الدم! وهذه العلة منتفية في الزمن الحاضر، وعليه فيجوز قطع الإصبع الزائدة، ومثله لو فرض أن هناك لحمة زائدة في الأذن أو في الرأس في الرقبة فتجوز إزالتها.
٥ - إثبات انفراد الله ﷿ بالألوهية؛ لقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾.
٦ - إثبات الاسمين الكريمين العزيز والحكيم، وما تضمناه من صفة.
وكل اسم من أسماء الله دال على الذات وعلى الوصف المشتق منه، فإن كان متعديًا ففيه دلالة ثالثة وهي الأثر المترتب على ذلك.
فـ ﴿السَّمِيْعُ﴾ مثلًا: فيه إثبات الاسم وهو السميع، والصفة وهي السمع، والأثر وهو أنه يسمع، وهكذا العليم. أما ما لا يتعدى للغير ففيه إثبات الاسم والصفة فقط، مثل: الحي، العظيم، العلي.
* * *
• ثم قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧].
الضمير ﴿هُوَ﴾ يعود على الله، وتأمل هنا ترابط الآيات مع بعضها البعض، لما ذكر الله ﷿ أنه هو المصور -والتصوير ابتداء الخلق- ذكر بعده إنزال الكتاب الذي به الهداية كقوله:
[ ١ / ٣٠ ]
﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ١ - ٤]، فأحيانًا يبيّن الله النعمة الدينية قبل، وأحيانًا يبيِّن الله النعمة الدنيوية قبل، فبدأ الله هنا بالتصوير ثم ذكر إنزال القرآن، وفي سورة الرحمن ذكر تعليم القرآن قبل خلق الإنسان.
﴿الكِتَابَ﴾: هو القرآن، ثم قسّم الله هذا الكتاب فقال: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾، يعني: ومنه أُخر متشابهات. وهنا يتعين أن نقول: ومنه أُخر ليتم التقسيم.
فـ (أُخَر) مبتدأ خبره محذوف يعني: ومنه أخر متشابهات، نظير قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥] فـ (سعيد) هنا ليست معطوفة على (شقي) لأنها لو كانت معطوفة عليها لفسد التقسيم، ولكن التقدير: منهم شقي ومنهم سعيد.
والاشتباه قد يكون اشتباه في المعنى، بحيث يكون المعنى غير واضح، أو اشتباه في التعارض، بحيث يظن الظان أن القرآن يعارض بعضه بعضًا، وهذا لا يمكن أن يكون، لأن الله ﷿ قال: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. والقرآن يصدق بعضه بعضًا.
والتعارض الذي يفهمه من قد يفهمه من الناس يكون للأسباب التالية:
١ - إما لقصور في العلم.
٢ - أو قصور في الفهم.
٣ - أو تقصير في التدبر.
٤ - أو سوء في القصد، بحيث يظن أن القرآن يتعارض، فإذا ظن هذا الظن لم يوفق للجمع بين النصوص، فيحرم الخير لأنه ظن ما لا يليق بالقرآن.
قال تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾:
[ ١ / ٣١ ]
(الآيات): جمع آية وهي العلامة، وكل آية في القرآن فهي علامة على مُنْزِلها لما فيها من الإعجاز والتحدي، وقوله: ﴿مُحْكَمَاتٌ﴾ أي: متقنات في الدلالة والحكم والخبر، فأخبارها وأحكامها متقنة معلومة ليس فيها إشكال.
وقوله تعالى: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾:
يعني: أن أحكامها غير معلومة، وأخبارها غير معلومة، فصار المحكم هو المتقن في الدلالة سواء كان خبرًا أو حكمًا، والمتشابه هو الذي دلالته غير واضحة سواء كان خبرًا أو حكمًا.
ولهذا نجد أن بعض الآيات لا تدل دلالة صريحة على الحكم الذي اسْتُدِلَّ بها عليه، وبعض الآيات الخبرية أيضًا لا تدل دلالة صريحة على الخبر الذي استدل بها عليه.
قال تعالى: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾:
قدَّم وصف هذه المحكمات وبيان حالها ليتبادر إلى الذهن أول ما يتبادر أنه يرد المتشابهات إلى المحكمات لأنها أمٌّ، وأمُّ الشئ مرجعه وأصله. كما قال الله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]: أي المرجع وهو اللوح المحفوظ الذي ترجع الكتابات كلها إليه، ومنه سميت الفاتحة أم الكتاب، لأن مرجع القرآن إليها. فهذه المحكمات يجب أن ترد إليها المتشابهات.
قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾:
ينقسم الناس بالنسبة إلى هذه المتشابهات إلى قسمين:
[ ١ / ٣٢ ]
١ - قسم يتبعون المتشابه ويضعونه أمام الناس ويعرضونه عليهم. فيقولون: كيف كذا وكيف كذا؟
٢ - وقسم آخر يقولون: آمنا به كل من عند ربنا، فإذا كان من عند ربنا فلا يمكن أن يتناقض، ولا يمكن أن يتخالف، بل هو متحد متفق، فيرد المتشابه منه إلى المحكم، ويكون جميعه محكمًا.
وقوله: ﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ الزيغ: بمعنى الميل، من قولهم: زاغت الشمس إذا مالت عن كبد السماء.
أي: في قلوبهم ميل عن الحق، فهم لا يريدون الحق، وإنما يتبعون المتشابه، فتجدهم -والعياذ بالله- يأخذون آيات القرآن التي فيها اشتباه حتى يضربوا بعضها ببعض وما أكثر هؤلاء! ! ليصدوا عن سبيل الله ويشككوا الناس في كلام الله ﷿، وأما الذين ليس في قلوبهم زيغ وهم الراسخون في العلم الذين عندهم من العلم ما يتمكنون به أن يجمعوا بين الآيات المتشابهة، وأن يعرفوا معناها، فهؤلاء لا يكون عندهم هذا التشابه بل يقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ فلا يرون في القرآن شيئًا متعارضًا متناقضًا.
وكل أهل البدع من الرافضة والخوارج والمعتزلة والجهمية وغيرهم كلهم اتبعوا ما تشابه منه، لكن مستقل ومستكثر، فهؤلاء يتبعون ما تشابه لهذين الغرضين أو لأحدهما:
١ - ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ أي: صد الناس عن دين الله، لأن الفتنة بمعنى الصد عن دين الله، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ
[ ١ / ٣٣ ]
الْحَرِيقِ﴾ [البروج: ١٠]. فتنوهم: يعني صدُّوهم عن دين الله.
٢ - ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾، أي: طلب تأويله لما يريدون، فهم يفسِّرونه على مرادهم لا على مراد الله تعالى.
قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾:
اختلف السلف في الوقف عليها، فأكثر السلف وقف على قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، ثم نبتدئ فنقول: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ وعلى هذا تكون الواو في ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ للاستئناف، ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَقُولُونَ﴾ خبر المبتدأ، ويصبح المعنى أن هذا المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله ﷿، وأما الراسخون في العلم الذين لم يعلموا تأويله يقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، وليس في كلام ربنا تناقض ولا تضارب، فيسلمون الأمر إلى الله ﷿؛ لأنه هو العالم بما أراد، وينقسم الناس إذن إلى قسمين:
١ - ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾.
٢ - ﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾.
ووصل بعض السلف ولم يقف، فقرأ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ فتكون الواو للعطف، والراسخون: معطوفة على لفظ الجلالة، أي: لا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم، بخلاف الذين في قلوبهم زيغ فهؤلاء لا يعلمون. والحقيقة أن ظاهر القراءتين التعارض لأن:
القراءة الأولى: تقتضي أنه لا يعلم تأويل هذا المتشابه إلا الله.
[ ١ / ٣٤ ]
والقراءة الثانية: تقتضي أن هذا المتشابه يعلم تأويله الله والراسخون في العلم.
فيكون ظاهر القولين التعارض، ولكن الصحيح أنه لا تعارض بينهما، وأن هذا الخلاف مبني على الاختلاف في معنى التأويل في قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، فإن كان المراد بالتأويل التفسير فقراءة الوصل أولى، لأن الراسخين في العلم يعلمون تفسير القرآن المتشابه، ولا يخفى عليهم؛ لرسوخهم في العلم، وبلوغهم عمقه؛ لأن الراسخ في الشيء هو الثابت فيه المتمكن منه، فهم لتمكنهم وثبوت أقدامهم في العلم وتعمقهم فيه يعلمون ما يخفى على غيرهم.
أما إذا جعلنا التأويل بمعنى العاقبة والغاية المجهولة، فالوقف على ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ أولى؛ لأن عاقبة هذا المتشابه وما يؤول إليه أمره مجهول لكل الخلق.
والتأويل يكون بمعنى التفسير، وبمعنى العاقبة المجهولة التي لا يعلمها إلا الله، وكلا المعنيين موجود في القرآن، فمن الأول: قول أحد صاحبي السجن ليوسف عليه الصلة والسلام: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٣٦].
أي: بتفسير هذه الرؤية ما معناها؟ ففسرها، ومن ذلك قول الرسول - ﷺ - في ابن عباس: "اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل" (^١) أي تفسير الكلام ومعرفة معناه.
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند (١/ ٢٦٦) بهذا اللفظ، وقال أحمد شاكر في تحقيق المسند (٢٣٩٧): إسناده صحيح اهـ. =
[ ١ / ٣٥ ]
ومن الثاني: قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٣].
فقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ يعني: عاقبته وهو ما يؤول إليه، ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ بمعنى: تأتي عاقبته التي وعدوا بها. ومنه كذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] يعني: أحسن عاقبة ومآلًا.
واعلم أن كثيرًا من الناس الذين يتكلمون في العقائد فسروا المتشابه بآيات الصفات. قالوا: إن المتشابهات هن آيات الصفات. ولكن لا شك أن تفسير المتشابهات بآيات الصفات على الإطلاق ليس بسديد، لأن آيات الصفات معلومة مجهولة؛ فهي من حيث المعنى معلومة، ولا يمكن أن يخاطبنا الله ﷿ ويحدثنا عن نفسه بأمر مجهول لا نستفيد منه، وليس هو بالنسبة إلينا إلا كنسبة الحروف الهجائية التي ليس فيها معنى، هذا غير ممكن إطلاقًا.
نعم، هي مجهولة من جهة أخرى وهي الحقيقة والكيفية التي هي عليها، فهذا مجهول لنا، لا نعلم كيف يد الله، ولا ندرك حقيقتها، ولا نعلم وجه الله، ولا ندرك حقيقته، ولا ندرك حقيقة علم الله ﷿، ولا ندرك كل صفاته ولا ندرك
_________________
(١) = والجملة الأولى منه أخرجها البخاري، كتاب الوضوء، باب وضع الماء عند الخلاء، رقم (١٤٣). ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل عبد الله بن عباس ﵄، رقم (٢٤٧٧). لكن لم يقع عند مسلم: "في الدين".
[ ١ / ٣٦ ]
حقائقها، لأن الله يقول: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]، فمن زعم أن آيات الصفات من المتشابه على سبيل الإطلاق فقد أخطأ، والواجب التفصيل فنقول: إن أردت بكونها من المتشابه تشابه الحقيقة التي هي عليها فأنت مصيب، وإن أردت بالمتشابه تشابه المعنى وأن معناها مجهول لنا فأنت مخطئ غاية الخطأ، وقد ذهب إلى هذا من قال: إن آيات الصفات وأحاديثها مجهولة لا نعلمها، لا يعلمها رسول الله - ﷺ - ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا ابن مسعود ولا ابن عباس ولا فقهاء الصحابة ولا فقهاء التابعين ولا أئمة الإسلام، كلهم لا يدرون معناها، نقول لهم: ما معنى استوى على العرش؟ فيقول: الله أعلم، ما معنى ﴿يَدُ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٦٤]، ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾؟ [المائدة: ٦٤] يقول: الله أعلم، ما معنى ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾؟ [الرحمن: ٢٧] يقول: الله أعلم. فكل ما يتعلق بصفات الله يقول: الله أعلم. والغريب أن هذا القول في غاية ما يكون من السقوط، وإن كان بعض الناس يظن أنه مذهب أهل السنّة أو أنه مذهب السلف، حتى أدّى بهم الأمر إلى هذه الكلمة الكاذبة: (طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم). وهذه القضية من أكذب القضايا؛ أن تكون طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم، لكن نقول: طريقة السلف أسلم وأعلم وأحكم.
فمن الناس من يظن أن مذهب السلف هو التفويض، أي: عدم معرفة المعنى وعدم الكلام به، حتى رسول الله - ﷺ - على زعمهم يقول: "يضحك الله إلى رجلين أحدهما يقتل الآخر،
[ ١ / ٣٧ ]
كلاهما يدخل الجنة" (^١)، لو سألته وقلت: يا رسول الله، ما معنى يضحك؟ قال: لا أدري! ! وقوله: "ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر" (^٢)، لو سألته: ما معنى ينزل؟ قال: لا أدري! ! .
هكذا زعموا! ! وهو أمر يدعو للعجب، وزَعْمٌ بعيدٌ عن الصواب.
إذن نقول: آيات الصفات من المتشابه في الحقيقة والكيفية التي هي عليها؛ لأن الإنسان بشر لا يمكن أن يدرك هذه الصفات العظيمة، لكن في المعنى محكمة معلومة لا تخفى على كل أحد، كلنا يعرف ما معنى العلم، كلنا يعرف ما معنى الاستواء، كلنا يعرف ما معنى الوجه، وما معنى اليد.
لهذا قال الإمام مالك ﵀ قوله المشهور الذي روي عن شيخه أيضًا قال:
(الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة) (^٣)، فمثلًا: نحن نعلم معنى (العين)،
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الجمعة، باب الدعاء في الصلاة من آخر الليل، رقم (١١٤٥). ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الترغيب في الدعاء والذكر من آخر الليل، رقم (٧٥٨).
(٢) رواه البخاري، كتاب الدعوات، باب الدعاء نصف الليل، رقم (٦٣٢١). ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الترغيب في الدعاء والذكر من آخر الليل والإجابة فيه، رقم (٧٥٨).
(٣) رواه اللالكائي في شرح السنة (٦٦٤). والبيهقي في الأسماء والصفات (٨٦٧). وقال الحافظ في الفتح (١٣/ ٤٠٧): إسناده جيد.
[ ١ / ٣٨ ]
لكن حقيقة عين الله وكيفيتها غير معلومة، عين المخلوق معروفة مكونة من طبقات متعددة، ومن عروق، ومن كذا. . . لكن عين الله لا يمكن أن نقول فيها هكذا لأنها مجهولة لنا. إذن حقيقتها غير معلومة، لكن معنى العين وهي التي يحصل بها النظر والرؤية أمر معلوم.
وكذا يد الله ﷿، فاليد معروفة، والأصابع معروفة، والقبض باليد معروف، والأخذ باليد معروف؛ لكن حقيقة هذه اليد وكيفيتها لا نستطيع أن نتكلم فيها، ومن ادَّعى العلم بها فهو كاذب.
هذه معنى الحقائق، فالحقائق شيء والمعنى شيء آخر، وثقوا بأننا لو نقول: إننا لا نعلم معاني آيات الصفات أنه سيفوتنا ثلاثون في المائة من معاني القرآن أو أكثر؛ لأننا ما نكاد نجد آية إلا وفيها اسم من أسماء الله أو صفة من صفاته.
وقوله: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾، أي: صدَّقنا به، بالمحكم وبالمتشابه، أما المحكم: فظاهر، وأنهم عرفوا معناه واطمأنوا إليه، وأما المتشابه: فإيمانهم به هو التسليم، ولهذا قال فيه: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، ولا يمكن أبدًا أن يكون فيه تعارض أو تناقض.
في هذه الآية قسَّم الله القرآن إلى قسمين، ولكنه في موضع آخر جعله قسمًا واحدًا، فقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٢٣]
[ ١ / ٣٩ ]
وقال في آية أخرى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس: ١].
وقال: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١]. ولم يذكر التشابه، وهذا أيضًا من المتشابه، فكيف يوصف القرآن بأوصاف ظاهرها التعارض؟ !
فالراسخون في العلم يعلمون أنه لا تعارض، فيقولون: المتشابه الذي وصف به القرآن غير مقرون بالمحكم، فيراد به التشابه في الكمال والجودة والهداية.
فهو متشابه أي: كل آياته متشابهة، كلها كاملة البلاغة، كلها كاملة في الخبر، كاملة في الأمر والنهي، فهي متشابهة من حيث الكمال والجودة والإحكام والإخبار وغير ذلك.
وإذا ذكر محكم بغير ذكر المتشابه فالمعنى: أنه واضح متقن، ليس فيه تناقض ولا تعارض، ولا كذب في خبر، ولا جور في حكم، فيحمل الإحكام على معنىً، والتشابه على معنى آخر.
قال تعالى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾:
﴿وَمَا﴾: نافية، ﴿يَذَّكَّرُ﴾: أصلها يتذكر، لكن قلبت التاء ذالًا وأدغمت في الذال الأخرى، فصارت ﴿يَذَّكَّرُ﴾ أي: لا يتعظ وينتفع بالقرآن إلا أولو الألباب، أي: إلا أصحاب العقول؛ لأن الألباب جمع لب، واللب هو العقل، والمراد بالعقل هنا عقل الإدراك الذي ضده الجنون، وعقل التصرف الذي ضده السَّفه. فالذي يتذكر بالقرآن هو الإنسان الذي أعطاه الله عقلًا يدرك به الأشياء، وأعطاه الله رشدًا يحسن به التصرف. وأما من أعطاه الله
[ ١ / ٤٠ ]
عقلًا يدرك به الأشياء وهو العقل المضاد للجنون ولم يعطه عقلًا يحسن به التصرف وهو العقل المضاد للسفه، فهو لا ينتفع بالقرآن.