَله [كالمَشدودةِ يدُه] (^١) إلى عنقِه، الذي لا يَقْدِرُ على الأخذِ بها والإعطاءِ.
وإنما معنى الكلامِ: ولا تُمْسِك يا محمدُ يدَك بُخْلًا عن النفقةِ في حقوقِ اللَّهِ، فلا تُنْفِقُ فيها شيئًا إمساكَ المغلولةِ يدُه إلى عنقِه الذي لا يَستطِيعُ بسطَها، ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾. يقولُ: ولا تَبْسُطْها بالعطيةِ كلَّ البسطِ، فتَبقَى لا شيءَ عندَك، ولا تَجِدُ، إذا سُئلت، شيئًا تُعْطِيه سائلَك، ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾. يقولُ: فتَقْعُدَ يلومُك (^٢) سائلوك إذا لم تُعْطِهم حينَ سأَلوك، وتلومُك نفسُك على الإسراعِ في مالكِ وذَهابِه، ﴿مَحْسُورًا﴾. يقولُ: مُعْيًى (^٣)، قد انقُطِع بك، لا شيءَ عندَك لنفقةٍ.
وأصلُه - يُرى (^٤) - من قولهم للدابةِ التي قد سِير عليها حتى انقَطَع سيرُها وكلَّتْ ورَزَحتْ من السيرِ -: دابةٌ (^٥) حَسيرٌ. يقالُ منه: حسَرْتُ الدابةَ، فأنا
_________________
(١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: "كالمشدود".
(٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: "ملومًا".
(٣) في ص، ت ١، ت ٢: "معينا"، وفى، م، ف: "معيبا"، وأثبتنا ما يستقيم مع السياق بعده.
(٤) سقط من: م.
(٥) في م: "بأنه".
[ ١٤ / ٥٧٣ ]
أَحْسِرُها [وأَحْسُرُها] (^١) حَسْرًا. وذلك إذا أَنْضَيْتَه (^٢) بالسيرِ. وحَسَرْتُه بالمسألةِ؛ إذا سألتَه فألحفتَ. وحَسَرَ البصرُ فهو يَحْسِرُ، وذلك إذا بلَغ أقصى المَنظرِ فكَلَّ. ومنه [قولُه ﷿] (١): ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤]. وكذلك ذلك في كلِّ شيءٍ كَلَّ وأَزْحَف (^٣) حتى يُنْقَى (^٤)
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.