وقولُه: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وأَعطوا المشرِكين الذين جاءكم نساؤُهم مؤمناتٍ - إذا علِمتُموهنَّ مؤمناتٍ، فلم تَرْجِعوهنَّ إليهم - ما أنفَقوا في نكاحِهم إيَّاهنَّ من الصداقِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن
_________________
(١) في سيرة ابن هشام: "هنيدة". والمثبت موافق لما في سنن البيهقي. وقال المزي في تهذيب الكمال ١٧/ ٤٧١: عبد الرحمن بن هنيدة، ويقال: ابن أبي هنيدة.
(٢) سيرة ابن هشام ٢/ ٣٢٦، وأخرجه البيهقي ٩/ ٢٢٨، ٢٢٩ من طريق ابن إسحاق به، وأخرجه ابن سعد ٨/ ١٢، ١٣ من طريق ابن أخي الزهري، عن الزهري.
[ ٢٢ / ٥٧٩ ]
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ إلى قولِه: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. قال: كان امتحانُهن أن يَشْهَدْن ألا إلهَ إلا اللَّهُ، وأن محمدًا عبدُه ورسولُه. فإذا علِموا أن ذلك حقٌّ منهنَّ لم يَرْجِعوهُنَّ إلى الكفارِ، وأُعْطِيَ بعلُها من الكفارِ الذين عقَد لهم رسولُ اللَّهِ ﷺ صداقَه الذي أصدَقها (^١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾: وآتُوا أَزواجَهن صَدُقاتِهن (^٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ حتى بلَغ: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: هذا حكمٌ حكَمه اللَّهُ ﷿ بينَ أهلِ الهدَى وأهلِ الضلالةِ، كنَّ إذا فرَرْنَ من المشرِكين الذين بينَهم وبينَ نبيِّ اللَّهِ ﷺ وأصحابِه عهدٌ - إلى أصحابِ نبيِّ اللَّهِ ﷺ، فتزوَّجُوهن، بعَثوا مُهورَهنَّ إلى أزواجِهن من المشرِكين الذين بينَهم وبينَ (^٣) نبيِّ اللَّهِ ﷺ، عهدٌ، وإذا فرَرْن من أصحابِ نبيِّ اللَّهِ ﷺ إلى المشرِكين الذين بينَهم وبينَ نبيِّ اللَّهِ ﷺ عهدٌ فتزوَّجوا (^٤) بعَثوا بمهورِهن إلى أزواجِهن من أصحابِ نبيِّ اللَّهِ ﷺ (^٥).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، قال: نزَلت عليه وهو بأسفلِ الحُديبيةِ، وكان النبيُّ ﷺ صالَحهم أنه مَن أتاه منهم ردَّه إليهم، فلما جاءَه النساءُ نزَلت عليه هذه الآيةُ، وأمَره أن يَرُدَّ الصداقَ إلى أزواجِهن، وحكَم
_________________
(١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٧ إلى ابن مردويه.
(٢) تفسير مجاهد ص ٦٥٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٦ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: "أصحاب".
(٤) سقط من: م.
(٥) أخرجه ابن الجوزي في النواسخ ص ٤٩٠ من طريق سعيد به.
[ ٢٢ / ٥٨٠ ]
على المشرِكين مثلَ ذلك إذا جاءتهم امرأةٌ من المسلمين، أن يرُدُّوا الصداقَ إلى أزواجِهن، فقال: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ (^١).
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾: كان نبيُّ اللَّهِ ﷺ عاهَد من المشرِكين ومِن أهلِ الكتابِ، فعاهَدهم وعاهَدوه، وكان في الشرطِ أن يَرُدُّوا الأموالَ والنساءَ، فكان نبيُّ اللَّهِ إذا فاته أحدٌ من أزواجِ المؤمنين، فلحِق بالمعاهِدَةِ تاركًا لدينِه مختارًا للشركِ، ردَّ على زوجِها ما أنفَق عليها، وإذا لحِق بنبيِّ اللَّهِ ﷺ أحدٌ من أزواجِ المشرِكين، امتحنَها نبيُّ اللَّهِ ﷺ، فسأَلها: "ما أخرَجَكِ من قومِك؟ ". فإن وجَدها خرَجت تريدُ الإسلامَ قبِلها رسولُ اللَّهِ ﷺ، وردَّ على زوجِها ما أنفَق عليها، وإن وجَدها فرَّت من زوجِها إلى آخرَ بينَها وبينَه قرابةٌ، وهي مُتَمَسِّكَةٌ بالشركِ، ردَّها رسولُ اللَّهِ ﷺ إلى زوجِها من المشرِكين.
حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ الآية كلّها. قال: لما هادن رسولُ اللَّهِ ﷺ المشرِكين كان في الشرطِ الذي شُرِط أن تَرُدَّ إلينا مَن أتاك منا، ونرُدَّ إليك مَن أتانا منكم، فقال النبيُّ ﷺ: "مَن أتانا منكم فنرُدُّه إليكم، ومن أتاكم منا فاختار الكفرَ على الإيمانِ فلا حاجةَ لنا فيهم". قال: فأبَى اللَّهُ ذلك للنبيِّ ﷺ في النساءِ، ولم يَأْبَه للرجالِ، فقال اللَّهُ ﷿: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ إلى قولِه: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾: أزواجَهن.
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٨٨ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٨ إلى عبد بن حميد وأبي داود في ناسخه وابن المنذر.
[ ٢٢ / ٥٨١ ]
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني عمرُو بنُ الحارثِ، عن بُكيرِ بنِ الأشجِّ، قال: كان بينَ رسولِ اللَّهِ ﷺ والمشرِكين هدنةٌ في من فرَّ من النساءِ، فإذا فرَّت المشركةُ أعطى المسلمون زوجَها نفقتَه عليها، وكان المسلمون يَفْعَلون، وكان إذا لم يُعْطِ هؤلاء ولا هؤلاء، أخرَج المسلمون للمسلمِ الذي ذهَبت امرأتُه نفقتَها.
وقولُه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولا حرجَ عليكم أيُّها المؤمنون أن تَنْكِحوا هؤلاء المهاجراتِ اللاتي لحِقن بكم من دارِ الحربِ مفارِقاتٍ لأزواجِهن، وإن كان لهن أزواجٌ في دارِ الحربِ، إذا علِمتُموهن مؤمناتٍ، إذا أنتم أعطَيتُموهن أجورَهن. ويعني بالأجورِ: الصَّدُقاتِ.
وكان قتادةُ يقولُ: كنَّ إذا فرَرْن من المشرِكين الذين بينَهم وبينَ نبيِّ اللَّهِ ﷺ وأصحابِه عهدٌ - إلى أصحابِ نبيِّ اللَّهِ ﷺ فتزوَّجُوهن، بعَثوا بمهورِهن إلى أزواجِهن من المشرِكين، الذين بينَهم وبينَ أصحابِ نبيِّ اللَّهِ ﷺ عهدٌ. حدَّثنا بذلك بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ (^١).
وكان الزهريُّ يقولُ: إنما أمَر اللَّهُ بردِّ صداقِهنَّ إليهم إذا حُبِسن عنهم، إن هم ردُّوا على المسلمين صداقَ مَن حَبَسُوا عنهم من نسائِهم. حدَّثنا بذلك ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن الزهريِّ (^٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾: ولها زوجٌ ثَمَّ؛ لأنه فرَّق بينَهما الإسلامُ إِذا استُبرِئَت (^٣) أرحامُهن.
_________________
(١) تقدم في ص ٥٨٠.
(٢) سيرة ابن هشام ٢/ ٣٢٦ من قول عروة.
(٣) في م: "استبرأتن".
[ ٢٢ / ٥٨٢ ]
وقولُه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه للمؤمنين به من أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ: لا تُمْسِكوا أيُّها المؤمنون بحبالِ النساءِ الكوافرِ وأسبابِهن.
والكوافرُ جمعُ كافرةٍ، والعِصمُ جمعُ عِصْمَةٍ، وهي ما اعتصَم به من العقدِ والسببِ، وهذا نهيٌ من اللَّهِ للمؤمنين عن الإقدامِ (^١) على نكاحِ النساءِ المشركاتِ من أهلِ الأوثانِ، وأمرٌ لهم بفراقِهن.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ القطانُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ المباركِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن الزهريِّ، عن عروةَ، عن المسورِ بنِ مخرمةَ ومروانَ بنِ الحكمِ، أن النبيَّ ﷺ جاءه نسوةٌ مؤمناتٌ بعدَ أن كتَب كتابَ القضيةِ بينَه وبينَ قريشٍ، فأنزَل اللَّهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾. حتى بلَغ: ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾. فطلَّق عمرُ يومَئذٍ امرأتين كانتا له بالشركِ، فتزوَّج إحداهما معاويةُ بنُ أبي سفيانَ، والأخرى صفوانُ بنُ أميةَ (^٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني يونسُ، عن ابنِ شهابٍ، قال: بَلَغنا أنَّ آيةَ المحنةِ التي مادَّ (^٣) فيها رسولُ اللَّهِ ﷺ كفارَ قريشٍ، مِن أجلِ العهدِ الذي كان بينَ كفارِ قريشٍ وبينَ النبيِّ ﷺ، فكان النبيُّ ﷺ يَردُّ إلى كفارِ قريشٍ ما
_________________
(١) في ص، ت ١، ت ٢: "المقدام"، وفي ت ٣: "القدام".
(٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٩٧٢٠)، والطبراني ٢٠/ ٩ (١٣)، والبيهقي ٧/ ١٧١ من طريق معمر به، وينظر ما تقدم في ٣/ ٣٦٢، ٣٦٣.
(٣) ماد فيها: أي: أطالها. النهاية ٤/ ٣٠٩.
[ ٢٢ / ٥٨٣ ]
أنفَقوا على نسائِهم اللاتي يُسْلِمْن ويهاجِرْنَ - وبعولتُهُنَّ كفارٌ - للعهدِ الذي كان بينَ النبيِّ ﷺ وبينَهم، ولو كانوا حربًا ليست بينَهم وبينَ النبيِّ ﷺ مدَّةٌ وعقدٌ لم يردَّ عليهم شيئًا مما أنفَقوا، وحكَم اللَّهُ للمؤمنين على أهلِ المدَّةِ مِن الكفارِ بمثلِ ذلك، قال اللَّهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ حتى بلَغ: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. فطلَّق المؤمنون حينَ أُنزِلت هذه الآيةُ كلَّ امرأةٍ كافرةٍ كانت تحتَ رجلٍ منهم، فطلَّق عمرُ بنُ الخطابِ ﵁ امرأتَه ابنةَ أبي أميةَ بنِ المغيرةِ مِن بني مخزومٍ، فتزوَّجها معاويةُ بنُ أبي سفيانَ، وابنةَ جَرْوَلٍ مِن خُزَاعةَ، فتزوَّجها أبو جهمِ بنُ حُذافةَ العدوِيُّ، وجعَل اللَّهُ ذلك حُكْمًا حكَم به بينَ المؤمنين والمشركين في هذه المدَّةِ التي كانت (^١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: وقال الزهريُّ: لما نزَلت هذه الآيةُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ﴾ إلى قولِه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾. كان ممن طلَّق عمرُ بنُ الخطابِ ﵁ امرأتَه قُرَيبةَ ابنةَ أبي أميةَ بنِ المغيرةِ، فتزوَّجها بعدَه معاويةُ بنُ أبي سفيانَ، وهما على شركِهما بمكةَ، وأمَّ كلثومٍ ابنةَ جَرْوَلٍ الخزاعيةَ، أمَّ عُبَيْدِ (^٢) اللَّهِ بنِ عمرَ، فتزوَّجها أبو جهمِ بنُ حُذافةَ (^٣) بنِ غانمٍ، رجلٌ مِن قومِه، وهما على شركِهما، وطلحةُ بنُ عبيدِ اللَّهِ بنِ عثمانَ بنِ عمرٍو التيميُّ؛ كانت عندَه أرْوَى بنتُ ربيعةَ بنِ الحارثِ بنِ عبدِ المطلبِ، ففرَّق بينَهما الإسلامُ حينَ نَهى القرآنُ عن التمسكِ بعِصمِ الكوافرِ، وكان طلحةُ قد هاجَر وهي بمكةَ على دينِ قومِها، ثم تزوَّجها في الإسلامِ بعدَ طلحةَ [خالدُ بنُ] (^٤)
_________________
(١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٧ إلى ابن مردويه.
(٢) في النسخ: "عبد". والمثبت من مصادر التخريج، وينظر تاريخ المصنف ٤/ ١٩٩، والإصابة ٥/ ٥٢، ٨/ ٢٩٢.
(٣) في سيرة ابن هشام، وغوامض الأسماء: "حذيفة". والمثبت موافق لما في تاريخ المصنف.
(٤) في ص، ت ٢، ت ٣: "حابس".
[ ٢٢ / ٥٨٤ ]
سعيدِ بنِ العاصِ بنِ أميةَ بنِ عبدِ شمسٍ، وكان ممن فرَّ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ مِن نساءِ الكفارِ، ممن لم يكنْ بينَه وبينَ رسولِ اللَّهِ ﷺ عهدٌ، فحبَسها وزوَّجها رجلًا مِن المسلمين، أميمةُ بنتُ بشرٍ الأنصاريةُ، ثم إحدى نساءِ بني أميةَ بنِ زيدٍ مِن (^١) أوسِ اللَّهِ، كانت عندَ ثابتِ بن الدَّحداحةِ، ففرَّت منه - وهو يومَئذٍ كافرٌ - إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ، فزوَّجها رسولُ اللَّهِ ﷺ سهلَ بنَ حُنيفٍ، أحدَ بني عمرِو بنِ عوفٍ، فولَدتْ عبدَ اللَّهِ بنَ سهلٍ (^٢).
حدَّثني ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ: قال اللَّهُ: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾. قال الزهريُّ: فطلَّق عمرُ امرأتين كانتا له بمكةَ (^٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾. قال: أصحابُ محمدٍ، أُمِروا بطلاقِ نسائِهم؛ كوافرَ بمكةَ قعَدْن مع الكفارِ (^٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾: مشركاتِ العربِ اللاتي يأبَيْن الإسلامَ، أُمِر أن يُخَلَّى سبيلُهنَّ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾: إذا كفَرت المرأةُ فلا تُمْسِكوها، خلُّوها، وقعَت الفرقةُ فيما بينَها وبينَ زوجِها حينَ كفَرت.
_________________
(١) في ت ١، ت ٢، ت ٣: "بن".
(٢) سيرة ابن هشام ٢/ ٣٢٧، وأخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٦٤٠، وأخرجه ابن بشكوال في غوامض الأسماء المبهمة ٢/ ٧١٧ من طريق سلمة به. وهو عندهم مختصر.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٨٨ عن معمر به.
(٤) تفسير مجاهد ٦٥٦، ومن طريقه الفريابي، وعبد بن حميد - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٣٨ - والبيهقي ٧/ ١٧١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٦ إلى ابن المنذر.
[ ٢٢ / ٥٨٥ ]
واختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرَأةِ الحجازِ والمدينةِ والكوفةِ والشامِ، ﴿وَلَا تُمْسِكُوا﴾ بتخفيفِ السينِ (^١). وقرَأ ذلك أبو عمرٍو: (تُمَسِّكُوا) بتشديدِها (^٢)، وذُكر أنَّها قراءةُ الحسنِ (^٣). واعتبر مَن قرَأ ذلك بالتخفيفِ: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
والصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان، ولغتان مشهورتان، محكيٌّ عن العربِ: أمسكتُ به، ومَسَكْتُ، وتمسَّكْتُ به.
وقولُه: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لأزواجِ اللواتي لحِقْنَ مِن المؤمنين مِن دارِ الإسلامِ بالمشركين إلى مكةَ مِن كفارِ قريشٍ: واسألوا أيُّها المؤمنون الذين ذهبَتْ أزواجُهم فلحِقْنَ بالمشركين - ما أنفَقتم على أزواجِكم اللواتي لحِقْنَ بهم مِن الصداقِ، مَن تزوَّجهنَّ منهم، وليَسْألْكم المشركون منهم الذين لحِق بكم أزواجُهم مؤمناتٍ، إذا تزوَّجن فيكم، مَن تزوَّجها منكم، ما أنفقوا عليهنَّ مِن الصداقِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني يونسُ، عن ابنِ شهابٍ، قال: أقرَّ المؤمنون بحكمِ اللَّهِ، وأدَّوا ما أُمروا بهِ مِن نفقاتِ المشركين التي أنفقوا على نسائِهم، وأبَى المشركون أن يُقِرُّوا بحكمِ اللَّهِ فيما فُرِض عليهم مِن أداءِ نفقاتِ المسلمين (^٤).
_________________
(١) وهي قراءة نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي وأبي جعفر وخلف. ينظر النشر ٢/ ٢٨٩.
(٢) وبها قرأ يعقوب من العشرة. المصدر السابق.
(٣) وهي إحدى الروايات عن الحسن، وبها قرأ مجاهد بخلاف عنه وابن جبير والأعرج، وعن الحسن (تَمَسَّكوا). وبها قرأ ابن أبي ليلى وابن عامر في رواية عبد الحميد وأبو عمرو في رواية معاذ. وعن الحسن (تمسِكوا) بكسر السين مضارع "مسك" ثلاثيا. البحر المحيط ٨/ ٢٥٧.
(٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ١٢١ عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٧ إلى ابن مردويه.
[ ٢٢ / ٥٨٦ ]
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾. قال: ما ذهَب مِن أزواجِ أصحابِ محمدٍ ﷺ إلى الكفارِ، فلْيُعْطِهم الكفارُ صَدُقَاتِهِنَّ، ولْيُمْسِكوهنَّ، وما ذهَب مِن أزواجِ الكفارِ إلى أصحابِ النبيِّ ﷺ فمثلُ ذلك، في صلحٍ كان بينَ محمدٍ ﷺ وبينَ قريشٍ (^١).
وقولُه: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الحكمُ الذي حكمتُ بينَكم مِن أمرِكم أيُّها المؤمنون بمسألةِ المشركين ما أنفَقتم على أزواجِكم اللاتي لحِقْنَ بهم، وأَمْرِهم بمسأَلتِكم مثلَ ذلك في أزواجِهنَّ اللاتي لحِقْنَ بكم - حكمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بينَكم فلا تَعْتَدُوه، فإنه الحقُّ الذي لا يُسْمعُ غيرُه. فانتهى المؤمنون مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ، فيما ذُكر، إلى أمرِ اللَّهِ وحكمِه، وامتَنع المشركون منه، وطلَبوا الوفاءَ بالشروطِ التي كانوا شارَطوها بينَهم في ذلك الصلحِ. وبذلك جاءت الآثارُ والأخبارُ عن أهلِ السِّيرِ وغيرِهم.
ذكرُ الروايةِ بذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، قال: أما المؤمنون فأقرُّوا بحكمِ اللَّهِ، وأما المشركون فأبَوْا أن يُقرِّوا، فأنزَل اللَّهُ ﷿: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ الآية (^٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن الزهريِّ، قال:
_________________
(١) تفسير مجاهد ص ٦٥٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٨٨ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٨ إلى أبي داود في ناسخه وابن المنذر.
[ ٢٢ / ٥٨٧ ]
قال اللَّهُ: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾، فأمسَك رسولُ اللَّهِ ﷺ النساءَ، وردَّ الرجالَ، وسألَ الذي أمَرَه اللَّهُ أن يسألَ مِن صَدُقَاتِ النساءِ مَن حبسوا منهنَّ، وأن يردُّوا عليهم مثلَ الذي يردُّون عليهم إن هم فعلوا، ولولا الذي حكَم اللَّهُ به مِن هذا الحكمِ، ردَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ النساءَ كما ردَّ الرجالَ، ولولا الهدنةُ والعهدُ الذي كان بينَه وبينَ قريشٍ يومَ الحديبيةِ، أمسَك النساءَ ولم يَرْدُدْ إليهم صداقًا، وكذلك يصنعُ بمن جاءه مِن المسلماتِ قبلَ العهدِ (^١).
وقولُه: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: واللَّهُ ذو علمٍ بما يُصْلِحُ خلْقَه، وغيرِ ذلك مِن الأمورِ، حكيمٌ في تدبيرِه إيَّاهم.