وقولُه: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ
_________________
(١) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٨/ ٢٥١.
[ ٢٢ / ٥٤٨ ]
اللَّهِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: لو أنزَلنا هذا القرآنَ على جبلٍ - وهو حجرٌ - لرأَيْتَه [يا محمدُ] (^١)، ﴿خَاشِعًا﴾. يقولُ: متذلِّلًا، ﴿مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ على قساوتِه، حَذَرًا مِن ألا يُؤدِّيَ حقَّ اللَّهِ المُفْتَرَضَ (^٢) في تعظيمِ القرآنِ، وقد أُنزِل على ابنِ آدمَ، وهو بحقِّه مُستَخِفٌّ، وعنه و(^٣) عما فيه من العِبَرِ والذكْرِ مُعْرِضٌ، كأنْ لم يَسْمَعْها، كأَنَّ في أُذُنَيه وقرًا.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ إلى قولِه: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. قال: يقولُ: لو أني أنزَلتُ هذا القرآنَ على جبلٍ حمَّلْتُه إِيَّاه، تَصَدَّع وخشَع مِن ثِقَلِه ومِن خشيةِ اللَّهِ. فأمَر اللَّهُ ﷿ الناسَ إذا أُنزِل عليهم القرآنُ، أنْ يأْخُذُوه بالخشيةِ الشديدةِ والتَّخَشُّعِ. قال: كذلِك يَضْرِبُ اللَّهُ الأمثالَ للنَّاسِ لَعَلَّهم يتفَكَّرون (^٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ الآية: يَعْذِرُ اللَّهُ الجبلَ الأصمَّ، ولم يَعْذِرْ شَقِيَّ ابنِ آدمَ، هل رأَيْتم أحدًا قطُّ تصدَّعَتْ
_________________
(١) سقط من: ت ٢، ت ٣.
(٢) بعده في م: "عليه".
(٣) سقط من: م.
(٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ١٠٤، عن العوفي عن ابن عباس، وعزاه إلى المصنف. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠١ إلى المصنف وابن مردويه.
[ ٢٢ / ٥٤٩ ]
جوانِحُه (^١) مِن خشيةِ اللَّهِ (^٢)؟!
[وقولُه] (^٣): ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وهذه الأشياءُ تُشَبِّهُها للناسِ. وذلك تعريفُه جلَّ ثناؤُه إيَّاهم أنَّ الجبالَ أشدُّ تعظيمًا لحقِّه منهم مع [قساوتِها وصلابتِها] (^٤).
وقولُه: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. يقولُ: يضربُ اللَّهُ لهم هذه الأمثالَ ليتفكَّروا فيها، فيُنِيبوا وينقادوا للحقِّ.