يقولُ تعالى ذكرُه: ما أصابكم أيُّها الناسُ من مصيبةٍ في الأرضِ؛ بجُدُوبِها وقُحُوطِها وذَهابِ زروعِها وفسادِها، ولا في أنفسِكم؛ بالأوصابِ والأوجاعِ والأسقامِ، ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾. يعني: إلا في أمِّ الكتابِ، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾. يقولُ: من قبلِ أن نَبْرَأَ الأنفسَ، يعني: مِن قبلِ أن نخلُقَها. يقالُ: قد بَرَأ اللَّهُ هذا الشيءَ. بمعنى: خَلَقه، فهو بارئُه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾. قال: هو شيءٌ قد فُرِغ منه مِن قبلِ أن نبرَأَ النفسَ (^١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ﴾: أما مصيبةُ الأرضِ فالسِّنون، وأما في أنفسِكم فهذه الأمراضُ
_________________
(١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٦ إلى المصنف.
[ ٢٢ / ٤١٨ ]
والأوصابُ، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾: مِن قبلِ أن نخلُقَها.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ﴾. قال: هي السِّنون، ﴿وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾. قال: الأوجاعُ والأمراضُ. قال: وبلَغنا أنه ليس أحدٌ يُصِيبُه خَدْشُ عُودٍ، ولا نَكْبَةُ قدمٍ، ولا خَلَجَانُ عِرْقٍ - إلا بذنبٍ، وما يَعْفو اللَّهُ عنه أكثرُ (^١).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن منصورِ بنِ عبدِ الرحمنِ، قال: كنتُ جالسًا مع الحسنِ، فقال رجلٌ: سَلْه عن قولِه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾. فسأَلْتُه عنها، فقال: سبحانَ اللَّهِ! ومَن يَشُكُّ في هذا؟ كلُّ مصيبةٍ بينَ السماءِ والأرضِ ففي كتابِ اللَّهِ، مِن قبلِ أن تُبْرَأَ النَّسَمَةُ (^٢).
حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾. يقولُ: هو شيءٌ قد فُرِغ منه، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾: مِن قبلِ أنْ نَبْرَأَ الأنفسَ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾. قال: مِن قبلِ أنْ نخلُقَها. قال: المصائبُ والرزقُ والأشياءُ كلُّها مما تُحِبُّ وتَكْرهُ، فَرَغَ اللَّهُ مِن ذلك كلِّه قبلَ أَنْ يَبْرَأَ
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٢٧٥ في تفسيره عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٥١ عن المصنف، وأخرجه البيهقي في الشعب (٩٧٧٠) من طريق ابن علية به.
[ ٢٢ / ٤١٩ ]
النفوسَ ويخلُقَها.
وقال آخرون: عُنِي بذلك: ما أصاب مِن مصيبةٍ في دينٍ ولا دنيا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾. يقولُ: في الدينِ والدنيا، إلا في كتابٍ مِن قبلِ أن نخلُقَها (^١).
واختلَف أهلُ العربيةِ في معنى: ﴿فِي﴾ التي بعدَ قولِه: ﴿إِلَّا﴾؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: يريدُ واللَّهُ أعلمُ بذلك: إلا هي في كتابٍ، فجاز فيه الإضمارُ. قال: وقد يقولُ: عندي هذا ليس إلَّا. يريدُ: ليس إلا هو.
وقال غيرُه منهم: قولُه: ﴿فِي كِتَابٍ﴾. من صلةِ: ﴿مَا أَصَابَ﴾، وليس إضمارُ "هو" بشيءٍ. وقال: ليس قولُه: عندي هذا ليس إلا. مثلَه؛ لأن "إلا" تكفي مِن الفعلِ، كأنه قال: ليس غيرَه.
وقولُه: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إِن خَلْقَ النفوسِ وإحصاءَ ما هي لاقيةٌ مِن المصائبِ، على اللَّهِ سهلٌ يسيرٌ.