النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب: ٧].
وقوله: ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾، هذا وصف ثالث، أنه من المقربين إلى الله ﷿ في الدنيا والآخرة؛ لأن المقرب يكون مقربًا في الدنيا ويكون كذلك مقربًا في الآخرة، فعيسى ابن مريم ﵊ كان وجيهًا في الدنيا والآخرة، وكان من المقربين إلى الله ﷿. وهل هذا الوصف حاصل لغيره من الأنبياء؟ الجواب: نعم، أولو العزم من الرسل لا شك أن لهم وجاهة في الدنيا والآخرة وأنهم مقربون إلى الله.
* * *
• ثم قال تعالى: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٤٦ - ٤٩].
قوله: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾.
الواو حرف عطف، والجملة معطوفة على ما سبق ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ أي: في حال الصغر، وأصل المهد أو المهاد الفراش يوضع للإنسان فيطؤه ويستريح عليه، وقوله: ﴿فِي الْمَهْدِ﴾ أي: في الفراش وهو صغير، وهذا من آيات الله ﷿؛ لأن
[ ١ / ٢٦٩ ]
العادة التي أجرى الله ﷾ البشر عليها أن لا يتكلم أحد إلا في سن معين، أما في المهد فلم يتكلم إلا ثلاثة، منهم المسيح عيسى ابن مريم، وتكلم بكلام من أبلغ الكلام لما جاءت به قومها تحمله: ﴿قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ٢٧ - ٣٣]، كلام من أفصح الكلام وأعظمه، وهو في المهد، وهذا من آيات الله ﷿ الدالة على قدرته، ولهذا كانت آيات عيسى كلها تدور حول هذا الأمر حول خوارق العادات في الأمور الكونية؛ فهو نفسه آية خُلِقَ بلا أب، وكلم الناس في المهد، وهذا من الآيات، يصنع من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرًا، ويبرئ الأكمه والأبرص ولا أحد يبرئهما من الأطباء، ويحيي الموتى ويخرجهم من القبور، قال أهل العلم: لأنه بعث في زمن ترقَّى فيه الطب ترقيًا عظيمًا، فجاء بآيات من جنس الآيات التي فيها إعجازهم، ومن جنس الأعمال التي يعملونها؛ ليكون ذلك أبلغ في الإعجاز، كما جاء موسى ﵊ بالعصا واليد التي تبطل سحر السحرة، وكان السحر في وقته قد زاد وانتشر، وكما أتى محمد - ﷺ - بكلام هو أبلغ الكلام وأفصحه لانتشار الفصاحة في زمنه وعهده، حتى يعجز هؤلاء البلغاء ويتبين أنه ليس من كلام البشر.
[ ١ / ٢٧٠ ]
قال: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾.
يعني ويكلمهم وهو كهل من الحادية والثلاثين إلى الأربعين، وفي هذه الحال ليس غريبًا أن يكلم الناس، ولكنه أتى بها لفائدة، وهي أن كلامه في المهد ككلامه وهو كهل؛ يعني ليس ككلام الصبي الذي يتكلم في المهد كلام أطفال، بل كلامه فصيح من أبلغ الكلام كما يتكلم به وهو كهل.
قال: ﴿وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
وهو من الصالحين، وسبق لنا أن الصالح من صلحت سريرته وعلانيته، يعني ظاهره وباطنه، باطنه: بالإخلاص لله والطهارة من كل شرك ونفاق وشك وأحقاد وبغضاء للمؤمنين وما أشبه ذلك.
وظاهره: بالمتابعة للرسول ﵊ وعدم الابتداع، فهو ﵊ من الصالحين الذين صلحت ظواهرهم وبواطنهم، وإن شئت فقل: سرائرهم وعلانيتهم.
﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾.
﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ﴾ هي الآن تخاطب الله، والذي كان يخاطبها الملائكة أو جبريل، لكنها لما قالوا إن الله يبشرك وعلمت أن الأمر من الله وجهت الخطاب إليه ﷾ فقالت: ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾، وتأمَّل هذا الاستعطاف منها حيث قالت: ﴿رَبِّ﴾ ومعلوم أن كلمة رب هنا مضافة إلى ياء المتكلم التي حذفت للتخفيف وأصلها (ربِّي أنَّى يكون لي ولد).
وقولها: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾ هذا استفهام يعني: من أين يكون لي الولد ولم يمسسني بشر، وهذا الاستفهام ليس على
[ ١ / ٢٧١ ]
سبيل الشك، وليس على سبيل الاستبعاد، ولكنه على سبيل الاستثبات وزيادة الطمأنينة كقول إبراهيم: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠]، ولم يكن ذلك عن شك.
وقوله: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ الجملة حالية؛ يعني والحال أنه لم يمسسني بشر، أي: لم يجامعني؛ لأن المس يطلق على الجماع؛ ويكنى به عنه كما قال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، أي: تجامعوهن، ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾، فمن أين يكون الولد؟
﴿قَالَ كَذَلِكِ﴾، قال الله ﷿ لأنها نادت الله ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾ ﴿. . . قَالَ كَذَلِكِ﴾، يعني الأمر كذلك، فالجار والمجرور خبر لمبتدأ محذوف تقديره (الأمر) وعلى هذا فيحسن الوقوف هنا، أي يحسن أن تقف فتقول: كذلك، ثم تبتدئ فتقول: ﴿اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾، وهذا التركيب له نظائر في القرآن، مثل قوله: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان: ٥٤]، وإنما تأتي هذه الصيغة للتقرير والتثبيت، يعني الأمر مثلما وقع تمامًا.
وقوله ﷾: ﴿اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾.
﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ، وجملة يخلق خبر؛ أي: أن الله سبحانه يخلق ما يشاء سواء كان على وفق العادة أو على خلاف العادة، فعيسى ﵊ جاء على خلاف العادة، لكن مثله عند الله كمثل آدم خلقه من تراب -أي خلق آدم من تراب- ثم قال له كن فيكون، فالله على كل شيء قدير.
وقد ذكر أهل العلم أن البشر منهم من خلق بلا أم ولا
[ ١ / ٢٧٢ ]
أب، ومنهم من خلق من أم بلا أب، ومنهم من خلق من أب بلا أم، وأكثر الخلق من أم وأب.
فالذي خلق من غير أم ولا أب (آدم)، ومن أب بلا أم (حواء) امرأة آدم، ومن أم بلا أب (عيسى) وسائر الناس من أب وأم.
﴿اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾، أي: الذى يشاء كمًّا وكيفًا وعلى سبب معلوم وعلى سبب غير معلوم، فالله سبحانه لا معقب لحكمه، يخلق ما يشاء، قلنا: بالكمية والكيفية والسبب المعلوم والسبب غير المعلوم وأيضًا النوعية؛ والنوعية ما أكثر أنواع الخلق لا يحصيها الإنسان فضلًا عن أفرادها، وما أكثر الخلق، لو أردت أن تحصي الخلائق ما استطعت، والله تعالى قد أحصاهم ورزقهم وأمدهم وأعدَّ كل مخلوق لما خُلق له، قال فرعون: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٤٩، ٥٠]، كل شيء أعطاه الله خلقه المناسب له ثم هداه لما خلق له. انظر أحيانًا تفتش الكتاب للمراجعة فتجد فيه حيوانًا لا يدركه البصر إلا بكلفة! مَنْ خلقه؟ الله، ومَنْ أعده للرزق؟ الله. ومن أمده برزقه المناسب له؟ هو الله ﷿، فما بالك بالخلق الكثير الذي هو أكبر من هذا بكثير؟ ! فالحاصل أن الله يخلق ما يشاء كمًّا وكيفًا ونوعًا، وبسبب معتاد وبسبب غير معتاد، لا حَجْرَ على الله ﷿، يخلق ما يشاء ويفعل ما يشاء.
﴿قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
﴿إِذَا قَضَى﴾، قضى: أي قضاءً كونيًا؛ لأن القضاء له معنيان
[ ١ / ٢٧٣ ]
كوني وشرعي، فمن أمثلة الشرعي قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، ومن أمثلة الكوني قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٤]، قضينا شرعًا أو كونًا؟ الجواب: كونًا، ولا يصح شرعًا؛ لأن الله لا يقضي شرعًا بالفساد أبدًا، فهو لا يحب الفساد لكنه قضاء كوني.
والفرق بين القضاءين الكوني والشرعي:
القضاء الشرعي:
١ - أن القضاء الشرعي متعلق بما يحبه الله من فعل المأمور أو ترك المحظور.
٢ - القضاء الشرعي قد يقع وقد لا يقع، قد يقع من المقضي عليه وقد لا يقع.
القضاء الكوني:
١ - القضاء الكوني يتعلق فيما أحبه الله وفيما لا يحبه الله.
٢ - القضاء الكوني لابد أن يقع من المقضي عليه.
فصار الفرق أول شيء وجهين، وعندما نذكر الشيء وضده تكون أربعًا.
ومن أمثلة القضاء الكوني: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ [سبأ: ١٤]. وقوله تعالى: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [هود: ٤٤].
أما قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ [غافر: ٢٠] فهو شامل للكوني والشرعي. حتى الكوني الذي يقضيه الله وإن كان شرًّا لكنه في المفعولات، أما في نفس القضاء فهو حق.
[ ١ / ٢٧٤ ]
يقول الله ﷿: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ "أمرًا" مفرد جمعه أمور أم أوامر؟ .
الجواب: أمور؛ لأن المراد بالأمر هنا الشأن يعني: إذا قضى شأنًا -أي شأن من الشؤون- فإنما يقول له كن فيكون، لا يحتاج إلى عمل ولا إلى آلات ولا إلى أي سبب، كل الخلائق مسلمة لله ﷿: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ٨٣]، تنتظر الأوامر، إذا صدر الأمر من الله ﷿ كان المأمور.
الأمر الكوني: يقول كن فقط فيكون. قال الله تعالى عن البعث؛ بعث الخلائق كلها: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٣ - ١٤]، وبيَّن الله تعالى في سورة القمر كيف هذا الأمر هل يكرر؟ هل يتأخر المأمور؟ فقال: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾ [القمر: ٥٠]، لا يوجد تكرار -واحدة- ولا يتأخر المأمور ﴿كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠]، يعني لو شاء ربنا ﷿ لأمر هذه الأرض أن تزول ومن فيها بلحظة ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ هذه القدرة التامة العظيمة التي لا تنسب قُدرة الخلق إليها. ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، الفاء هذه تفيد الترتيب وإن شئت فقل: تفيد السببية، فإن قلت: إنها تفيد السببية فاقرأها بالنصب، وإن قلت: إنها تفيد الترتيب فاقرأها بالرفع، وكلتا القراءتين سبعية صحيحة (أن يقول له كن فيكونَ)، ﴿أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، فعلى قراءة الرفع تكون استئنافية، والفاء عاطفة تفيد الترتيب والتعقيب (كن فهو يكونُ) في الحال، وعلى قراءة النصب تكون الفاء للسببية، فكأن الكون مسبب عن
[ ١ / ٢٧٥ ]
القول، ومعلوم أن المسبب يأتي مقارنًا للسبب .. على قراءة النصب (كن) سبب، و(فيكون) مسبب، ومن المعلوم أن المسبب يأتي عقب السبب فورًا؛ لأنه سببه، والسبب مقارن للمسبب، وعلى هذا فتكون كل من القراءتين مفيدة لمعنى غير المعنى الثاني، لكنهما متلازمان.
هنا مسألة: إذا قال الله: ﴿كُنْ﴾ فهل يقول: ﴿كُنْ﴾ فقط فيقع الشيء على مراد الله، أو لابد أن يقول كن ويبين ما يكون؟ لننظر في حديث القلم، لما خلق الله القلم قال له: اكتب. هل كتب أم لم يكتب؟ لم يكتب، بل قال: ربِّ وماذا أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة (^١)، فالظاهر -والله أعلم- أن الشيء إذا قال الله له كن فلابد أن يعين ماذا يكون، بدليل حديث القلم، ولكنه إذا عين ما يكون فلابد أن يكون الشيء على ما عيِّن، فالقلم لا يعلم الغيب، لكن لما قال له الرب ﷿: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة فكتب، يعني أن الله أعلمه فكتب. فهذا هو الظاهر، وإذا كان الله ﷿ إذا أمر فقال كن كان على مراد الله، فليس هذا بغريب على قدرة الله، إن الله تعالى يجعل هذا الشيء يخضع لأمر الله الذي أراده ﷿، وإن كان لم يطلعه عليه، لكن الذي يترجح عندي بناءً على حديث القلم أن الله ﷿ يأمره أن يكون ويبين ما يكون عليه.
﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾.
_________________
(١) رواه الترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾، رقم (٣٣١٩). ورواه أحمد، في مسنده، رقم (٢٢١٩٧).
[ ١ / ٢٧٦ ]
﴿وَيُعَلِّمُهُ﴾: الضمير يعود على عيسى، والفاعل هو الله ﷿ يعلمه الكتاب؛ لأن عيسى كغيره من البشر لا يعلم إلا ما علمه الله، قال الله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧].
و﴿الْكِتَابَ﴾ بمعنى المكتوب، وهل المراد أنه يعلمه الكتابة، يعني يحسن الخط، أو المراد أنه يعلمه الكتب السابقة؟
الجواب: كلاهما لا يتنافيان، علمه الكتابة فكتب، وعلّمه الكتب السابقة وعلّمه التوراة والإنجيل، والتوراة من باب عطف الخاص على العام لشرفه، وأما الإنجيل فإنه لم ينزل على أحد قبل عيسى.
وقوله: ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ يعني الشريعة؛ لأن الشريعة من الله، وكل ما كان من الله فهو متضمن للحكمة، قال الله تعالى لنبينا محمد - ﷺ -: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]، فالحكمة: هي الشرع، وهو موافق لمن فسر ذلك بالسنة؛ لأن سنة النبي - ﷺ - هي شرعه الذي جاء به من الله، فعلمه الله ﷿ الحكمة، و(ال) في (الحكمة) للعهد الذهني، يعني الشرع الذي شرعه الله لعيسى وليس كل الحكمة بل الحكمة التي شرعت له.
﴿وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾.
التوراة: الكتاب الذي أنزله الله على موسى، والإنجيل الكتاب الذي أنزله الله على عيسى، التوراة كتبها الله تعالى كتابة ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾
[ ١ / ٢٧٧ ]
[الأعراف: ١٤٥]، ولهذا قال أهل العلم من علماء السلف: إن الله تعالى غرس جنة عدن بيده، وخلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده ﷾، ونزلت ألواحًا على موسى وفيها ما تقتضيه المصلحة والحاجة والضرورة في ذلك الوقت.
وأما الإنجيل: فهو الكتاب الذي أنزله الله تعالى على عيسى، وهو بالنسبة للتوراة كالمكمل لها كما قال تعالى فيما يأتي من الآيات: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠]، فهو كالمتمم للتوراة؛ لأنه في الحقيقة نزل على بني إسرائيل الذين أنزلت عليهم التوراة؛ ومن المعلوم أن حال بني إسرائيل تغيرت من وقت موسى إلى عيسى، فكان في الإنجيل أشياء فيها تعديل أو زيادة، فهو متمم للتوراة.
ثم قال: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
﴿وَرَسُولًا﴾: الواو حرف عطف، (ورسولًا) منصوب بفعل محذوف تقديره (ويرسله رسولًا) ولا يصح أن يكون معطوفًا على ما قبله، أي: ويرسله رسولًا إلى بني إسرائيل وهم أبناء يعقوب الاثنى عشر، والرسول: هو الذي أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه، فإن لم يؤمر بتبليغه فهو نبي. هذا هو المشهور عند عامة العلماء ﵏، وقيل: إن النبي لم يوحَ إليه بشرع وإنما كان مؤيدًا لشريعة قبله، يعني يوحى إليه بتأييد الشريعة التي قبله، فكانت الأنبياء فيما سبق كالعلماء في هذه الأمة، وهذا وإن كان له وجه كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٤٤]، لكن هذا القول يعكر عليه قضية آدم، فإن آدم نبي ومع ذلك لم يكن مجددًا لشريعة
[ ١ / ٢٧٨ ]
سابقة، إذ لم تنزل شريعة على البشر قبل آدم ﵊، فلهذا يترجح تعريف الجمهور في النبي والرسول. وإذا قلنا: إن النبي من أوحي إليه بشرع فلا يمنع أن يكون هذا الشرع الذي أوحي إلى النبي هو شرع من قبله يوحى إليه تأكيدًا وتثبيتًا.
فإن قال قائل: ورد في صحيح مسلم: "إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقًّا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شرّ ما يعلمه لهم" (^١)، فهل يدل ذلك على أن النبي يبين لأمته ما يبينه الرسول، وعليه فلا فرق بين النبى والرسول؟ .
الجواب: لا يدل؛ لأن هذا الحديث إن قلنا إنه يبين بأمر الله فهو رسول، وإن قلنا يبين تطوعًا من غير أن يلزم بذلك لكن لمحبته الخير فهو نبي، مع أن المراد بهذا الحديث الذي ذكرته أن النبي الذي هو الرسول، ولهذا يذكر الله كثيرًا النبيين دون الرسل، ويذكر الرسل دون النبيين، ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥]. وفي آية أخرى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣].
قال: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (بنى إسرائيل)، وهل هذه اسم قبيلة أو اسم أشخاص معينين؟
الجواب: أنه اسم قبيلة، كما يقال: بنو تميم، والعلماء -﵏- يفرقون بين ابن وبني إذا كان اسمًا لقبيلة أو اسمًا لشخص معين. وذكروا ذلك في باب الوقف وفرَّعوا عليه مسائل؛ فإذا قلت: هذا وقف على بني فلان وهم قبيلة كبني تميم مثلًا،
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول، رقم (١٨٤٤).
[ ١ / ٢٧٩ ]
فهل يعم الجميع؟ وهل يشمل الذكور والإناث؟ قالوا: نعم. يعم الجميع ويشمل الذكور والإناث، ولكن لا يجب التعميم. فيجوز أن يوزع هذا الوقف على ثلاثة من بني تميم فقط، ويجوز أن يعطى ثلاثة نساء فقط؛ لأنه لا يختص بالرجال بل يشمل الذكور والإناث، ولأنه لا يستلزم التعميم. أما لو قلت: هذا وقف على بني فلان، (واحد معين من الناس) فإنه يجب للذكور دون الإناث؛ لأن الابن غير البنت؛ ولأن بني فلان المعين يمكن حصرهم فيجب تعميمهم، والتساوي بينهم وإخراج النساء منهم. فبنو إسرائيل من أي الصنفين؟ الجواب: من الأول، من القبيلة. وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وهم بنو عم لبني إسماعيل، ولهذا لما بُعِثَ النبي - ﷺ - في بني عمهم -بني إسماعيل- غارت اليهود من ذلك، وأنكروه وكانوا بالأول يستفتحون على الذين كفروا، ويقولون: سيبعث نبي ونتبعه ونكتسحكم ونغلبكم ظنًّا منهم أنه سيكون من بني إسرائيل وليس ظنًّا حقيقيا، بل هو وَهْمٌ؛ لأنهم يعرفون النبي - ﷺ - كما يعرفون أبناءهم، ويعلمون أنه سيبعث في مكة لكن توهموا ذلك، أوهمتهم أنفسهم الكاذبة، فلما بعث في بني إسماعيل أنكروه وكذبوه. ومعنى إسرائيل في السريانية أو في العبرية: عبد الله، والآن تسمى الدولة اليهودية إسرائيل.
وقوله تعالى: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾.
الله يخلق ما يشاء، عبَّر هنا بالخلق وفي قصة زكريا بالفعل (يفعل)، وهنا قال: (يخلق) فهل هناك نكتة أو أنه اختلاف تعبير؟
[ ١ / ٢٨٠ ]
الجواب: أن هناك نكتة، وهي من وجهين:
الوجه الأول: مما قاله العلماء وهو صحيح أن عيسى ﵊ خلق من غير ما جرت العادة به، خلق على وجه لم تجرِ العادة بمثله إطلاقًا، فناسب التعبير بالخلق الدال على الإبداع، ولهذا يقال: خلق الله السموات ولا يقال: فعل الله السموات، مع أن الخلق فعله لكن الخلق فيه نوع من الإبداع ولذلك قال: (خلق).
الوجه الثاني: الرد على شبه النصارى الذين يقولون: إن عيسى هو الله، والله ثالث ثلاثة، فيكون فيه التصريح بأنه مخلوق، ويكون هذا قطعًا لدابر قولهم فيه، إذن نكتة كونية ونكتة شرعية، يعني حكمة كونية شرعية.
﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾.
فيها قراءتان: قراءة بكسر الهمزة وفتحها، وبفتح الياء مع فتح الهمزة ثلاث قراءات (أَنِّيَ) (أَنِّي) (إِنِّي).
﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، يكون هذا الشيء طيرًا.
وقوله: ﴿أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ أي: كمثله وصورته، فينفخ فيه فيكون طيرًا، وفي قراءة سبعية (فيكون طائرًا بإذن الله)، والقراءتان لكل واحدة منهما معنى يكمل الأخرى، فقوله: (يكون طيرًا) الآية، أي طيرًا حيًّا بعد أن كان على صورة الطير وليس فيه روح، وقوله: (يكون طائرًا) أي: يطير، تشاهدونه يطير بالفعل، فعندنا ثلاث مراتب:
١ - تصوير على هيئة الطير.
٢ - طير فيه روح على قراءة (فيكون طيرًا).
[ ١ / ٢٨١ ]
٣ - طير يطير بالفعل على قراءة (طائرًا). بإذن الله.
وعلى هذا فيكون: يخلق شيئًا على هيئة الطير فينفخ فيه فيكون فيه روح ثم يطير.
وقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، أي: بإذنه الكوني والشرعي؛ لأن كونه يصور مضاهيًا لخلق الله يحتاج إلى إذن شرعي؛ لأن الأصل أنه لا يجوز لأحد أن يصور على تصوير الله ﷿، قال تعالى في الحديث القدسي: "ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي" (^١)، لكن الله تعالى أذن لعيسى ﵊ لحكمة، هذا على تفسير ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، الإذن الشرعي، كذلك الإذن الكوني، يعني بإذن الله الإذن الكوني؛ لأن خلق هذا الطير حتى يطير يكون بإذن الله الكوني، فيطير بإذن الله إذنًا كونيًا، فعيسى ﵊ يخلق كهيئة الطير بإذن الله الشرعي فيكون طيرًا إذا نفخ فيه، ويطير بإذن الله الكوني.
وقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ هذا من أجل تحقيق التوحيد حتى لا يظن ظان أنه يخلق استقلالًا، لأنه لولا هذا التقييد ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ لتوهم النصراني وغير النصراني أن عيسى ﵊ يخلق كما خلق الله آدم من طين على صورته، ثم نفخ فيه الروح فصار بشرًا، فيظن الظان أن عيسى يخلق كخلق الله، فلهذا كان يقول ﵊: بإذن الله.
﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾.
أبرئ: بمعنى أشفي، والبرء في الأصل من البراءة، والبراءة من الشيء السلامة منه، ومنه برأ من دَينه أي سلم من غائلته أي:
_________________
(١) رواه البخارى، كتاب اللباس، باب نقض الصور، رقم (٥٩٥٣).
[ ١ / ٢٨٢ ]
من غائلة الدين وضيق الدين، فالبرء من المرض يعني السلامة والشفاء منه.
وقوله: ﴿الْأَكْمَهَ﴾ الأكمه قيل: إنه الذي لا يبصر ليلًا ويبصر نهارًا، وقيل: هو الذي يبصر ليلًا ولا يبصر نهارًا، وقيل: هو الذي لا يبصر إلا بمشقة، وقيل: الذي وُلد بلا عين. فإن كان الأكمه في اللغة العربية يحتمل هذه المعاني كلها، فهو للمعاني كلها، وإن كان لا يحتمل إلا معنى واحدًا، فأقرب الأقوال في ذلك أن الأكمه من وُلِدَ بلا عين؛ لأن هذا أبلغ في القدرة؛ لأنه كلما كان أبلغ في القدرة كان أعظم في الآية، فنحن نقول: إن كانت اللغة العربية تطلق الأكمه على كل ما قيل فلتكن الآية شاملة، وإن لم تحتمل، إلا معنى واحدًا، فأقربها أن الأكمه من ولد بلا عين؛ لأن هذا أبلغ في القدرة.
﴿وَالْأَبْرَصَ﴾ من به برص، والبرص عيب يخرج في الإنسان من العيوب الجلدية، وهو قد يؤثر على الصحة العامة في البدن وقد لا يؤثر، لكن البرص ليس له دواء، ولهذا قال: أبرئ الأبرص بإذن الله.
وقوله: ﴿وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
أحيي الموتى الذين ماتوا، أحييهم بإذن الله، وليس المراد بالموتى هنا موتى معينين بل هو للجنس، فأي واحد من الأموات يمكن أن يقع عليه هذا الأمر، أما قول من قال: إنه أحيا سام بن نوح أو أحيا فلانًا أو أحيا فلانًا، فهذا من الإسرائيليات، لكن الآية أنه يحيي الموتى، أي ميت يقف عليه وهو ميت يأمره فيحيا بإذن الله.
[ ١ / ٢٨٣ ]
﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾.
(أنبئكم): أي أخبركم بما تأكلونه اليوم وما تدخرونه للغد في بيوتكم من غير أن يأتي أحد يخبره بذلك، وهذا فيه شيء من علم الغيب، فأخبرهم أن من جملة آياته أنه يخبر الإنسان يقول: أكلت اليوم كذا وكذا وكذا، وادخرت لغدٍ أو بعد غدٍ كذا وكذا، مع أنه لم يبعث أحدًا يطَّلع على ما في البيت، وهذا لا يكون إلا بوحي من الله، فإذا لم يكن هناك بشر يطلعه على ما في البيوت، فإنه يكون من وحي الله. وقد يكون بواسطة الجن، فإن الجن ربما تخدم الإنس فتذهب إلى الأمكنة البعيدة أو تتسور الجدران وتخبر بما في البيوت، لكن الجن الذي على هذا الوصف لا يجوز الاستمتاع به أو الاتصال به لماذا؟ لأن إطلاعه على أحوال الناس ظلم وعدوان، ولا يجوز للإنسان أن يستعين بظالم على ظلمه، ولهذا يمتنع هذا التقدير في حقِّ عيسى ﵊، يعني لو قال قائل: إن الذين يستعينون بالجن ربما يطلعون على ما يؤكل ويدخر في البيوت، قلنا: لكن هذا لا يرد بالنسبة إلى عيسى، لأن الاستمتاع بالجن على هذا الوجه محرم لما فيه من العدوان والظلم، وعيسى لا يمكن أن يفعل هذا، فتبين أنه يأتيه عن طريق الوحي، والحكمة من إخبارهم بهذا هي:
١ - إطلاعهم على أنه ﵊ يأتيه الوحي من الله في أمور خاصة في البيوت.
٢ - تحذيرهم -والله أعلم- من أن يأكلوا شيئًا محرمًا عليهم، ولهذا سيأتي أنه قال لهم: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠]، لأنهم إذا كانوا يعلمون أنه يعلم بما يأكلون وما
[ ١ / ٢٨٤ ]
يدخرون في بيوتهم؛ فسوف يتوقفون عن الشيء المحرم، وهم إذا توقفوا عن الشيء المحرم ربما ييسر الله لهم فيحله لهم.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
أي: إن في ذلك المشار إليه ما سبق من عدة أمور قوله: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾، هذه ثلاث آيات كل آية تدل على صدق عيسى ﵊، وأنه رسول الله حقَّا؛ لأن مثل هذا لا يستطيعه البشر، وآيات الأنبياء التي جاءت هى علامات على صدقهم لا يستطيع أن يأتي بمثلها البشر؛ لأن الآية لو أمكن للبشر أن يأتوا بمثلها لم تكن آية، إذ إن كل إنسان يستطيع أن يفعل مثل هذا.
وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. يعنى أنها آية بهذا القيد؛ أي إن كنتم مؤمنين، وأما غير المؤمن فإنه لا ينتفع بالآيات ولا تكون الآية آية له، قال الله تعالى: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]، لأن قلوبهم قاسية مطبوع عليها -والعياذ بالله- لا يصل إليها الخير، ولا تلين من أجل العقوبات والنذر؛ لأنها قاسية، فالمؤمن هو الذى ينتفع بالآيات، بل إن غير المؤمن يرى أن هذه الآيات العظيمة أساطير الأولين ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٥]، وذلك بسبب ما كان على قلبه من ظلمات المعاصي والعياذ بالله؛ لقوله: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤].
والإيمان سبق لنا معناه كثيرًا بأنه التصديق المستلزم للقبول والإذعان، وليس مجرد التصديق، ودليل ذلك أنه لا يتعدى بما
[ ١ / ٢٨٥ ]
يتعدى به التصديق، فإنه لا يقال: آمنته، ويقال: صدقته. بل إنه يتضمن الإقرار والاعتراف والانقياد والتسليم، ومن صدَّق ولم يقبل ولم يذعن فليس بمؤمن، فأبو طالب عمِّ النبي - ﷺ - كان مصدقًا برسالته لكنه لم يقبل ولم يذعن فلم يكن مؤمنًا، وإلا فإنه مصدق كما يقول بأشعاره وفي أحواله لكنه -والعياذ بالله- ليس بمؤمن، إذن الإيمان معنى زائد على التصديق وليس هو مجرد التصديق.