يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾: اللهُ الذي أَخْرَج الذين جَحدوا نبوَّةَ محمدٍ ﷺ مِن أهلِ الكتابِ، وهم يهودُ بني النَّضِيرِ مِن ديارِهم، وذلك خروجُهم عن منازلِهم ودُورِهم، حينَ صالَحوا رسولَ اللهِ ﷺ على أن يُؤَمِّنَهم على دمائِهم ونسائِهم وذَرارِيِّهم، وعلى أن لهم (^٢) ما (^٣) أَقلَّت الإبلُ مِن أموالِهم، ويُخَلُّوا له دُورَهم وسائرَ أموالِهم، فأَجابهم رسولُ اللَّهِ ﷺ إلى ذلك، فخرَجوا مِن ديارِهم؛ فمنهم مَن خرَج
_________________
(١) في م: "معصيتهم".
(٢) في ت ٣: "يؤمنهم على".
(٣) في ص، ت ٣: "مما".
[ ٢٢ / ٤٩٦ ]
إلى الشامِ، ومنهم مَن خرَج إلى خيبرَ. فذلك قولُ اللَّهِ ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾. قال: النَّضيرَ، حتى قولِه: ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ (^١).
ذكرُ ما بَيَّن ذلك كلِّه فيهم
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾. قيل: الشامُ؛ وهم بنو النَّضيرِ - حيٌّ مِن اليهودِ - فأَجْلاهم نبيُّ اللَّهِ ﷺ مِن المدينةِ إلى خَيْبرَ، مَرْجِعَه مِن أُحُدٍ (^٢).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ: ﴿مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾. قال: هم بنو النَّضيرِ، قاتَلهم النبيُّ ﷺ حتى (^٣) صالَحهم على الجلاءِ، فأَجْلاهم إلى الشامِ، وعلى أنَّ لهم ما أَقَلَّت الإبلُ مِن شيءٍ إلا الحَلْقَةَ، والحَلْقَةُ: السِّلاحُ، كانوا من سِبْطٍ لم يُصِبْهم جَلَاءٌ فيما مضَى، وكان اللَّهُ ﷿
_________________
(١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٨٨ إلى عبد بن حميد.
(٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٨٨ إلى عبد بن حميد.
(٣) في ت ٢، ت ٣: "حين".
[ ٢٢ / ٤٩٧ ]
قد كتَب عليهم الجَلاءَ، ولولا ذلك عذَّبهم في الدنيا بالقتلِ والسِّباءِ (^١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾. قال: هؤلاء النَّضيرُ حينَ أَجْلاهم رسولُ اللَّهِ ﷺ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: ثنا ابنُ إسحاقَ، عن يزيدَ بنِ رُومانَ، قال: نزَل في بني النَّضيرِ "سورةُ الحشرِ" بأَسرِها، يُذْكَرُ فيها ما أَصابهم اللَّهُ ﷿ به مِن نِقْمَتِه، [وما] (^٢) سَلَّط عليهم به رسولَ اللَّهِ ﷺ، وما عَمِل به (^٣) فيهم. فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ الآيات (^٤).
وقولُه: ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لأوَّلِ الجَمْعِ في الدنيا، وذلك حشرُهم إلى أرضِ الشامِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ قولَه:
_________________
(١) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٥٥٤، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٨٢، وأبو عبيد في الأموال (١٨)، وابن زنجويه (٥٧) من طريق معمر به، وأخرجه البيهقي في الدلائل ٣/ ١٧٦ من طريق عقيل عن الزهري.
(٢) سقط من: ص.
(٣) سقط من: ص.
(٤) سيرة ابن هشام ٢/ ١٩٢، وذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٨٤، وفي البداية والنهاية ٥/ ٥٣٨.
[ ٢٢ / ٤٩٨ ]
﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾. قال: كان جَلاؤُهم أوَّلَ (^١) الحشرِ في الدنيا إلى الشامِ (^٢).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ (^٣): تَجِيءُ نارٌ مِن مَشْرِقِ الأرضِ، تَحْشُرُ الناسَ إلى مَغارِبِها، فتَبِيتُ معهم حيثُ باتُوا، وتَقِيلُ معهم حيثُ قالوا، وتأكلُ مَن تَخَلَّف (^٤).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن عوفٍ، عن الحسنِ، قال: بلَغني أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ لما أَجْلَى بني النَّضيرِ، قال: "امْضُوا فهذا أوَّلُ (^٥) الحَشْرِ، وأنا على الأَثَرِ" (^٦).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾. قال: الشامِ حينَ ردَّهم إلى الشامِ. وقرَأ قولَ اللَّهِ ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ [النساء: ٤٧]. قال: مِن حيثُ جاءت، أدبارُها أنْ رجَعت إلى الشامِ، مِن حيث جاءت رُدُّوا إليه (^٧).
وقولُه: ﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ: ما ظَنَنْتم أنْ يَخْرُجَ هؤلاء الذين أَخرَجهم اللَّهُ مِن ديارِهم مِن أهلِ
_________________
(١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: "بأول".
(٢) أخرجه البيهقي في الدلائل ٣/ ١٧٦، ١٧٧ من طريق عقيل عن الزهري.
(٣) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: "قوله".
(٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٨٢ عن معمر به.
(٥) في ص، ت ١: "أوان".
(٦) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٨٤ عن المصنف، وأخرجه ابن سعد في الطبقات ٢/ ٥٩، ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٨٤ - من طريق عوف به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٨٧ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٧) تقدم تخريجه في ٧/ ١١٤، ١١٥.
[ ٢٢ / ٤٩٩ ]
الكتابِ، من مساكنِهم ومنازلِهم، ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ وإنما ظَنَّ القومُ - فيما ذُكِر - ذلك؛ أنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ أُبَيٍّ وجماعةً مِن المنافقين بعَثوا إليهم (^١) لمَّا حاصَرهم رسولُ اللَّهِ ﷺ، يَأْمرونهم بالثباتِ في حُصونِهم، ويَعِدُونهم النَّصْرَ.
كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن يزيدَ بنِ رُومانَ، أنَّ رهطًا مِن بني عوفِ بنِ الخَزْرَجِ؛ منهم عبدُ اللَّهِ بنُ أُبيٍّ ابنِ سَلُولَ، ووديعةُ، ومالكُ [بنُ أبي قَوْقَلٍ] (^٢)، وسُويدٌ، وداعِسٌ، بعَثوا إلى بني النَّضيرِ؛ أن اثْبُتوا وتَمَنَّعوا، فإنا لن نُسْلِمَكم، وإن قُوتِلْتم قاتلْنا معكم، وإن أُخْرِجْتُم خَرَجْنا معكم. فَتَرَبَّصوا لذلك مِن نَصْرِهم، فلم يَفْعلوا، وكانوا قد تَحَصَّنوا في الحصونِ مِن رسولِ اللَّهِ ﷺ حينَ نَزَل بهم (^٣).
وقولُه: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾. [يقولُ تعالى ذكرُه: فأَتاهم أَمْرُ اللَّهِ مِن حيثُ لم يَحْتَسِبوا أنه يَأْتيهم، وذلك الأمرُ الذي أَتاهم مِن اللَّهِ مِن حيثُ لم يَحْتَسِبوا] (^٤)، قَذف في قلوبِهم الرعبَ بنُزُولِ رسولِ اللَّهِ ﷺ بهم في أصحابِه. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾.
وقولُه: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾. يعني جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ﴾ بني النَّضيرِ مِن اليهودِ، أنهم يُخْرِبون مساكِنَهم، وذلك أنهم كانوا يَنْظُرون إلى الخشبةِ - فيما ذُكِر - في منازلِهم مما يَسْتَحْسِنونه، أو العمودِ، أو
_________________
(١) في ت ٢، ت ٣: "إليه".
(٢) في ص، م، ت ١، ت ٢: "ابنا نوفل"، وفي ت ٣: "أبناء نوفل". والمثبت من مصادر التخريج، ووديعة هو ابن ثابت أخو بني عمرو بن عوف. وينظر طبقات ابن سعد ٣/ ٥٤٨، والبداية والنهاية ٥/ ١٤.
(٣) سيرة ابن هشام ٢/ ١٩١، وذكره المصنف في تاريخه ٢/ ٥٥٤ من قول ابن إسحاق.
(٤) سقط من: ت ٢، ت ٣.
[ ٢٢ / ٥٠٠ ]
البابِ، فيَنْزِعون ذلك منها بأيدِيهم وأَيْدِي المؤمنين.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾: جعَلُوا يُخْرِبونها مِن أجوافِها، وجعَل المؤمنون يُخْرِبونها مِن ظاهرِها.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، قال: لمَّا صالَحوا النبيَّ ﷺ كانوا لا يُعْجِبُهم خشبةٌ إلا أَخَذوها، فكان ذلك خرابَها (^١).
وقال قتادةُ: كان المسلمون يُخْرِبون ما يَليهم مِن ظاهرِها، ويُخرِبُها اليهودُ مِن داخلِها (^٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن يزيدَ بنِ رُومانَ، قال: احتَملوا مِن أموالِهم، يعني بني النَّضيرِ، ما اسْتَقَلَّت به الإبلُ، فكان الرجلُ منهم يَهدِمُ بيتَه عن نِجَافِ (^٣) بابه، فيضعُه على ظَهْرِ بعيرِه، فيَنْطَلِقُ به، قال: فذلك قولُه: ﴿يُخْرِبُونَ (^٤) بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ … وذلك هدمُهم بيوتَهم عن نُجُفِ أبوابِهم إذا احتَملوها (^٥).
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٨٢، ٢٨٣ عن معمر به، وأخرجه البيهقي في الدلائل ٣/ ١٧٦، ١٧٧ من طريق عقيل عن الزهري، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩١ إلى ابن المنذر.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٨٢، عن معمر عن قتادة، وذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٧٠. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩١، إلى عبد بن حميد.
(٣) النِّجاف: العتبة، وهي أُسْكُفَّةُ الباب. تاج العروس (ن ج ف).
(٤) في ص: "يخرّبون" بتشديد الراء، وهي قراءة كما سيأتي.
(٥) جزء من الأثر المتقدم تخريجه في ص ٤٩٨.
[ ٢٢ / ٥٠١ ]
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: هؤلاء النَّضيرُ، صالَحهم النبيُّ ﷺ على ما حَمَلت الإبلُ، فجعَلوا يَقْلَعون الأوتادَ؛ يُخْرِبون بيوتَهم (^١).
وقال آخرون: إنما قيل ذلك كذلك؛ لأنهم كانوا يُخْرِبون بيوتهم، لِيَبْنوا بِنَقْضِها ما هدَم المسلمون مِن حصونِهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾. قال: يعني بني النَّضيرِ، جعَل المسلمون كلَّما هدَموا شيئًا مِن حصونِهم، جعَلوا يَنْقُضون بيوتَهم ويُخْرِبونها، ثم يَبنون ما يُخْرِبُ المسلمون، فذلك هلاكُهم (^٢).
حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾. يعني أهلَ النَّضير، جعَل المسلمون كلَّما هدَموا من حِصْنِهم، جعَلُوا يَنْقُضون بيوتَهم بأيدِيهم، ثم يَبنون ما خَرَّب المسلمون (^٣).
واختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَتْه عامةُ قرأَةِ الحجازِ والمدينةِ والعراقِ سوى
_________________
(١) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٧٠، والقرطبي في تفسيره ١٨/ ٤، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٨٤.
(٢) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٧٠، والقرطبي في تفسيره ١٨/ ٤، ابن كثير في تفسيره ٨/ ٨١ مختصرا.
(٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١٨/ ٤.
[ ٢٢ / ٥٠٢ ]
أبي عمرٍو: ﴿يُخْرِبُونَ﴾ بتخفيف الراءِ، بمعنى يَخْرُجون منها، ويَتْرُكونها مُعَطَّلةً خَرابًا (^١). وكان أبو عمرٍو يقرَأُ ذلك: (يُخرِّبون) بالتشديدِ في الراءِ، بمعنى يُهَدِّمون بيوتَهم. وقد ذُكر عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَمِيِّ (^٢) والحسنِ البصريِّ، أنهما كانا يقرأان ذلك نحوَ قراءةِ أبي عمرٍو (^٣). وكان أبو عمرٍو فيما ذُكر عنه يزعُمُ أنه إنما اختار التَّشديدَ في الراءِ؛ لِما ذكرْتُ مِن أنَّ الإخرابَ إنما هو تركُ ذلك خرابًا بغيرِ ساكنٍ، وإنَّ بني النَّضيرِ لم يَتْرُكوا منازلَهم فيَرْتَحِلوا عنها، ولكنهم خَرَّبوها بالنقضِ والهدمِ، وذلك لا يكون فيما قال إلا بالتَّشديدِ.
وأَوْلى القراءتينِ في ذلك بالصوابِ عندي قراءةُ مَن قرَأه بالتخفيفِ؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرَأةِ عليه. وقد كان بعضُ أهلِ المعرفةِ بكلامِ العربِ يقولُ: التَّخْرِيبُ والإخرابُ بمعنًى واحدٍ، وإنما ذلك في (^٤) اختلافِ اللفظِ لا اختلافِ (^٥) المعنى.
وقولُه: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فاتَّعِظوا (^٦) يا مَعْشَرَ ذوي الأفهامِ بما أحلَّ اللَّهُ بهؤلاء اليهودِ، الذين قذَف اللَّهُ في قلوبِهم الرعبَ وهم في حصونِهم، من نِقْمَتِه، واعلَموا أنَّ اللَّهَ وليُّ مَن والاه، وناصرٌ رسولَه على كلِّ مَن ناوأَه، ومُحِلٌّ مِن نِقْمَتِه به نظيرَ الذي أَحلَّ ببني النَّضيرِ. وإنما عُنِي بالأبصارِ في هذا الموضعِ أبصارُ القلوبِ؛ وذلك أنَّ الاعتبارَ بها يكونُ دونَ الإبصارِ بالعيونِ.
_________________
(١) وهي قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي. ينظر الكشف عن وجوه القراءات ٢/ ٣١٦، والتيسير ص ١٧٠.
(٢) ينظر معاني القرآن للفراء ٣/ ١٤٣.
(٣) وهي أيضًا قراءة قتادة والجحدري ومجاهد وأبي حيوة وعيسى. ينظر البحر المحيط ٨/ ٢٤٣، والإتحاف ص ٢٥٥.
(٤) ليس في: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٥) بعده في ص، م، ت ١، ت ٢: "في".
(٦) في ت ٢، ت ٣: "فانطلقوا".
[ ٢٢ / ٥٠٣ ]