﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾.
أي مجيبه، والدعاء: هو سؤال العبد ربَّه حاجته إما بجلب منفعة وإما بدفع مضرة.
قال: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾.
وفي قراءة: فناداه الملائكة؛ لأن الملائكة جمع تكسير، وجمع التكسير يجوز فيه التذكير والتأنيث.
ويمكن أن يراد بالملائكة واحد وهو جبريل (ناداه)، وعبر عنه بالجمع باعتبار الجنس؛ لأنه واحد منهم.
وقوله: ﴿وَهُوَ قَائِمٌ﴾.
جملة في محل نصب على الحال، من الضمير: (الهاء) في قوله: (نادته)، وقوله: ﴿يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾، المحراب: مكان الصلاة أو مكان العبادة، وسمي بذلك؛ لأنه مكان حرب الشياطين، فإن العبادة حرب للشياطين كما سبق.
﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾.
﴿أَنَّ﴾ فيها قراءتان: قراءة بالفتح، وقراءة بالكسر، فأما على قراءة الكسر (إن الله). فلأن النداء قول، ومقول القول إذا صُدّر (بإن) يجب فيه كسر إن، كقوله تعالي: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: ٣٠]. وأما على قراءة الفتح فهي على تقدير حرف الجر: (فنادته الملائكة بأن الله يبشرك)، ببشري الله تعالي بهذا الابن (يحيى).
أيضًا في قوله تعالى: ﴿يُبَشِّرُكَ﴾ قراءتان: يبْشُرُك، يُبَشِّرُك. وكلاهما سبعيتان. والبشارة هي الإخبار بما يسر، وسميت بذلك لتأثر البشرة بالخبر؛ لأن الإنسان إذا بُشِّر بما يسره يفرح ويظهر
[ ١ / ٢٣٣ ]
ذلك على وجهه، ألم تر إلى وجه النبي - ﷺ - حين دخل مجزز المدلجي على أسامة بن زيد وزيد بن حارثة وعليهما كساء لم يبد منه إلا أقدامهما، فنظر إلى أقدامهما وقال: ان هذه الأقدام بعضها من بعض، فدخل النبي ﵊ على عائشة تبرق أسارير وجهه، تأثر بالخبر السار (^١). ولهذا الإخبار بما يسوء بشرى؛ لأن البشرة تتأثر بذلك، ومنه قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤]، وقوله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٣٨].
قال الله تعالى: ﴿بِيَحْيَى﴾.
(بيحيى) هذا المبشر به، ويحيى: قيل إنه من الحياة والله سماه بذلك إشارة إلى أنه سيحيا ويبقى، وعلى هذا فهو ممنوع من الصرف للعلمية ووزن الفعل.
وقوله: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا﴾.
﴿مُصَدِّقًا﴾: حال من يحيى. ﴿بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾: هو عيسى ابن مريم يعني مصدقًا بعيسى؛ لأن عيسى كلمة من الله، وسمي بذلك لأنه كان بكلمة الله ولم يكن من أب كما يكون البشر، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]. خلقه: أي آدم من تراب، ثم قال له: كن فيكون، ولهذا سمي عيسى بالكلمة؛ لأنه كان بكلمة الله وليس هو كلمةَ الله؛ لأن كلمة الله وصف لله ﷿، فالكلام وصف للموصوف، ولا يمكن أن يكون
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب المناقب، باب صفة النبي - ﷺ -، رقم (٣٥٥٥). ورواه مسلم، كتاب الرضاع، باب العمل بإلحاق القائف الولد، رقم (١٤٥٩).
[ ١ / ٢٣٤ ]
وصف الله عينًا بائنة منه (^١).
وقوله: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾، بيان لابتداء الأمر وليست للتبعيض، فالكلمة هنا ليست بعضًا من الله بل منشؤها منه.
﴿وَسَيِّدًا﴾ معطوفة على ﴿مُصَدِّقًا﴾ فتكون منصوبة على الحال، والسيد مَنْ ساد غيره وشرف عَليه بالعلم والدين والخلُق والمعاملة، وقولنا الخلق: يشمل كل خلق يسود به الإنسان غيره من الجود والشجاعة والإيثار وغير ذلك، فيكون جامعا لصفات الكمال الممكنة في المخلوق. وكذلك أيضًا قال في وصفه ﴿وَحَصُورًا﴾ حصورًا معطوفة على ﴿مُصَدِّقًا﴾ فهي منصوبة على الحال، (حصورًا) فعول بمعنى فاعل أي حاصرًا نفسه عن أراذل الأخلاق، فيكون هذا المبشر به موصوفًا بصفات الكمال الدال عليها قوله: ﴿سَيِّدًا﴾ ومبرَّأً من النقص وسوء الأخلاق الدال عليه قوله: (حصورًا)، فيكون جمع له بين النفي والإثبات، وذلك لأن الإنسان لا يكمل إلا بوجود صفات الكمال وانتفاء صفات النقص، وهو أمر نسبي.
وأما من قال من المفسرين: إن الحصور هو الممنوع عن إتيان النساء يعني لا يستطيع على النساء؛ فإن في هذا نظرًا واضحًا؛ لأن عدم قدرة الإنسان علي النساء ليس كمالًا إذ إن ذلك ليس منه بتخلق ولكنه عيب. وفيها قول آخر: أنه لا يأتي من النساء من لا تحل له فيكون وصفًا له بكمال العفة، وهذا يمدح عليه الإنسان. لكن ما قلناه أشمل من هذا القول. ومعلوم أنه إذا وجد معنى أشمل فهو مقدم على المعنى الأقل؛ لأن الأقل داخل في الأشمل لا العكس.
_________________
(١) انظر كتاب: القول المفيد على كتاب التوحيد ١/ ٧٣.
[ ١ / ٢٣٥ ]
﴿وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
هذه معطوفة أيضًا على ﴿مُصَدِّقًا﴾، فهو مصدق ونبي، ولا يلزم من تصديقه بعيسى أن يكون تابعًا له، فهاهو محمد ﵊ مصدق بجميع الأنبياء وهم يتبعونه ولا يتبعهم، ولهذا قال النبي ﵊: "لو كان أخي موسى حيًّا ما وسعه إلا اتِّباعي" (^١)، ولهذا صار إمامًا لهم ليلة المعراج، وإذا نزل عيسى في آخر الزمان يحكم بشريعة النبي ﵊. المهم أن تصديقه لعيسى ابن مريم لا ينافي أن يكون نبيًّا، فهو نبي مصدق بالأنبياء، ولهذا قال: ﴿وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، وقوله: ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي: من جملتهم، وإنما قلنا ذلك لأن النبوة وصف أعلى من الصلاح، لكن هو في جملة الصالحين، فالنبوة صلاح وزيادة. والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩]، فالصالحون في المرتبة الرابعة.