حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسديُّ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبانٍ، قال: ثنا الصبَّاحُ بنُ يَحيى المُزَنيُّ (^٣)، عن السديِّ، عن أبي الديلمِ، قال: قال عليُّ بنُ الحسينِ لرجلٍ مِن أهلِ الشامِ: أقَرأتَ القرآنَ؟ قال: نعم. قال: أفما قرَأت في "بني إسرائيلَ": ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾؟ قال: وإنكم للقَرَابَةُ الذي (^٤) أمَر اللهُ أن يُؤتَى حقَّه؟ قال: نعم (^٥).
وأولى التأويلَين عندى بالصوابِ تأويلُ مَن تأوَّل ذلك أنه (^٦) بمعنى وصيةِ اللهِ
_________________
(١) في م: "ذلك لحقا".
(٢) في م: "به".
(٣) في ت ١، ت ٢: "المرى"، وفى ف: "المزى". وينظر الجرح والتعديل ٤/ ٤٤٢.
(٤) في م: "التي".
(٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٧٦ إلى المصنف.
(٦) في م: "أنها".
[ ١٤ / ٥٦٣ ]
عبادَه بصلةِ قراباتِ أنفسِهم وأرحامِهم من قِبَلِ آبائِهم وأمهاتِهم؛ وذلك أن اللَّهَ ﷿ عَقَّب ذلك عَقيبَ حَضَّه عبادَه على بِرِّ الآباءِ والأمَّهات، فالواجبُ أن يكونَ ذلك حَضًّا على صلةِ أنسابِهم دونَ أنسابِ غيرهم التي لم يجرِ لها ذِكرٌ.
وإذا كان ذلك كذلك، فتأويلُ الكلامِ: وأعطِ يا محمدُ ذا قرابتِك حقَّه من صلتِك إياه، وبرِّك به، والعطفِ عليه.
وخرَج ذلك مخرج الخطابِ لنبيِّ اللهِ ﷺ، والمراد بحُكمِه جميعُ مَن لزِمَتْه فرائضُ اللهِ، يدلُ على ذلك ابتداؤُه الوصيةَ بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا﴾. فوجَّه (^١) الخطابَ بقولِه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾. إلى نبيِّ اللهِ ﷺ، ثم قال: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾. فرجَع بالخطابِ (^٢) به إلى الجميعِ، ثم صرَف الخطابَ بقولِه: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ (^٣) عِنْدَكَ الْكِبَرَ﴾. إلى إفرادِه به، والمعنى بكلِّ ذلك جميعُ مَن لزِمَتْه فرائضُ الله ﷿؛ أفرِد بالخطابِ رسولَ اللهِ وحدَه، أو عُمَّ به هو وجميعُ أمتِه.
وقولُه: ﴿وَالْمِسْكِينَ﴾. وهو ذو (^٤) الذلَّةِ مِن أهلِ الحاجةِ - وقد دَلَّلنا فيما مضَى على معنى "المسكينِ" بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضِعِ (^٥) - ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾: يعنى المسافرَ المُنقطَعَ به. يقولُ اللهُ تعالى ذكرُه: وصِلْ قرابتَك، وأعطِه حقَّه من صلتِك إياه، [والمسكينَ] (^٦) ذا الحاجةِ، والمجتازَ بك المُنقَطَعَ به، فأَعِنْه، وقوِّه
_________________
(١) في ص، ت ٢: "فوحد"، وفى ف: "فوخذ".
(٢) في ص، ت ٢، ف: "الخطاب".
(٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: "يبلغان"، وهى قراءة متواترة كما تقدم في ص ٥٤٤.
(٤) سقط من: م.
(٥) بعده في م: "وقوله". وينظر ما تقدم في ٢/ ١٩٣.
(٦) في ص، ت ١، ت ٢، ف: "فالمسكين".
[ ١٤ / ٥٦٤ ]
على قَطْعِ سفرِه.
وقيل: إنما عنَى بالأمرِ بإيتاءِ (^١) ابن (^٢) السبيل حقَّه أن يُضافَ ثلاثةَ أيامٍ.
والقولُ الأوَّل عندى أولَى بالصوابِ؛ لأنَّ الله تعالى لم يَخْصُصْ من حقوقِه شيئًا دونَ شيءٍ في كتابِه، ولا على لسانِ رسولِه، فذلك عامٌّ في كلِّ حقٍّ له أن يُعطاه؛ من [ضيافتِه أو حملِه أو معونتِه] (^٣) على سَفرِه.
وقولُه: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾. يقولُ: ولا تفرِّقْ يا محمدُ ما أعطاك اللهُ مِن مالٍ في معصيتِه تفريقًا.
وأصلُ التبذيرِ التفريقُ في السَّرَفِ. ومنه قولُ الشاعرِ (^٤):
أُناسٌ أجارُونا فَكانَ جِوَارُهُمْ … أعاصِيرَ مِنْ فَسْوِ (^٥) العِرَاقِ المُبَذَّرِ
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.