يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: يأيُّها النبيُّ إذا جاءك المؤمناتُ باللَّهِ ﴿يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾. يقولُ: ولا يأتين بكذبٍ يَكْذِبْنه في مولودٍ يوجَدُ بينَ أيدِيهنَّ وأرجلِهنَّ. وإنما معنى الكلامِ: ولا يُلْحِقْن بأزواجِهنَّ غيرَ أولادِهم.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾. يقولُ: لا يُلْحِقْن بأزواجِهنَّ غيرَ أولادِهم (^١).
وقولُه: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾. يقولُ: ولا يَعْصِينك يا محمدُ في معروفٍ مِن أمرِ اللَّهِ ﷿ تأمرُهنَّ به. وذُكر أنَّ ذلك المعروفَ الذي شُرِط عليهنَّ
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان ٢/ ٤٧ - من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢١٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.
[ ٢٢ / ٥٩٤ ]
ألا يَعْصِين رسولَ اللَّهِ ﷺ فيه، هو النياحةُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾. يقولُ: لا يَنُحْنَ (^١).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ المباركِ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن سالمِ بنِ أبي الجعدِ: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾. قال: النَّوْحِ (^٢).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن سالمِ بنِ أبي الجعدِ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن سالمٍ مثلَه (^٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا موسى بنُ عميرٍ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾. قال: في نِياحةٍ (^٤).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن سالمِ بنِ أبي الجعدِ: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾. قال: النَّوْحِ.
قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن زيدِ بنِ أسلمَ: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾. قال: لا يَخْدِشْن وجهًا، ولا يَشْقُقْن جيبًا، ولا يدعُون ويلًا، ولا يَنْشُدْن شِعْرًا (^٥).
_________________
(١) تمام الأثر المتقدم في الصفحة السابقة، وسقط بقيته من مطبوعة الدر المنثور، وهو بتمامه في المخطوطة المحمودية ص ٤١٥، ولم يرد هذا اللفظ عند ابن أبي حاتم.
(٢) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ١٢/ ٢٣٧ من طريق سفيان به، وهو في تفسير مجاهد ص ٦٥٧ من طريق منصور به.
(٣) أخرجه أحمد بن منيع - كما في المطالب العالية (٤١٤٧) - عن جرير به.
(٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ١٢٧.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٩٠، وابن عبد البر في التمهيد ١٢/ ٢٣٨ من طريق سفيان به.
[ ٢٢ / ٥٩٥ ]
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: كانت محنةُ النساءِ أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ أمَر عمرَ بنَ الخطابِ ﵁ فقال: "قلْ لهنَّ: إنَّ رسولَ اللَّهِ يُبايعْكنِّ على ألا تُشْرِكْنَ باللَّهِ شيئًا". وكانت هندُ بنتُ عتبةَ بنِ ربيعةَ التي شقَّت بطنَ حمزةَ رحمةُ اللَّهِ عليه مُتنكِّرةً في النساءِ، فقالت: إني إنْ أتكلَّمْ يعرفْني، وإن عرَفني قتَلني. وإنما تنكَّرَتْ فَرَقًا مِن رسولِ اللَّهِ ﷺ، فسكَت النسوةُ اللَّاتي مع هندٍ، وأبَيْن أن يتكلَّمْن، قالت هندٌ وهي مُتنكِّرةٌ: كيف يَقْبَلُ من النساءِ شيئًا لم يَقْبَلْه مِن الرجالِ؟ فنظَر إليها رسولُ اللَّهِ ﷺ وقال لعمرَ: "قلْ لهنَّ: ولا يَسْرِقن". قالت هندٌ: واللَّهِ إني لأصيبُ مِن أبي سفيانَ الهَنَاتِ ما أدري أيُحِلُّهنَّ لي أم لا. قال أبو سفيانَ: ما أصبْتِ مِن شيءٍ مضَى أو قد بَقِي، فهو لك حلالٌ. فضحِك رسولُ اللَّهِ ﷺ وعرَفها، فدعاها فأتَتْه، فأخَذتْ بيدِه فعاذت به، فقال: "أنتِ هندٌ؟ ". فقالت: عفا اللَّهُ عما سلَف، فصرَف عنها رسولُ اللَّهِ ﷺ، فقال: " ﴿وَلَا يَزْنِينَ﴾ ". فقالت: يا رسولَ اللَّهِ، وهل تزني الحرَّةُ؟ قال: "لا واللَّهِ ما تزنِي الحرَّةُ". قال: " ﴿وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ ". قالت هندٌ: أنتَ قتَلتَهم يومَ بدرٍ، فأنت وهم أبصرُ. قال: " ﴿وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ ". قال: منعهنَّ أنّ يَنُحْن، وكان أهلُ الجاهليةِ يُمزِّقْن الثيابَ، ويَخْدِشْن الوجوهَ، ويَقْطَعْن الشعورَ، ويدْعُون بالثُّبورِ والويلِ (^١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ حتى بلَغ: ﴿فَبَايِعْهُنَّ﴾: ذُكِر لنا أنَّ نبيَّ اللَّهِ ﷺ أَخَذ عليهنَّ يومئذٍ النياحةَ: و"لا تُحدِّثْن الرجالَ، إلا رجلًا منكنَّ مَحْرَمًا". فقال عبدُ الرحمنِ
_________________
(١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢١٠ إلى المصنف وابن مردويه.
[ ٢٢ / ٥٩٦ ]
ابنُ عوفٍ: يا نبيَّ اللَّهِ إنَّ لنا أضيافًا، وإنا نَغِيبُ عن نسائِنا. قال: فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "ليس أولئك عَنيتُ، ليسَ أولئك عَنيتُ" (^١).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾. قال: هو النَّوْحُ، أُخِذ عليهنَّ لا يَنُحْن، ولا يَخْلُونَّ بحديثِ الرجالِ إلا مع ذي مَحْرمٍ، قال: فقال عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ: إنا نَغِيبُ ويكونُ لنا أضيافٌ. قال: "ليس أولئك عنيتُ" (^٢).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: أخبَرنا أبو هلالٍ، قال: ثنا قتادةُ في قولِه: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾. قال: لا يُحدِّثْن رجلًا.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى ابنُ عياشٍ، عن سليمانَ بنِ سليمٍ (^٣)، عن عمرِو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، قال: جاءت أُميمةُ بنتُ رقيقةَ إلى النبيِّ ﷺ تُبايعُه على الإسلامِ، فقال لها النبيُّ ﷺ: "أُبايعُكِ على ألا تُشْرِكي باللَّهِ شيئًا، ولا تسرِقي، ولا تزنِي، ولا تقتُلي ولدَك، ولا تأتِي ببهتانٍ تفترينه بين يديك ورجليك، ولا تنوحي، ولا تبرَّجي تبرجَ الجاهليةِ الأولى" (^٤).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن محمدِ بن المنكدرِ، عن أُميمةَ بنتِ رقيقةَ، قالت: جاءت نسوةٌ إلى النبيِّ ﷺ يُبايِعْنَه، فقال: "فيما اسْتَطَعْتُنَّ وأَطَقْتُنَّ". فقلنا: اللَّهُ ورسولُه أرحَمُ بنا منا بأنفسِنا (^٥).
_________________
(١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ١٢٧ عن المصنف.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٨٩ عن معمر به.
(٣) في ص، م، ت ١، ت ٢: "سليمان"، وفي ت ٣: "سلمان". والمثبت من مصدري التخريج، وتهذيب الكمال ١١/ ٤٣٩.
(٤) أخرجه ابن عساكر ص ٥٥ - تراجم النساء - من طريق ابن وهب، به، وأخرجه أحمد ١١/ ٤٣٧ (٦٨٥٠)، ومن طريقه ابن عساكر ص ٥٥ - تراجم النساء - من طريق ابن عياش به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٩ إلى ابن مردويه.
(٥) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٩٨٢٦)، وأحمد ٦/ ٣٥٧ (الميمنية)، والطبراني ٢٤/ ١٨٦ (٤٧٠) =
[ ٢٢ / ٥٩٧ ]
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنا أبي وشعيبُ بنُ الليثِ، عن الليثِ، قال: ثنا خالدُ بنُ يزيدَ، عن ابنِ أبي هلالٍ، عن ابنِ المنكدرِ، أنَّ أُميمةَ أخبَرتْه أنَّها دخلَت على رسولِ اللَّهِ ﷺ في نسوةٍ، فقُلن: يا رسولَ اللَّهِ ابسُطْ يدَك نصافِحْك. فقال: "إني لا أُصافِحُ النساءَ، ولكن سآخُذُ عليكنَّ". فأخَذ علينا حتى بلَغ: " ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ ". فقال: "فيما أطَقْتُنَّ واسْتَطَعْتُنَّ". فقُلْن: اللَّهُ ورسولُه أَرْحَم بنا مِن أنفسِنا (^١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عمرٍو، عن عاصمٍ، عن ابنِ سيرينَ، عن أمِّ عطيةَ الأنصاريةِ، قالت: كان فيما اشْترط علينا مِن المعروفِ حينَ بايَعْنا: ألا ننُوحَ. فقالت امرأةٌ [مِن بني فلانٍ] (^٢): إنَّ بني فلانٍ أَسْعَدُوني (^٣)، فلا حتى أَجْزِيَهم، فانْطَلَقَت فأسعَدَتْهم، ثم جاءت فبايَعت. قال: فما وفى منهنَّ غيرُها وغيرُ أمِّ سليمٍ ابنةِ مِلْحانَ؛ أمِّ أنسِ بنِ مالكٍ (^٤).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا عمرُ (^٥) بنُ فروخَ القتابُ (^٦)،
_________________
(١) = من طريق الثوري به.
(٢) أخرجه مالك ٢/ ٩٨٢، والطيالسي (١٧٢٦)، والحميدي (٣٤١)، وابن سعد ٨/ ٥، وأحمد ٦/ ٣٥٧ (الميمنية)، وابن ماجه (٢٨٧٤)، والترمذي (١٥٩٧)، والنسائي (٤٢٠١)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣٣٤٠، ٣٣٤١)، وابن حبان (٤٥٥٣)، والطبراني ٢٤/ ١٨٦ - ١٨٨ (٤٧١ - ٤٧٤، ٤٧٦) من طريق محمد بن المنكدر به.
(٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٤) إسعاد النساء في المناحات: تقوم المرأة فتقوم معها أخرى من جاراتها فتساعدها على النياحة. اللسان (س ع د).
(٥) أخرجه أحمد ٦/ ٤٠٨ (الميمنية)، والنسائي (٤١٩٠) من طريق ابن سيرين به، وتفسير مجاهد ص ٦٥٦، ٦٥٧، وأخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٨٩، وأحمد ٦/ ٤٠٨ (الميمنية)، ومسلم (٩٣٧)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣٣٣٣)، وابن حبان (٣١٤٥)، والبيهقي ٦/ ٤٨٨ من طريق عاصم، عن حفصة بنت سيرين عن أم عطية به، وأخرجه البخاري (٤٨٩٢)، وسنيد - كما في التمهيد ١٢/ ٢٤٠ - والبيهقي ٤/ ٦٢ من طريق حفصة عن أم عطية به.
(٦) في النسخ: "عمرو". وينظر تهذيب الكمال ٢١/ ٤٧٨.
(٧) في النسخ: "القتات".
[ ٢٢ / ٥٩٨ ]
قال: ثنا مصعبُ بنُ نوحٍ الأنصاريُّ، قال: أَدْرَكْتُ عجوزًا لنا كانت في من بايع رسولَ اللَّهِ ﷺ، قالت: فأتيتُه لأبايعَه، فأخَذ علينا فيما أخَذ: "ولا تَنُحْن". فقالت عجوزٌ: يا نبيَّ اللَّهِ، إِنَّ ناسًا قد كانوا أَسْعَدُوني على مصائبَ أصابتْني، وإنهم قد أصابَتْهم مصيبةٌ، فأنا أريدُ أنْ أُسْعِدَهم. قال: "فانْطَلِقي فكافِئيهم". ثم إنَّها أتت فبايعَتْه، قال: هو المعروفُ الذي قال اللَّهُ: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ (^١).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن يزيدَ مولى الصهباءِ، عن شهرِ بنِ حوشبٍ، عن أمِّ سلمةَ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ في قولِه: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾. قال: "النَّوْحُ" (^٢).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونسُ، قال: ثنا محمدُ بن إسحاقَ، عن محمدِ بنِ المنكدرِ، عن أُميمةَ بنتِ رُقيقةَ التيميةِ، قالت: بايعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ في نسوةٍ مِن المسلمين، فقلنا له: جئناك يا رسولَ اللَّهِ نبايعُك على ألا نشركَ باللَّهِ شيئًا، ولا نسرِقَ، ولا نزنِيَ، ولا نقتلَ أولادَنا، ولا نأتيَ ببهتانٍ نفترِيه بين أيدينا وأرجلِنا، ولا نعصيك في معروفٍ. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "فيما اسْتَطَعْتُنَّ وأطَقْتُنَّ". فقلنا: اللَّهُ ورسولُه أرحمُ بنا مِن أنفسِنا، فقلنا: بايِعْنا يا رسولَ اللَّهِ. فقال: "اذهبْنَ فقد بايعْتُكنَّ، إنما قَوْلي لِمائةِ امرأةٍ كقولِي لامرأةٍ واحدةٍ". وما صافح رسولُ اللَّهِ ﷺ منا أحدًا (^٣).
_________________
(١) أخرجه ابن سعد ٨/ ٨، وأحمد ٤/ ٥٥ (الميمنية) من طريق عمر بن فروخ به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢١٠ إلى عبد بن حميد وابن مردويه.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٨٩، وأحمد ٦/ ٣٢٠ (الميمنية)، وابن ماجه (١٥٧٩)، وابن عبد البر في التمهيد ١٢/ ٢٣٨ من طريق وكيع به، وأخرجه ابن سعد ٨/ ٨، وعبد بن حميد - كما في الدر المنثور ٦/ ٢١٠، وعنه الترمذي (٣٣٠٧) - من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.
(٣) أخرجه الحاكم ٤/ ٧١، وابن عساكر ص ٥٣ - تراجم النساء - من طريق يونس به، وأخرجه أحمد ٦/ ٣٥٧ (الميمنية) من طريق ابن إسحاق به.
[ ٢٢ / ٥٩٩ ]
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بكيرٍ، عن عيسى بن عبدِ اللَّهِ التميميِّ، عن محمدِ بنِ المنكدرِ، عن أُميمةَ [بنتِ رقيقةَ] (^١) خالةِ فاطمةَ بنتِ رسولِ اللَّهِ ﷺ، قال: سمِعْتُها تقولُ: بايَعْنا رسولَ اللَّهِ ﷺ، فأخَذ علينا ألا نشركَ باللَّهِ شيئًا. فذكَر مثلَ حديثِ محمدِ بن إسحاقَ.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن محمدِ بنِ المنكدرِ، عن أُميمةَ بنتِ رقيقةَ، قالت: أتيتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ في نساءٍ نُبايعُه، قالت: فأخَذ علينا النبيُّ ﷺ بما في القرآنِ: ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ الآية. ثم قال: "فيما اسْتَطَعْتُنَّ وأَطَقْتُنَّ". فقلنا: يا رسولَ اللَّهِ ألَا تُصافِحُنا؟ فقال: "إني لا أُصافِحُ النساءَ، ما قَوْلِي لامرأةٍ واحدةٍ إلا كقولي لمائةِ امرأةٍ" (^٢).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الرحيمِ البرقيُّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبي سلمةَ، عن زهيرٍ، عن موسى بنِ عقبةَ، عن محمدِ بنِ المنكدرِ، عن أميمةَ بنتِ رُقيقةَ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ بنحوِه (^٣).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾: والمعروفُ: ما اشْتَرط عليهن في البيعةِ أن يَتَّبِعْنَ أمرَه.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾. فقال: إن رسولَ اللَّهِ ﷺ نبيُّه وخِيرتُه مِن خلقِه، ثم لم
_________________
(١) سقط من: ص، ت ١، ت ٣.
(٢) أخرجه النسائي (٤١٩٢) عن محمد بن بشار به، وأخرجه أحمد ٦/ ٣٥٧ (الميمنية) من طريق عبد الرحمن به.
(٣) أخرجه سنيد - كما في التمهيد ١٢/ ٢٤٠ - والطبراني ٢٤/ ١٨٨ (٤٧٥) من طريق موسى بن عقبة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٩ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.
[ ٢٢ / ٦٠٠ ]
يَسْتَحِلَّ له أمورَ أمرٍ إلا بشرطٍ، لم يَقُلْ: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ﴾. ويتركَ، حتى قال: ﴿فِي مَعْرُوفٍ﴾. فكيف يَنْبَغِي لأحدٍ أن يُطاعَ في غيرِ معروفٍ، وقد اشْتَرط اللَّهُ هذا على نبيِّه؟ قال: فالمعروفُ كلُّ معروفٍ أمَرهن به في الأمورِ كلِّها، ويَنْبَغي لهن ألا يَعْصِينَ (^١).
حدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ القَزَّازُ، [ثنا إسحاقُ بنُ إدريسَ، ثنا إسحاقُ بنُ عثمانَ أبو (^٢) يعقوبَ] (^٣)، قال: ثنى إسماعيلُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ عطيةَ، عن جَدَّتِه أمِّ عطيةَ، قالت: لما قدِم رسولُ اللَّهِ ﷺ المدينةَ، جمَع بينَ نساءِ الأنصارِ في بيتٍ، ثم أرْسَل إلينا عمرَ بنَ الخطابِ، فقام على البابِ فسلَّم علينا، فردَدْنَ، أو: فردَدْنا عليه، ثم قال: أنا رسولُ رسولِ اللَّهِ ﷺ إليكن. قالت: فقلنا: مرحبًا برسولِ اللَّهِ ﷺ، وبرسولِ رسولِ اللَّهِ. فقال: تُبايِعْنَ على ألا تُشْرِكْنَ باللَّهِ شيئًا، ولا تَسْرِقْنَ، ولا تَزْنِينَ؟ قالت: قلنا: نعم. قال: فمدَّ يدَه مِن خارجِ البابِ أو البيتِ، ومدَدْنا أيديَنا مِن داخلِ البيتِ، ثم قال: اللهمَّ اشْهَدْ. قالت: وأَمَرَنا في العيدين أن نُخْرِجَ فيه الحُيَّضَ والعَواتِقَ، ولا جمعةَ علينا، ونهانا عن اتِّباعِ الجنازةِ. قال إسماعيلُ: فسأَلْتُ جدتي عن قولِ اللَّهِ: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾. قالت: النياحةُ (^٤).
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الرحيمِ البَرْقيُّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبي سلمةَ، عن زهيرٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾. قال: لا يَخْلُو الرجلُ بامرأةٍ.
وقولُه: ﴿فَبَايِعْهُنَّ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: إذا جاءك المؤمناتُ يُبايِعْنك على
_________________
(١) ينظر تفسير ابن كثير ٨/ ١٢٧.
(٢) في م: "بن". وينظر تهذيب الكمال ٢/ ٤٥٩.
(٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٤) أخرجه ابن سعد ٨/ ٧، وابن أبي شيبة ٣/ ٣٩٠، وأحمد ٦/ ٤٠٨ (الميمنية)، وأبو داود (١١٣٩)، والبزار (٢٥٢)، وأبو يعلى (٢٢٦)، وابن حبان (٣٠٤١)، والبيهقي ٣/ ١٨٤، وفي الشعب (٩٣١٧) وغيرهم من طريق إسحاق بن عثمان أبي يعقوب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٩ إلى عبد بن حميد وابن مردويه.
[ ٢٢ / ٦٠١ ]
هذه الشروطِ، فبايِعْهن، ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ﴾. يقولُ: سَلْ لهن اللَّهَ أن يَصْفَحَ عن ذنوبِهن، ويَسْتُرَها عليهن، بعفوِه لهن عنها. ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. يقولُ: إن اللَّهَ ذو سترٍ على ذنوبِ مَن تاب إليه من ذنوبِه، أن يُعَذِّبَه عليها بعدَ توبتِه منها.