٧ - أن الرزق بيد الله؛ لقوله: ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ﴾، ويترتب على هذا أنه ينبغي للعاقل فضلًا عن المؤمن، ألا يطلب الرزق من أيدي الناس، وإنما يطلبه من الله ﷿.
ولهذا جاءت النصوص بفضيلة العفة عمَّا في أيدي الناس، وكان من جملة ما بايع الصحابة ﵃ عليه رسول الله - ﷺ -، ألا يسألوا الناس شيئًا. فكان سوط أحدهم يسقط من يده وهو على بعيره، فينزل إلى الأرض ليأخذه ولا يقول: ناولني إياه؛ لأنهم بايعوا على أن لا يسألوا الناس شيئًا (^١). وهذا لا شك يجعل الإنسان يلجأ إلى الله ﷾. ولكن لا بأس أن يسأل الإنسان ما يباح له سؤاله، إنما تمام العفة أن لا يسأل الناس شيئًا، بل يجعل الأمر موكولًا إلى الله ﷾.
٨ - أن عطاء الله بلا عوض؛ لقوله: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
٩ - إثبات المشيئة لله ﷿ في قوله: ﴿مَنْ تَشَاءُ﴾.
* * *
• ثم قال الله ﷿: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨].
قوله: ﴿لَا يَتَّخِذِ﴾: لا: ناهية، والفعل بعدها مجزوم، وَكُسِرَ لالتقاء الساكنين. وكلمة (اتخذ) تدل على اصطناع الشيء،
_________________
(١) كما في حديث عوف بن مالك الأشجعي، أخرجه مسلم، كتاب الزكاة، باب كراهة مسألة الناس، رقم (١٠٤٣).
[ ١ / ١٦٨ ]
والركون إليه والالتجاء إليه. مثل قولك: اتخذت هذا صاحبي أي: جعلته واصطنعته واخترته. فالمعنى: لا يختار المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين.
﴿الْكَافِرِينَ﴾: مفعول (اتخذ) الأول. و﴿أَوْلِيَاءَ﴾: مفعول ثانٍ. وقوله: (أولياء) أي: لا ينصروهم، ولا ينتصروا بهم؛ فلا يتولون الكفار، ولا يجعلون الولاية للكفار عليهم. فالنهي عن الأمرين، فإذا كان الأمر في سعة والمؤمنون في قوة، فإنهم لا يجوز لهم أن يتخذوا من الكفار من ينصرهم؛ لأن الكفار مهما كانوا أعداءُ المسلمين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨].
فليس لنا حق أن نستعين بالكفار، إلا إذا دعت الحاجة، فلنا أن ننتصر بهم بأخذ السلاح، وما أشبه ذلك، بل وبالعهد معهم أيضًا؛ فإن النبي - ﷺ - استعار من صفوان بن أمية دروعًا فقال له: أغصبًا يا محمَّد؟ قال: "بل عارية مضمونة" (^١)، فدلَّ هذا على جواز الاستعانة بالمشرك بأخذ سلاحه.
كذلك حالف النبي - ﷺ - خزاعة في صلح الحديبية (^٢)، والناس
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣/ ٤٠١). وأبو داود، كتاب البيوع، باب تضمين العارية، رقم (٣٥٦٢).
(٢) رواه أحمد (١/ ٣٥٣)، وابن أبي شيبة (٨/ ٥١٧)، وابن ماجه، رقم (٣٠٤٥)، والبيهقي في الدلائل (٤/ ١٥١) من طريق ابن إسحاق، وهذا سند حسن وشاهده في الصحيح من حديث المسور ومروان الذي ساقه ابن إسحاق.
[ ١ / ١٦٩ ]
في ذلك الوقت ليسوا على قوة. فيجوز أيضًا أن يحالف المسلمون الكفار إذا دعت الحاجة إلى ذلك؛ لأنه قد يكون هذا من مصلحة المسلمين. فإن المسلمين إذا كانوا ضعفاء تسلط عليهم كفار آخرون، فإذا حالفوا كفارًا أقوياء انتصروا بهم؛ فصار في ذلك مصلحة.
ولكن مع ذلك لا يجوز أن نجعل هذا الانتصار بهم على حساب ديننا؛ يعني: أن نداهنهم ونمكِّنهم من أفعالهم القبيحة في بلادنا، بلاد الإِسلام؛ لأنَّ المداهنة في دين الله حرام.
وأصل النهي عن ولاية الكفار، هو من أجل أن لا يذل الإِسلام بين أيديهم؛ فإذا كان في مثل هذه الأمور مصلحة للمسلمين وقوة، صار ذلك جائزًا. هذا بالنسبة للانتصار بهم.
أما بالنسبة للانتصار لهم فهذا لا يجوز أبدًا. لا يجوز أن ننصر كافرًا على مؤمن بأي حال من الأحوال، ولكن هل يجوز أن ننصر كافرًا على كافر إذا اقتضت المصلحة ذلك؟
نقول: إن المؤمنين فرحوا حين غلبت الروم الفرس، وهم كفار علي كفار؛ كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الروم: ٤ - ٥]. فإذا كان هناك عدو مشترك لنا ولهذهِ الطائفة من الكفار، ونحن نعلم أننا إن لم ننصر الكفار على هذا الكافر غلبه ثم استأصلنا، فحينئذ يكون عونه للحاجة جائزًا؛ لأننا نعينه لا لذاته، ولكن لمصلحة المسلمين، وهذا كله يعود إلى المصلحة. أما لو رأينا كافرًا يطلب منا العون على مسلم، فهذا لا يجوز بأي حال من الأحوال. ولهذا قال: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، يعني: مِنْ سوى
[ ١ / ١٧٠ ]
المؤمنين؛ يعادون المؤمنين، ويوالون الكفار. وجاءت هذه الآية: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. ولم يقل: "لا تتخذوا"؛ لأن الله فرق بين قوله: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وبين ما إذا اتخذ المؤمنون الكافرين أولياء لا من دون المؤمنين، فوجَّه الخطاب إلى المؤمنين مباشرة في الثانية دون الأولى؛ فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٥١]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١]. فخاطبهم خطابًا مباشرًا.
قال بعض العلماء المعاصرين: إن الله لم يخاطب المؤمنين خطابًا مباشرًا؛ لأن هذا أمر مُشين. والأمر المشين تكون المخاطبة المباشرة فيه صدمة عظيمة، ولهذا قال الله تعالى لرسوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس: ١ - ٢]، ولم يقل: عَبِست.
وهذا القول أول ما يطالعه الإنسان يظنه جيدًا؛ لكن يشكل على هذا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٤٤] فهنا واجههم بالخطاب مباشرة، مع أنه قال: ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وعلى هذا فيكون التوجيه الذي ذكره بعض المعاصرين فيه نظر. ونقول: إن الله عبَّر بصيغة الغائب هنا: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ دون الخطاب، لبلاغة يعلمها الله ﷿، قد نعلمها وقد لا نعلمها.
ثم قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾، المشار إليه: الاتخاذ، وعادت
[ ١ / ١٧١ ]
الإشارة هنا على المفهوم من الفعل؛ لأن الفعل يدل على حدث وفاعله. فعاد الضمير هنا على الاتخاذ المفهوم من ﴿يَتَّخِذِ﴾، مثل قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]، فعاد الضمير إلى العدل المفهوم من كلمة ﴿اعْدِلُوا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾:
أي: يتخذهم أولياء من دون المؤمنين ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ يعني: فالله بريء منه؛ لأن الله تعالى لا يرضى أن يتولى أحدٌ من المؤمنين أحدًا من الكافرين؛ لأن الكافر عدو لله بل هو عدو لك أيضًا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١]، مهما كان، فإن الكافر لا يمكن أن يضمر لك المحبة أو الولاية أبدًا، ولا يمكن أبدًا أن يناصرك إلا لمصلحته هو؛ لأنه عدو، والعدو لا يمكن أن يريد منفعة عدوه.
ثم قال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾:
و﴿إِلَّا﴾: هنا حرف استثناء. والصواب أنه منقطع، بل يتعين؛ لأنه في حال التقاة لا نتخذهم أولياء، ولكن نوافقهم في الظاهر، ونخالفهم في الباطن. والمعنى: أن هؤلاء الكفار لهم سيطرة وقوة وقدرة نخشاهم، فنتقي منهم؛ أي: نتخذ وقاية من بطشهم وتنكيلهم بنا. لكن في الظاهر دون الباطن، ولا يجوز إلا في حال الخوف على النفس لضعف المسلمين وقوة الكفار.
ولابد أن تكون هذه الموالاة في الظاهر، باللسان فقط. أما في الباطن فيجب أن نضمر لهم العداوة والبغضاء وعدم الولاية.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾، في هذا التفات
[ ١ / ١٧٢ ]
من الغيبة إلى الحضور. ولولا الالتفات لقال: "إلا أن يتقوا منهم تقاة".
وقوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾:
﴿وَيُحَذِّرُكُمُ﴾: فيها فعل ومفعول به، ولفظ الجلالة (الله) فاعل. ﴿نَفْسَهُ﴾: مفعول ثانٍ.
﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾: أي: يخوفكم من نفسه ﷿، ويحذركم من عقابه إذا اتخذتموهم أولياء، إلا في الحال التي تكون موالاتهم تقاة، وليس عن قصد واختيار.
﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾: أي: المرجع. والجملة اسمية قُدِّم فيها الخبر لفائدة الحصر؛ يعني: إلى الله لا إلى غيره المصير. والمراد المرجع في جميع الأمور، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [البقرة: ٢١٠].