* قالَ اللَّه ﷿: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ [الأحزاب: ١٥].
* * *
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا﴾ الجُمْلة هذه مُؤكَّدة باللَّام و(قد)، قَسَمٌ مُقدَّر، كلَّما جاء مثل هذا التَّعبيرِ في القُرآن، فإنه مُؤكَّدٌ بالمُؤكِّدات الثلاثة، يَعنِي: واللَّهِ لقد كانوا عاهَدوا اللَّه تعالى مَن قَبلُ.
وتَقدَّم لنا أن اللَّه تعالى يُقسِم عن الشيء لا في جانب الإنكار، ولكن في جانب الأهمية، وقد يُقسِم عليه في جانب الإنكار مثل قوله ﷾: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧]، هنا أكَّد اللَّه ﷾ هذا العَهْد مِنْهم أنَّهم: ﴿عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ﴾، وهذا العَهدُ بينهم وبين الرسول -ﷺ-، والمُعاهَدة مع الرسول ﵊ مُعاهَدة مع اللَّه تعالى، كما قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠]، فهُم عاهَدوا الرسول ﵊ ألَّا يفرُّوا ولا يُوَلُّون الأدبار، ولكنهم نقَضوا العهد؛ لأن نَقْض العهد والخِيانة والكذِب من خِصال المُنافِقين، فهذه سَجِيَّة فيهم.
قوله تعالى: ﴿عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ﴾؛ ما محَلُّ قوله ﷾: ﴿لَا يُوَلُّونَ﴾ من الإعراب؟
[ ١٢٨ ]
قال بعضُهم: إنها لا محَلَّ لها من الإِعْراب؛ لأنها جوابٌ لقَوْله: ﴿عَاهَدُوا﴾، وقال بعضهم: إنها بَيان للمُعاهَدة؛ لأن المُعاهَدة التي وقَعَت أنهم لا يُولُّون الأدبار، وكلِمة: ﴿لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ﴾ تَحتاج إلى مَفعولَيْن؛ المَفعول الأوَّل: ﴿الْأَدْبَارَ﴾ والمَفعول الثاني: مَحذوف، والتقدير: لا يُولُّون عَدوَّهم أَدْبارَهم، أَوْ تولية الدُّبر. ومَعناه: الانصِراف والانحِراف، فبَدَلًا من أن تَكون وجوهُهم نحوَ العَدوِّ تَكون أدبارهم نحو العَدوِّ، فهم أَقسَموا بالأوَّل، وعاهَدوا أنهم لا يُوَلُّون الأدبار عند مُلاقاة الأعداء، ولكنهم نقَضوا العَهْد.
قال اللَّه تعالى: ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾، قال المُفَسِّر ﵀: [كان عَهْد اللَّه مَسؤُولًا عن الوَفاء به]، فعلى هذا تَكون المَسؤُولية ليس على العَهْد نفسِه بل عن الوَفاء به، فالعَهْد مَسؤول، يَعنِي: مَسؤُول عن الوفاء به، والسُّؤال عن الوفاء به سُؤال عن وقوعه أيضًا، فيُقال مثلًا: أليس بيني وبينك عَهْد؟ ألم تَنقُض العهد؟ فيَكون السؤال عن نَفْس العَهْد وعن الوَفاء به.
وهذه المَسؤُولية متى تَكون في الدُّنيا أو في الآخِرة؟
والجوابُ: أمَّا المَسؤُولية التي بين الإنسان وبين ربه فإنها في الآخِرة، وأمَّا المَسؤُولية التي تَكون بينه وبين الناس فهي في الدنيا، يُطالَب بالوفاء بالعَهْد، قال تعالى: ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾.
من فوائد الآية الكريمة:
إثبات الحِساب؛ لقوله: ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾، فكُلُّ ما بَيْنَك وبين اللَّه ﷿ من الحُقوق، فإنَّك مَسؤُول عنه يوم القِيامة، قال اللَّه ﷿: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ [الأعراف: ٦ - ٧].
[ ١٢٩ ]