يقولُ تعالى ذكرُه: الذين يُحرِّمون نساءَهم على أنفسِهم تحريمَ اللَّهِ عليهم ظهورَ أمهاتِهم، فيقولون لهن: أنتنّ علينا كظُهورِ أمهاتِنا. وذلك كان طلاقَ الرجلِ امرأتَه في الجاهليةِ.
كذلك حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا أيوبُ، عن أبي قِلابةَ، قال: كان الظهارُ طلاقًا في الجاهليةِ، الذي إذا تكلَّم به أحدُهم لم يَرْجِعْ في امرأتِه أبدًا، فأَنزَل اللَّهُ ﷿ فيه ما أنزَل (^٤).
_________________
(١) في م: "تحاولك"، وفي ت ١، ت ٢: "تجادلك". وينظر مختصر الشواذ ص ١٥٤.
(٢) في م: "يتجاوبانه ويتحاورانه".
(٣) في م: "يعملون".
(٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١٥٧٨) - ومن طريقه الجصاص في أحكام القرآن ٥/ ٣٠١ - من طريق خالد الحذاء عن أبي قلابة بنحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٨٢ إلى عبد بن حميد.
[ ٢٢ / ٤٥٦ ]
واختلَفتِ القرأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه عامةُ قرأَةِ المدينةِ سوى نافعٍ، وعامةُ قرأَةِ الكوفةِ خلا عاصمٍ: (يَظَّاهَرُونَ) بفتحِ الياءِ وتشديدِ الظاءِ وإثباتِ الألفِ (^١)، وكذلك قرَءوا الأخرى، بمعنى "يَتظاهَرون"، ثم أُدْغِمَت التاءُ في الظاءِ فصارتا ظاءً مشدَّدةً. وذُكر أنها في قراءةِ أُبَيٍّ: (يَتَظاهَرُونَ) (^٢)، وذلك تَصحيحٌ لهذه القراءةِ وتقويةٌ لها. وقرَأ ذلك نافعٌ وأبو عمرٍو كذَلك؛ بفتحِ الياءِ وتشديدِ الظاءِ، غيرَ أنهما قرَأاه بغيرِ أَلِفٍ: (يَظَّهَّرُون) (^٣). وقرَأ ذلك عاصمٌ: ﴿يُظَاهِرُونَ﴾ بتخفيفِ الظاءِ وضمِّ الياءِ وإثباتِ الأَلِفِ (^٤).
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندي أنّ كلَّ هذه القراءاتِ متقارباتُ المعاني؛ وأمّا (يَظَّاهَرُون) فهو مِن تَظَاهَر، فهو يتَظاهَرُ، وأمّا (يَظَّهَّرُون) فهو مِن تَظَهَّر فهو يَتظهَّرُ، ثم أُدغِمَتِ التاء في الظاءِ فقيل: يَظَّهَرُ، وأمَّا ﴿يُظَاهِرُونَ﴾ فهو مِن ظاهَر يُظاهِرُ، فبأيَّةِ هذه القراءاتِ الثلاثِ قرَأ ذلك القارئُ فمصيبٌ.
وقولُه: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما نساؤُهم اللَّائي تَظَاهَروا (^٥) منهن بأُمهاتِهم، فيقولوا لهن: أنْتنّ علينا كظَهْرِ أمهاتِنا. بل هن لهم حلالٌ.
وقولُه: ﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾، لا اللَّائي قالوا لهنّ ذلك.
وقولُه: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾. يقولُ جلّ ثناؤُه: وإن
_________________
(١) بها قرأ أبو جعفر وابن عامر وحمزة والكسائي وخلف. النشر ٢/ ٢٨٧.
(٢) ينظر مختصر الشواذ ص ١٥٤.
(٣) في م: "يظاهرون". والمثبت قراءة يعقوب ونافع وأبي عمرو وابن كثير. النشر ٢/ ٢٨٧.
(٤) ينظر المصدر السابق ٢/ ٢٨٧.
(٥) في م: "يظاهرون".
[ ٢٢ / ٤٥٧ ]
الرجالَ لَيَقولون مُنكرًا مِن القولِ الذي لا تُعْرَفُ صحتُه، ﴿وَزُورًا﴾. يعني: كَذِبًا.
كما حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾. قال: الزُّورُ الكَذِبُ (^١).
﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾. يقولُ جلّ ثناؤُه: وإن اللَّهَ لذو عفوٍ وصفْحٍ عن ذنوبِ عبادِه إذا تابوا منها وأَنابوا، غفورٌ لهم أنْ يعاقِبَهم عليها بعدَ التوبةِ.