يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾: ألم يَحِنْ للذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه أن تَلِينَ قلوبُهم لذكرِ اللَّهِ، فتَخْضَعَ قلوبُهم له، ولِما نزَل مِن الحقِّ، وهو هذا القرآنُ الذي نَزَّله على رسولِه ﷺ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾. قال: تُطِيعَ قلوبُهم.
_________________
(١) هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وعاصم وحمزة والكسائي وخلف. النشر ٢/ ٢٨٧.
(٢) وهي أيضًا قراءة ابن عامر ويعقوب. المصدر السابق.
[ ٢٢ / ٤٠٨ ]
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ (^١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية. ذُكِر لنا أنَّ شدَّادَ بنَ أَوْسٍ كَان يَرْوِي عن رسولِ اللَّهِ ﷺ، قال: "إِنَّ أوَّلَ ما يُرْفَعُ مِن الناسِ الخُشُوعُ" (^٢).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: كان شدَّادُ بنُ أَوْسٍ يقولُ: أَوَّلُ ما يُرْفَعُ مِن الناسِ الخُشُوعُ (^٣).
واختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾؛ فقرأَتْه عامةُ القرأةِ غيرَ شيبةَ ونافعٍ بالتشديدِ: (نزَّل)، وقرَأه شيبةُ ونافعٌ: ﴿وَمَا نَزَلَ﴾ بالتخفيفِ (^٤)، وبأيِّ القراءتين قرَأ القارئُ فمصيبٌ؛ لتقاربِ معنَيَيْهما.
وقولُه: ﴿وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ألم يأنِ لهم أن ﴿وَلَا يَكُونُوا﴾ يعني: الذين آمنوا مِن أمةِ محمدٍ ﷺ ﴿كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ﴾. يعني: مِن بني إسرائيلَ، ويَعني بالكتابِ الذي أُوتُوه مِن قبلِهم التوراةَ والإنجيلَ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
_________________
(١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٥ إلى عبد بن حميد بلفظ: ألم يحن للذين آمنوا. وفي مخطوطة مكتبة المحمودية ص ٤٠٨: ألم يتبين للذين آمنوا.
(٢) أخرجه الطبراني (٧١٨٣) من طريق قتادة عن الحسن عن شداد، وأخرجه ابن عدي في الكامل ٢/ ٨٤٠، وأبو الشيخ في طبقات أصبهان ٣/ ١٦٤، ١٦٥ بإسنادهما عن الحسن عن شداد، وعزاه في الدر المنثور ٦/ ١٧٥ إلى عبد بن حميد.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٦/ ٢٧٥ عن معمر به، وأخرجه أحمد ٦/ ٢٦، ٢٧ (مبمنية)، وابن حبان (٤٥٧٢، ٦٧٢٠)، وابن عبد البر في الاستيعاب ٢/ ٥٣٤ من طريق جبير بن نفير عن شداد بن أوس بنحوه مطولًا.
(٤) قرأ بالتخفيف من السبعة نافع، وحفص عن عاصم. ينظر السبعة ص ٦٢٦، والتيسير ص ١٦٩.
[ ٢٢ / ٤٠٩ ]
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن أبي معشرٍ، عن إبراهيمَ، قال: جاء عِتْرِيسُ بنُ عُرْقُوبٍ إلى ابنِ مسعودٍ، فقال: يا عبدَ اللَّهِ، هلَك مَن لم يأْمُرْ بالمعروفِ ويَنْهَ عن المنكرِ. فقال عبدُ اللَّهِ: هلَك من لم يَعرِفْ قلبُه معروفًا، ولم يُنْكِرْ قلبُه منكرًا؛ إنَّ بني إسرائيلَ لما طال عليهم الأمدُ وقسَت قلوبُهم، اختَرَعوا كتابًا مِن بينِ أيدِيهم وأرجلِهم، اسْتَهوتْه قلوبُهم، واسْتَحْلَتْه ألسنتُهم، وقالوا: نَعْرِضُ بني إسرائيل على هذا الكتابِ، فمن آمن به تَرَكْناه، ومَن كفَر به قتَلْناه. قال: فجعَل رجلٌ منهم كتابَ اللَّهِ في قَرْنٍ (^١)، ثم جعل القَرَنَ بينَ ثَنْدُوَتَيْه (^٢)، فلما قيل له: أتُؤْمِنُ بهذا؟ قال: آمنتُ به - ويُومِئُ إلى القَرَنِ الذي بين ثَنْدُوَتَيْه - وما لي لا أُومِنُ بهذا الكتابِ! فمِن خَيْرِ مِلَلِهم اليومَ مِلَّةُ صاحبِ القَرَنِ (^٣).
ويعني بقولِه: ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾: [فطال عليهم أمدُ] (^٤) ما بينَهم وبينَ موسى ﷺ، وذلك الأَمَدُ: الزمانُ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ
_________________
(١) القرَن: الجعبة. اللسان (ق ر ن).
(٢) الثندوتان للرجل كالثديين للمرأة. ينظر اللسان (ث ن د).
(٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٧ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٥ إلى سعيد بن منصور.
(٤) سقط من: م.
[ ٢٢ / ٤١٠ ]
قولَه: ﴿الْأَمَدُ﴾. قال: الدَّهْرُ (^١).
وقولُه: ﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: [فقست قلوبهم] (^٢) عن الخيراتِ، واشتدَّت على السُّكونِ إلى معاصي اللَّهِ، ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وكثيرٌ مِن هؤلاء الذين أوتُوا الكتابَ مِن قبلِ أمةِ محمدٍ ﷺ فاسقون.