يقولُ تعالى ذكرُه: والذين أقرُّوا بوحدانيةِ اللَّهِ وإرسالِه رسلَه، فصدَّقوا الرسلَ وآمَنوا بما جاءُوهم به مِن عندِ ربِّهم - أولئك هم الصِّدِّيقون.
وقولُه: ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: قولُه (^٣): ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ منفصلٌ مِن الذي قَبلَه، والخبرُ عن الذين
_________________
(١) هي قراءة نافع وابن عامر وأبي عمرو وحمزة والكسائي، وحفص عن عاصم. السبعة ص ٦٢٦.
(٢) هي قراءة ابن كثير، وأبي بكر عن عاصم. المصدر السابق.
(٣) سقط من: م.
[ ٢٢ / ٤١٢ ]
آمنوا باللَّهِ ورسلِه مُتَناهٍ عندَ قولِه: ﴿الصِّدِّيقُونَ﴾، و﴿الصِّدِّيقُونَ﴾ مرفوعون بقولَه: ﴿هُمُ﴾. ثم ابْتُدِئَ الخبرُ عن الشهداءِ فقيل: ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾، و﴿وَالشُّهَدَاءُ﴾ في قولِهم مرفوعون بقولِه: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنُ عباسٍ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾. قال: هذه مفصولةٌ. ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ (^١).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن أبي الضُّحى، عن مسروقٍ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾. قال: هي للشهداءِ خاصةً (^٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن أبي الضُّحى، عن مسروقٍ، قال: هي خاصةً للشهداءِ.
قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبي الضُّحى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ ثم اسْتَأْنَف الكلامَ فقال: ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (^٣).
حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾: هذه
_________________
(١) ذكرُه القرطبي في تفسيره ١٧/ ٢٥٣، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٧.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٧٦ عن الثوري به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر
(٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٨.
[ ٢٢ / ٤١٣ ]
مفصولةٌ، سمَّاهم اللَّهُ صِدِّيقين بأنهم آمنوا باللَّهِ وصدَّقوا رسلَه، ثم قال: ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾. هذه مفصولةٌ (^١).
وقال آخرون: بل قولُه: ﴿وَالشُّهَدَاءُ﴾. مِن صفةِ الذين آمَنوا باللَّهِ ورسلِه. قالوا: إنما تَناهى الخبرُ عن الذين آمَنوا عندَ قولِه: ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. ثم ابْتُدِئَ الخبرُ عمَّا لهم، فقيل: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: أخبَرنا أبو قيسٍ أنه سمِع هُزَيلًا يُحدِّثُ، قال: ذكَروا الشهداءَ، فقال عبدُ اللَّهِ: الرجلُ يُقاتِلُ للذِّكْرِ، والرجلُ يُقاتِلُ لِيُرَى مكانُه، والرجلُ يُقاتِلُ للدنيا، والرجلُ يُقاتِلُ للسُّمْعةِ، والرجلُ يُقاتِلُ للمَغْنمِ - قال شعبةُ شيئًا هذا معناه - والرجلُ يُقاتِلُ يُريدُ وجْهَ اللَّهِ، والرجلُ يموتُ على فراشِه وهو شهيدٌ. وقرَأ عبدُ اللَّهِ هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (^٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ وليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾. قال: كلُّ مؤمنٍ شهيدٌ. ثم قرَأها (^٣).
حدَّثني صالحُ بنُ حربٍ أبو معمرٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ يحيى، قال: ثنا ابنُ عجلانَ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن البراءِ بنِ عازبٍ، قال: سمِعتُ رسول اللَّهِ ﷺ
_________________
(١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٦ إلى المصنف.
(٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٦ إلى ابن المنذر مختصرًا.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٧٦ عن سفيان عن ليث به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٦ إلى عبد بن حميد.
[ ٢٢ / ٤١٤ ]
يقولُ: "مُؤْمِنو أُمَّتِي شُهداءُ". قال: ثم تلا النبيُّ ﷺ هذه الآيةَ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (^١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. قال: بالإيمانِ على أنفسِهم باللَّهِ (^٢).
وقال آخرون: الشهداءُ عندَ ربِّهم في هذا الموضعِ: النَّبيون الذين يَشْهَدون على أممِهم؛ مِن قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١].
والذي هو أولى الأقوال عندي في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: الكلامُ والخبرُ عن الذين آمَنوا مُتَناهٍ عندَ قولِه: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾، وأنَّ قولَه: ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ خبرٌ مُبْتدأٌ عن الشهداءِ.
وإنما قلنا: إنَّ ذلك أولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ؛ لأنَّ ذلك هو الأغلبُ مِن معانِيه في الظاهرِ، وأنَّ الإيمانَ غيرُ مُوجبٍ - في المتعارَفِ - للمؤمنِ اسمَ شهيدٍ إلَّا (^٣) بمعنى غيرِه، إلا أن يُرادَ به أنه (^٤) شهيدٌ على ما آمَن به وصدَّقه، فيكونَ ذلك وجْهًا، وإن كان فيه بعضُ البُعدِ؛ لأن ذلك ليس بالمعروفِ من معانِيه إذا أُطْلِق بغيرِ وصلٍ، فتأويلُ قولِه: ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ إذنْ: والشهداءُ الذين قُتِلوا في سبيلِ اللَّهِ، أو هلَكوا في سبيلِه، عندَ ربِّهم، لهم ثوابُ اللَّهِ إِيَّاهم في
_________________
(١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٨ عن المصنف.
(٢) تفسير مجاهد ص ٦٤٩.
(٣) في م: "لا".
(٤) سقط من: م.
[ ٢٢ / ٤١٥ ]
الآخرةِ ونورُهم.
وقولُه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والذين كفروا باللَّهِ وكذَّبوا بأدلَّتِه وحجَجِه، أولئك أصحابُ الجحيمِ.