يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ألم تَنْظُرْ بعينِ قلبِك يا محمدُ، فتَرَى إلى القومِ الذين تولَّوا قومًا غَضِب اللَّهُ عليهم. وهم المنافقون تولَّوْا اليهودَ وناصَحوهم.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾. إلى آخرِ الآية، قال: هم المنافقون تولَّوُا اليهودَ وناصَحوهم.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿تَوَلَّوْا قَوْمًا
[ ٢٢ / ٤٨٧ ]
غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم﴾. قال: هم اليهودُ تولَّاهم المنافقون (^١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ﴾. قال: هؤلاء كفرةُ أهلِ الكتابِ اليهودُ، والذين تولَّوهم المنافقون، تولَّوُا اليهودَ. وقرَأ قولَ اللَّهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ حتى بلَغ: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الحشر: ١١]، لئن كان ذلك لا يَفْعلون. وقال هؤلاءِ المنافقون قالوا: لا نَدَعُ حلفاءَنا وموالِيَنا، يكونون معنا (^٢) لنصرتِنا وعزِّنا، ومَن يَدْفعُ عنا؟ نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائرةٌ. فقال اللَّهُ ﷿: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ [المائدة: ٥٢] حتى بلغَ: ﴿فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾ [الحشر: ١٣]، وقرَأ حتى بلَغ: (أَوْ مِنْ ورَاءِ جِدَارٍ (^٣» قال: لا يَبْرُزُون.
وقولُه: ﴿مَا هُمْ مِنْكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما هؤلاءِ الذين تولَّوا هؤلاءِ القومَ الذين غَضِب اللَّهُ عليهم - ﴿مِنْكُمْ﴾. يعني: مِن أهلِ دينِكم ومِلَّتِكم، ﴿وَلَا مِنْهُمْ﴾: ولا هم مِن اليهودِ الذين غَضِب اللَّهُ عليهم. وإنما وصَفهم بذلك جلَّ ثناؤُه؛ لأنهم منافقون؛ إذا لَقُوا اليهودَ قالوا: إنا معكم، إنما نحْن مستهزِئون. وإذا لَقُوا الذين آمنوا قالوا: آمَنَّا.
وقولُه: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ويَحْلِفون على الكذبِ؛ وذلك قولُهم لرسولِ اللَّهِ ﷺ: نَشْهَدُ إنَّك لرسولُ اللَّهِ. وهم كاذبون غيرُ مصدِّقين به، ولا مؤمنين به. كما قال جلّ ثناؤُه: ﴿وَاللَّهُ
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٨٠ عن معمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٨٦ إلى عبد بن حميد.
(٢) في م: "معا".
(٣) في م: "جدر". وسيأتي ذكر الاختلاف في هذه القراءة في سورة الحشر.
[ ٢٢ / ٤٨٨ ]
يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]. وقد ذُكر أنَّ هذه الآيةَ نزَلت في رجلٍ منهم عاتَبه رسولُ اللهِ ﷺ على أَمْرٍ بلَغه عنه، فَحَلَف كَذِبًا.
ذكرُ الخبرِ الذي رُوي بذلك
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سِماكٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "يَدْخُلُ عليكم رجلٌ يَنظُرُ بعين شيطانٍ، أو بعَيْنَى شيطانٍ". قال: فدَخَل رجلٌ أزرقُ، فقال له: "علامَ تَسُبُّني أو تَشْتُمُني؟ ". قال: فجعَل يَحْلِفُ. قال: فنزَلت هذه الآيةُ التي في "المجادلةِ": ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، والآيةُ الأخرى (^١).