قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: أفرأيْتُم أيُّها الناسُ النارَ التي تَسْتَخْرِجون مِن زَنْدِكم.
﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا﴾. يقولُ: أأنتم أحْدَثْتُم شجرتَها، واخْتَرَعْتم أصلَها، ﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ يقولُ: أم نحن اخْتَرَعْنا ذلك وأحْدَثْناه.
وقولُه: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾. يقولُ: نحن جعَلْنا النار تَذْكرةً لكم، تَذْكُرون بها نارَ جهنمَ، فتَعْتَبِرون وتَتَّعِظون بها.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿تَذْكِرَةً﴾. قال: تَذْكرةُ النارِ الكبرى (^١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا
_________________
(١) تفسير مجاهد ص ٦٤٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦١ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.
[ ٢٢ / ٣٥٥ ]
تَذْكِرَةً﴾. [يقولُ: تذكرةً] (^١) للنارِ الكبرى (^٢). ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ قال: "إن نارَكم هذه التي تُوقِدون جزءٌ مِن سبعين جزءًا مِن نارِ جهنمَ". قالوا: يا نبيَّ اللَّهِ، إن كانت لَكافيةً. قال: "قد ضُرِبَت بالماءِ ضَرْبَتَيْن، أو مرتين، لينتفعَ (^٣) بها بنو آدم، ويَدْنُوا منها" (^٤).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿تَذْكِرَةً﴾. قال: للنار الكبرى التي في الآخرةِ (^٥).
وقولُه: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى المُقْوِين؛ فقال بعضُهم: هم المسافرون.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾. قال: للمسافرين (^٦).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾. قال: يعني: للمسافرين (^٧).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾.
_________________
(١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦١ إلى المصنف وعبد الرزاق.
(٣) في ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: "ليستنفع".
(٤) أخرجه أحمد ١٢/ ٢٨٠ (٧٣٢٧)، ومسلم (٢٨٤٣) وغيرهما من حديث أبي هريرة.
(٥) أخرجه هناد في الزهد (٢٣٧) من طريق سفيان به
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الإتقان ٢/ ٤٧ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.
(٧) في ص، م، ت ١، ت ٣: "المسافرين".
[ ٢٢ / ٣٥٦ ]
قال: للمُرْمِلِ؛ المسافرِ.
حدَّثني ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾. قال: للمسافرين (^١).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾. قال: للمسافرين (^٢).
وقال آخرون: عُنِي بالمُقْوِين: المُسْتَمْتِعون بها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾: للمُسْتَمْتِعين؛ الناسِ أجمعين (^٣).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾: للمُسْتَمْتِعين؛ المسافرِ والحاضرِ (^٤).
حدَّثني إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بن حَبيبٍ الشَّهِيدُ، قال: ثنا عَتَّابُ بنُ بشرٍ (^٥)، عن خُصَيْفٍ في قولِه: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾. قال: للخلقِ.
وقال آخرون: بل عُني بذلك الجائعون.
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٧٣ عن معمر به
(٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ١٩.
(٣) تفسير مجاهد ص ٦٤٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٤) أخرجه هناد في الزهد (٢٣٧) من طريق سفيان به.
(٥) في ص: "بسر"، وفي ت ٢، ت ٣: "بشير".
[ ٢٢ / ٣٥٧ ]
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾. قال: المُقْوِي الجائعُ. وفي كلامِ العربِ يقولُ: أَقْوَيْتُ منذُ كذا وكذا. ما أكَلْتُ منذُ (^١) كذا وكذا شيئًا (^٢).
وأولى الأقوال في ذلك بالصوابِ عندي قولُ مَن قال: عُني بذلك المسافرُ الذي لا زادَ معه، ولا شيءَ له. وأصلُه من قولِهم: أقْوَت الدارُ. إذا خلَت مِن أهلِها وسكانِها، كما قال الشاعرُ (^٣):
أَقْوَى وأَقْفَرَ مِن نُعْمٍ وغيَّرَها … هُوجُ الرياحِ بِهَابِي التُّرْبِ مَوَّارِ
يعني بقولِه: أقوَى. خلا مِن سُكَّانِه. وقد يكونُ المُقْوِي ذا الفرسِ القويِّ، وذا المالِ الكثيرِ، في غيرِ هذا الموضعِ.