يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى﴾ مِن اليهودِ، ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ فقد نَهى اللَّهُ ﷿ إيَّاهم عنها، ﴿وَيَتَنَاجَوْنَ﴾ بينَهم ﴿بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جمِيعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ
_________________
(١) ينظر النشر ٢/ ٢٨٧.
[ ٢٢ / ٤٦٩ ]
في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى﴾. قال: اليهودُ (^١).
قولُه: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾. يقولُ جلّ ثناؤُه: ثم يَرْجِعون إلى ما نُهُوا عنه مِن النَّجوَى، ﴿وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ويتناجَون بما حرَّم اللَّهُ عليهم مِن الفواحشِ والعدوانِ، وذلك خلافُ أمرِ اللَّهِ، ومعصيةُ الرسولِ محمدٍ ﷺ.
واختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَيَتَنَاجَوْنَ﴾. فقرأَتْ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ الكوفيِّين والبصريِّين: ﴿وَيَتَنَاجَوْنَ﴾ على مثالِ "يتفاعَلوْن" (^٢). وكان يحيَى وحمزةُ والأعمشُ يقرَءُون: (ويَنْتَجُونَ) على مثالِ "يَفْتَعِلون" (^٣). واعتَلّ الذين قرَءوه: ﴿يَتَنَاجَوْنَ﴾. بقولِه: ﴿إِذَا تَنَاجَيْتُمْ﴾ [المجادلة: ٩]، ولم يقلْ: إذا انْتَجَيْتُم.
وقولُه: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وإذا جاءك يا محمدُ هؤلاءِ الذين نُهُوا عن النَّجوَى، الذين وصف اللَّهُ جلّ ثناؤُه صفتَهم، حَيَّوْك بغيرِ التحيةِ التي جعَلها اللَّهُ لك تحيةً. وكانت تحيتُهم التي كانوا يُحيُّونه بها - التي أخبَر اللَّهُ أنه لم يُحيِّه بها فيما جاءت به الأخبارُ - أنهم كانوا يقولون: السامُ عليكم (^٤).
ذكرُ الروايةِ الواردةِ بذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن أبي الضُّحَى،
_________________
(١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٨٤ إلى ابن المنذر، وذكره الواحدي في أسباب النزول ص ٣٠٦.
(٢) هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم والكسائي وأبي جعفر ويعقوب في رواية روح وخلف. ينظر النشر ٢/ ٢٨٨.
(٣) وبها قرأ يعقوب في رواية رويس. ينظر البحر المحيط ٨/ ٢٣٦.
(٤) في م: "عليك".
[ ٢٢ / ٤٧٠ ]
عن مسروقٍ، عن عائشةَ، قالت: جاء ناسٌ مِن اليهودِ إلى النبيِّ ﷺ، فقالوا: السامُ عليك يا أبا القاسم. فقلتُ: السامُ عليكم، وفعَل اللَّهُ بكم وفعَل. فقال النبيُّ ﷺ: "يا عائشةُ، إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفُحْشَ". فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، ألستَ تَرى ما يقولون؟! فقال: "ألستِ تَرَيْنَنِي أَرُدُّ عليهم ما يقولون؟ أقولُ: وعليكم". وهذه الآيةُ في ذلك نزَلت: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (^١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن أبي الضُّحى، عن مسروقٍ، عن عائشةَ، قالت: كان اليهودُ يأتون النبيَّ ﷺ، فيقولون: السامُ عليكم. فيقولُ: "وعليكم". قالت عائشةُ: فقلتُ (^٢): السامُ عليكم وغَضَبُ اللَّهِ. فقال النبيُّ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفاحشَ المُتَفَحِّشَ". قالت: إنهم يقولون: السامُ عليكم! قال: "إني أقولُ: وعليكم". فنزَلت: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ الآية، قال: فإنَّ اليهودَ يأتون النبيَّ ﷺ، فيقولون: السامُ عليكم (^٣).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي الضُّحى، عن مسروقٍ: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾. قال: كانت اليهودُ يأتون النبيَّ ﷺ، فيقولون: السامُ عليكم.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن
_________________
(١) أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص ٣٠٧ من طريق جرير به. وأخرجه أحمد ٦/ ٢٢٩ (الميمنية)، ومسلم (٢١٦٥/ ١١)، والنسائي في الكبرى (١١٥٧١)، والبيهقي في الشعب (٩٠٩٨) من طريق الأعمش به.
(٢) سقط من: م.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٨/ ٤٤٢ - ومن طريقه ابن ماجه (٣٦٩٨) - من طريق الأعمش به بشطره الأول.
[ ٢٢ / ٤٧١ ]
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ إلى: ﴿فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. قال: كان المنافقون يقولون لرسولِ اللَّهِ ﷺ إذا حَيَّوه: سامٌ عليكم. فقال اللَّهُ: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (^١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾. قال: يقولون: سامٌ عليكم. قال: هم أيضًا يهودُ (^٢).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾. قال: اليهودُ كانت تقولُ: سامٌ عليكم (^٣).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ أنَّ عائشةَ فَطَنَت إلى قولِهم، فقالت: وعليكم السامةُ (^٤) واللعنةُ. فقال النبيُّ ﷺ: "مهلًا يا عائشةُ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ في الأمرِ كلِّه". فقالت: يا نبيَّ اللَّهِ، ألم تسمعْ ما يقولون؟! قال: "أفلم تَسْمَعِي ما أَردُّ عليهم؟ أقولُ: وعليكم" (^٥).
_________________
(١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٨٤ إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.
(٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٨٤ إلى عبد بن حميد.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٧٩ عن معمر به.
(٤) كذا في النسخ، قال صاحب اللسان: السامَّة: الموت، نادر، والمعروف "السامُ" بتخفيف الميم بلا هاء. اللسان (س م م).
(٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٧٩، وفي المصنف (١٩٤٦٠)، وأحمد ٦/ ١٩٩ (الميمنية)، وعبد بن حميد (١٤٦٩)، والبخاري (٦٣٩٥)، ومسلم (٢١٦٥/ ١٠)، والنسائي في الكبرى (١٠٢١٥)، وابن حبان (٦٤٤١)، والبيهقي ٩/ ٢٠٣ من طريق معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة. وأخرجه الحميدي (٢٤٨)، وأحمد ٦/ ٣٧، ٨٥ (الميمنية)، والبخاري (٦٠٢٤، ٦٢٥٦، ٦٩٢٧)، ومسلم (٢١٦٥/ ١٠)، والترمذي (٢٧٠١)، والنسائي في الكبرى (١٠٢١٣، ١٠٢١٤، ١٠٢١٦، ١١٥٧٢)، وابن ماجه (٣٦٨٩) من طريق الزهري عن عروة، عن عائشة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٨٤ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.
[ ٢٢ / ٤٧٢ ]
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ بينما هو جالسٌ مع أصحابِه، إذ أتَى عليهم يهوديٌّ فسلَّم عليهم، فردُّوا عليه، فقال نبيُّ اللَّهِ ﷺ: "هل تَدْرون ما قال؟ ". قالوا: سلَّم يا رسولَ اللَّهِ. قال: "بل قال: سأْمٌ عليكم". أي تَسْأَمون دينَكم. فقال النبيُّ ﷺ: "أَقُلْتَ: سأْمٌ عليكم؟ " قال: نعم. فقال النبيُّ ﷺ: "إذا سلَّم عليكم أَحدٌ مِن أهلِ الكتابِ فقولوا: وعليك". أي: عليك ما قُلتَ (^١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾. قال: هؤلاء يهودُ، جاء ثلاثةُ نَفَرٍ منهم إلى بابِ النبيِّ ﷺ، فتناجَوا ساعةً، ثم استأْذَن أحدُهم، فأَذِن له النبيُّ ﷺ، فقال: السامُ عليك (^٢). فقال النبيُّ ﷺ له (^٣): "عليك". ثم الثاني. ثم الثالثُ. قال ابنُ زيدٍ: السامُ الموتُ.
وقولُه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ويقولُ مُحيُّوك بهذه التحيةِ من اليهودِ: هلّا يُعاقبنا اللَّهُ بما نقولُ لمحمدٍ ﵇، فَيُعَجِّلَ عقوبتَه لنا على ذلك. يقولُ اللَّهُ: حَسْبُ قائلي ذلك يا محمدُ جهنمُ، وكفاهم بها يَصْلَوْنها يومَ القيامةِ، فبِئْس المصيرُ جهنمُ.