يقولُ تعالى ذكرُه: ما قَطَعتم مِن ألوانِ النَّخْلِ، أو تَرَكْتُموها قائمةً على أصولِها.
اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى اللِّينَةِ؛ فقال بعضُهم: هي جميعُ أنواعِ النَّخْلِ سوى العَجْوَةِ
_________________
(١) أخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٥٥٣، والبيهقي في دلائل النبوة ٣/ ٣٥٩، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٨٨ إلى ابن مردويه.
(٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٨٥، كما ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٦٩ بنحوه.
[ ٢٢ / ٥٠٦ ]
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن عكرمةَ: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾. قال: النَّخْلةُ (^١).
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾. قال: اللِّينَةُ ما دونَ العَجْوةِ مِن النَّخْلِ (^٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن يزيدَ بنِ رُومانَ في قولِه: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾. قال: اللِّينَةُ ما خالَف العَجْوةَ مِن التَّمْرِ.
وحدَّثنا به مرَّةً أُخْرى فقال: مِن النَّخْلِ (^٣).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾. قال: النَّخْلُ كلُّه ما خلا العَجْوةَ (^٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾: واللَّينَةُ ما خلا العَجْوةَ مِن النَّخْلِ (^٤).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزُّهريِّ: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾: ألوانِ النَّخْلِ كلِّها إلا العَجْوةَ (^٥).
_________________
(١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩١ إلى عبد بن حميد.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ٣٩٣ من طريق داود به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩١ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) سيرة ابن هشام ٢/ ١٩٣.
(٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٨٣ عن معمر عن قتادة، وذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٧١.
(٥) أخرجه البيهقي في الدلائل ٣/ ١٧٧ من طريق عقيل عن الزهري، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
[ ٢٢ / ٥٠٧ ]
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، قال: ثنا سفيانُ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾. قال: النَّخْلَةِ دونَ العَجْوةِ (^١).
وقال آخرون: النَّخْلُ كلُّه لِينَةٌ؛ العَجْوةُ منه وغيرُ العَجْوةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾. قال: النَّخْلَةُ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾. قال: نَخْلَةٍ. قال: نهَى بعضُ المهاجرين بعضًا عن قَطْعِ النَّخْلِ، وقالوا: إنما هي مَغانمُ المسلمين. ونزَل القرآنُ بتصديقِ مَن نَهى عن قَطْعِه وتحليلِ مَن قطَعه مِن الإثمِ، وإنما قَطْعُه وتَرْكُه بإذنِه (^٢).
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ أبي بُكَيْرٍ، قال: ثنا شريكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بنِ ميمونٍ: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾. قال: النَّخْلَةِ (^٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾. قال: اللِّينةُ النَّخْلةُ؛ عجوةً كانت أو غيرَها، قال اللَّهُ: ﴿مَا
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ٣٩٣ من طريق سماك عن داود به، بلفظ: "وهى النخلة"، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩١ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر بلفظ: "وهي النخلة".
(٢) تفسير مجاهد ص ٦٥٢، ومن طريقه البيهقي في الدلائل ٣/ ١٨٥.
(٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩١ إلى عبد بن حميد.
[ ٢٢ / ٥٠٨ ]
قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ للنخلِ (^١) الذي قطَعوا مِن نَخْلِ النَّضيرِ حينَ غَدَرت النَّضِيرُ (^٢).
وقال آخرون: هي لَونٌ مِن النَّخْلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾. قال: اللِّينَةُ لَونٌ مِن النَّخْلِ (^٣).
وقال آخرون: هي كِرامُ النَّخْلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، قال: ثنا سفيانُ في: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾. قال: من كِرامِ نَخْلِهم (^٤).
والصوابُ مِن القولِ في ذلك قولُ مَن قال: اللِّينَةُ: النَّخْلَةُ. وهي (^٥) مِن ألوانِ النَّخْلِ ما لم تَكنْ عَجْوةً، وإيَّاها عنَى ذو الرُّمَّةِ بقولِه (^٦):
طِراقُ الخَوافي واقعٌ فوقَ لِينَةٍ (^٧) … نَدَى لَيلِهِ فِي رِيشِهِ يَتَرَقْرَقُ
_________________
(١) في م: "قال"، وفي ت ٢: "للنخلة".
(٢) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٨/ ٢٤٤.
(٣) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٧٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩١ إلى المصنف.
(٤) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٧٢، والقرطبي في تفسيره ١٨/ ٩، وأبو حيان في البحر المحيط ٨/ ٢٤٤.
(٥) في م: "هن".
(٦) تقدم البيت في ١٧/ ٦٠٧.
(٧) في الديوان، وفيما تقدم: "ريعة".
[ ٢٢ / ٥٠٩ ]
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ مِن أهلِ البصرةِ يقولُ: اللِّينةُ مِن اللَّوْنِ، واللِّيانُ في الجماعةِ واحدُها اللِّينَةُ. قال: وإنما سُمِّيت لِينَةً لأنه فِعْلَةٌ (^١) مِن فَعْلٍ، وهو اللَّونُ وهو ضَرْبٌ مِن النَّخْلِ، ولكن لمَّا انكسَر ما قبلَها انقلَبت إلى الياءِ. وكان بعضُهم يُنكِرُ هذا القولَ ويقولُ: لو كان كما قال لجمَعوه: اللِّوانُ لا اللِّيانُ.
وكان بعضُ نحويِّي الكوفةِ يقولُ: جَمْعُ اللِّينَةِ لِينٌ.
وإنما أُنزِلت هذه الآيةُ فيما ذُكر مِن أجْلِ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ لما قطَع نخلَ بني النَّضيرِ وحرَّقها، قالت بنو النَّضيرِ لرسولِ اللَّهِ ﷺ: إنك كنتَ تَنْهى عن الفسادِ وتَعِيبُه، فما بالُك تقطَعُ نَحْلَنا وتُحَرِّقُها؟ فأنزَل اللَّهُ هذه الآيةَ، فأخبَرهم أَنَّ ما قَطَع مِن ذلك رسولُ اللَّهِ ﷺ أو ترَك، فعن أَمْرِ اللَّهِ فعَل.
وقال آخرون: بل نزَل ذلك لاختلافٍ كان مِن (^٢) المسلمين في قَطْعِها وتَرْكِها.
ذكرُ مَن قال: نزَل ذلك لقولِ اليهودِ للمسلمين ما قالوا
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: ثنا محمدُ بن إسحاقَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ رُومانَ، قال: لما نزَل رسولُ اللَّهِ ﷺ، يعني ببني النَّضيرِ، تحصَّنوا منه في الحصونِ، فأَمَرَ رسولُ اللَّهِ ﷺ بقَطْعِ النَّخْلِ والتَّحْرِيقِ فيها، فنادَوْه: يا محمدُ، قد كنتَ تَنْهى عن الفسادِ وتَعِيبُه على مَن صنَعه، فما بالُ قَطْعِ النَّخْلِ وتَحْرِيقِها؟ فأنزَل اللَّهُ: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ (^٣).
_________________
(١) في ت ٢، ت ٣: "من فعيلة".
(٢) في ت ٢، ت ٣: "بين".
(٣) ذكره الزيلعي في تخريج الكشاف ٣/ ٤٣٨ عن المصنف، والأثر في سيرة ابن هشام ٢/ ١٩١، وأخرجه البيهقي في الدلائل ٣/ ٣٥٥ من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم.
[ ٢٢ / ٥١٠ ]
ذكرُ مَن قال: نزَل ذلك لاختلافٍ كان بينَ المسلمين في أَمْرِها
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ الآية. أي: لِيَعِظَهم، فقطَع المسلمون يومئذٍ النَّخْلَ، وأمسَك آخرون كراهيةَ أنْ يكونَ فسادًا، فقالت اليهودُ: آللَّهُ أَذِن لكم في الفسادِ؟! فأنزَل اللَّهُ: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ (^١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾. قال: نهَى بعضُ المهاجرين بعضًا عن قَطْعِ النَّخْلِ، وقالوا: إنما هي مغانمُ المسلمين. ونزل القرآنُ بتصديقِ مَن نهَى عن قَطْعِه وتَحليلِ مَن قطَعه من الإثمِ، وإنما قَطْعُه وتَركُه بإذنِه (^٢).
حدَّثنا سليمانُ بنُ عمرَ بنِ خالدٍ البرقيُّ، قال: ثنا ابنُ المباركِ، عن موسى بنِ عقبةَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: قطَع رسولُ اللَّهِ ﷺ نَخْلَ بني النَّضيرِ، وفي ذلك نزَلت: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ الآية. وفي ذلك يقولُ حسانُ بنُ ثابتٍ:
وهانَ على سَراةِ بني لُؤَيٍّ … حَرِيقٌ بالبُوَيْرةِ مُسْتَطِيرُ (^٣)
_________________
(١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩١ إلى عبد بن حميد.
(٢) تفسير مجاهد ص ٦٥٢، ومن طريقه البيهقي في الدلائل ٣/ ١٨٥، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف ٥/ ١٩٨، ١٩٩ بإسناده عن ابن جريج عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٨٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٦٤٢)، ومسلم (١٧٤٦)، والبيهقي ٩/ ٨٣، وفي الدلائل ٣/ ١٨٤ من طريق ابن المبارك به، وأخرجه الشافعي ٢/ ٢٤١ (٤٠٠)، والحميدي (٦٨٥)، وأبو عبيد في الأموال (٢٠)، وأحمد ٨/ ١٢٨ (٤٥٣٢)، والبخاري (٣٠٢١)، والنسائي في الكبرى (٨٦٠٩) من طريق موسى بن عقبة به، وأخرجه الدارمي ٢/ ٢٢٢، وأبو داود (٢٦١٥)، والترمذي (١٥٥٢)، وابن ماجه =
[ ٢٢ / ٥١١ ]
وقولُه: ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾. يقولُ: فبأَمْرِ اللَّهِ قطَعْتم ما قطَعْتم منها (^١)، وتَرَكْتم ما تَرَكْتم، ولِيَغِيظَ بذلك أعداءَه، ولم يكنْ فسادًا.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن يزيدَ بنِ رُومانَ: ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾. أي: فبأَمْرِ اللَّهِ قُطِعَت، ولم يكن فسادًا، ولكن نِقْمَةً مِن اللَّهِ، ولِيُخْزِيَ الفاسقين (^٢).
وقولُه: ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾: ولَيُذِلَّ الخارجين عن طاعةِ اللَّهِ ﷿، المخالفين أمرَه ونهيَه، وهم يهودُ بني النَّضيرِ.