يقولُ تعالى ذكرُه: يا أيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه: (إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي المجْلِسِ (^٢». يعني بقولِه: ﴿تَفَسَّحُوا﴾: توسَّعوا. من قولِهم: مكانٌ فَسِيحٌ. إذا كان واسِعًا.
واختلَف أهلُ التأويلِ في المجلسِ الذي أمَر اللَّهُ المؤمنين بالتفسُّحِ فيه؛ فقال بعضُهم: ذلك كان مجلسَ النبيِّ ﷺ خاصةً.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي
_________________
(١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣ هنا وفيما سيأتي: "المجْلِس" على الإفراد، وهي القراءة التي اختارها المصنف كما سيأتي.
(٢) في م: "المجالس".
[ ٢٢ / ٤٧٦ ]
نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: (تَفَسَّحُوا فِي المَجْلِسِ). قال: مجلسِ النبيِّ ﷺ، كان يُقالُ ذاك خاصةً.
حدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (^١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي المَجْلِسِ) الآية، كانوا إذا رأَوْا مَن جاءهم مُقبِلًا ضَنُّوا بمجلسِهم عندَ رسولِ اللَّهِ ﷺ، فأمَرهم أن يَفسَحَ بعضُهم لبعضٍ (^٢).
حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: (إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي المَجْلِسِ). قال: كان هذا للنبيِّ ﷺ ومَن حَوْلَه خاصةً، يقولُ: استوسِعوا حتى يصِيبَ كلُّ رجلٍ منكم مجلسًا مِن النبيِّ ﷺ. وهي أيضًا مقاعدُ للقتالِ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: (تَفَسَّحُوا فِي المَجْلِسِ). قال: كان الناسُ يتَنافسون في مجلسِ النبيِّ ﷺ، فقِيل لهم: (إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي المَجْلِسِ فافْسَحُوا) (^٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ: (إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي المَجْلِسِ (^٤) فافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ). قال: هذا مجلسُ
_________________
(١) تفسير مجاهد ص ٦٥٠. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٨٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٨٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٧٩ عن معمر به.
(٤) في م: "المجالس".
[ ٢٢ / ٤٧٧ ]
رسولِ اللَّهِ ﷺ، كان الرجلُ يأتي فيقولُ: افسَحوا لي رحِمكم اللَّهُ. فيَضَنُّ كلُّ واحدٍ منهم بقُرْبِه مِن رسولِ اللَّهِ ﷺ، فأمَرهم اللَّهُ بذلك، ورأَى أنه خيرٌ لهم.
وقال آخرون: بل عُنِي بذلك في مجالسِ القتالِ إذا اصْطَفُّوا للحربِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي المَجْلِسِ فافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ). قال: ذلك في مجلسِ القتالِ (^١).
والصوابُ من القولِ في ذلك أن يقالَ: إن اللَّهَ تعالى ذكرُه أمَر المؤمنين أن يَتَفَسَّحوا في المجلسِ، ولم يَخْصُصْ بذلك مجلسَ النبيِّ ﷺ دونَ مجلسِ القتالِ، وكلا الموضعين يقالُ له: مجلسٌ. فذلك على جميعِ المجالسِ مِن مجالسِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ومجالسِ القتالِ.
واختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه عامةُ قرأةِ الأمصارِ: (تَفَسَّحُوا فِي المَجْلِسِ) على التوحيدِ، غيرَ الحسنِ البصريِّ وعاصمٍ؛ فإنهما قرَأا ذلك: ﴿فِي الْمَجَالِسِ﴾ على الجماعِ. وبالتوحيدِ قراءةُ ذلك عندَنا؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليه (^٢).
وقولُه: ﴿فَافْسَحُوا﴾. يقولُ: فوسِّعوا، ﴿يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾. يقولُ: يُوسِّعِ اللَّهُ منازلَكم في الجنةِ، ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا
_________________
(١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٨٥ إلى المصنف.
(٢) ينظر الكشف ٢/ ٣١٤، ٣١٥.
[ ٢٢ / ٤٧٨ ]
قيل: ارْتَفِعوا. وإنما يُرادُ بذلك وإذا قيل لكم: قُوموا إلى قتالِ عدوٍّ، أو صلاةٍ، أو عملِ خيرٍ، أو تفرَّقوا عن رسولِ اللَّهِ ﷺ. فقوموا.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾ إلى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. قال: إذا قيل: انشُزوا. فانشُزوا إلى الخيرِ والصلاةِ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَانْشُزُوا﴾. قال: إلى كلِّ خيرٍ؛ قتالِ عدوٍّ، أو أمرٍ بالمعروفِ، أو حقٍّ ما كان (^١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادَة قولَه: ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾. يقولُ: إذا دُعِيتُم إلى خيرٍ فأَجِيبوا. وقال الحسنُ: هذا كلُّه في الغزوِ (^٢).
حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾: كان إذا نُودِي للصلاةِ تثَاقَل رجالٌ، فأَمَرهم اللَّهُ إذا نُودِي للصلاةِ أن يَرْتفِعوا إليها؛ يَقوموا إليها (^٣).
_________________
(١) تفسير مجاهد ص ٦٥٠. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٨٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٨٠ عن معمر عن قتادة والحسن، وقول قتادة عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٨٥ إلى عبد بن حميد.
(٣) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٥٨، والقرطبي في تفسيره ١٧/ ٢٩٩.
[ ٢٢ / ٤٧٩ ]
وحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾. قال: انشُزوا عن رسولِ اللَّهِ ﷺ. قال: هذا في بيتِه، إذا قيل: انشُزوا. فارتفِعوا عن النبيِّ ﷺ؛ فإن له حوائجَ، فأحبَّ كلُّ رجلٍ منهم أن يكونَ آخرَ عهدِه برسولِ اللَّهِ ﷺ، فقال اللَّهُ: ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾ (^١).
وإنما اختَرْتُ التأويلَ الذي قلتُ في ذلك؛ لأن اللَّهَ ﷿ أَمَر المؤمنين إذا قيل لهم: انشُزوا. أَنْ يَنْشُزوا، فعمَّ بذلك الأمرِ جميعَ معاني النشوزِ مِن الخيراتِ، فذلك على عمومِه حتى يَخُصَّه ما يجبُ التسليمُ له.
واختلَفتِ القرأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه عامةُ قرأَةِ المدينةِ ﴿فَانْشُزُوا﴾ بضمِّ الشينِ. وقرأ ذلك عامةُ قرأَةِ الكوفةِ والبصرةِ بكسرِها (^٢).
والصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان، ولغتان مشهورتان، بمنزلةِ يَعْكُفون ويَعْكِفون، ويَعْرُشون ويَعْرِشون، فبأَيِّ القراءتين قرَأ القارئُ فمصيبٌ.
وقولُه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يرفعِ اللَّهُ المؤمنين منكم أيُّها القومُ بطاعتِهم ربَّهم فيما أَمَرهم به من التفسُّحِ في المجلسِ إذا قيل لهم: تفسَّحوا، أو بنُشُوزِهم إلى الخيراتِ إذا قيل لهم: انشُزوا إليها. ويرفعِ اللَّهُ الذين أوتوا العلمَ مِن أهلِ الإيمانِ على المؤمنين الذين لم يُؤْتَوُا العلمَ بفضلِ علمِهم درجاتٍ - إذا عمِلوا بما أُمِروا به.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ
_________________
(١) ذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ٢٩٩، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٧٤.
(٢) قرأ نافع وعاصم وابن عامر بضم الشين والابتداء بضم الألف، وقرأ الباقون بكسر الشين والابتداء بكسر الألف. الكشف ٢/ ٣١٥.
[ ٢٢ / ٤٨٠ ]
الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾: إن (^١) بالعلمِ لأهلِه فضلًا، وإن له على أهلِه حقًّا، ولَعَمْرِي لِلحقِّ عليك أيُّها العالمُ فضلٌ، واللَّهُ مُعْطِي كلَّ ذي فضلٍ فضلَه.
وكان مُطَرِّفُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ الشِّخِّيرِ يقولُ: فضلُ العلمِ أحبُّ إليَّ مِن فضلِ العبادةِ، وخيرُ دينِكم الوَرَعُ (^٢).
وكان [عبدُ اللَّهِ بنُ مُطَرِّفٍ] (^٣) يقولُ: إنك لَتَلْقَى الرجلين؛ أحدُهما أكثرُ صومًا وصلاةً وصدقةً، والآخرُ أفضلُ منه بَوْنًا بعيدًا. قيل له: وكيف ذاك؟ فقال: هو أشدُّهما وَرَعًا للَّهِ عن محارمِه (^٤).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾: في دينِهم، إذا فعَلوا ما أُمِروا به.
وقولُه: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واللَّهُ بأعمالِكم أيُّها الناسُ ذو خبرةٍ، لا يَخْفى عليه المطيعُ منكم ربَّه مِن العاصي، وهو مُجازٍ جميعَكم بعملِه؛ المحسنَ بإحسانِه، والمسيءَ بالذي هو أهلُه، أو يَعْفو.