* قالَ اللَّه ﷿: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ١٦].
* * *
قوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾: ﴿لَنْ﴾ تُفْيد ثلاثَةَ أشياءَ؛ النَفي والنَّصْب والاستِقْبال، يَعنِي: أن الفِعْل المُضارع مُحتَمِل لأَنْ يَكون للحال أو للاستِقْبال، فإذا دَخَلَت عليه (لَنْ) تَعيَّن أن يَكون للاستِقْبال.
وهل (لَنْ) للنَّفْي المُؤبَّد، أم تَكون للتَّأبيد وغير التأبيد؟
الجوابُ: لغير التَّأبيد دائِمًا، وتَكون للتأبيد، يَعنِي: تَكون لهذا ولهذا، فمِثال التأبيد قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾، وتَأتِي لغَيْر التأبيد، أو رُبَّما يَنْظُرون لأكثَرَ من هذا، هل هي للتأبيد أو لغير التأبيد؟ قال ﷾: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ [آل عمران: ١١١] هل أنهم قد يَضُرُّون المُؤمِنين بغير أذًى أو لا يَضُرُّونهم إلَّا أذًى.
وقال اللَّه ﷾: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٩٥] هذا للتَّأْبيد، فهُمْ قد يَتمَنَّوْن الموت في عذاب النار يَتمَنَّوْن الموت، وفي الدنيا لا يَتَمنَّوْن الموت، ولكن حتى ولو في الدُّنْيا فإنها مُؤكَّدة بقوله تعالى: ﴿أَبَدًا﴾.
[ ١٣٠ ]
الصَّحيحُ: أنَّ (لن) لا تَطلُب التَّأبيد كما قال ابن مالِكٍ ﵀ (^١):
وَمَنْ رَأَى النَّفْيَ بِلَنْ مُؤَبَّدَا فَقَوْلَهُ ارْدُدْ، وَسِوَاهُ فَاعْضُدَا
فلا يُمكِن أن تَأتِيَ للتأبيد أبَدًا يَعنِي: مَعناه: لا تَسْتَلزِم التأبِيد وإلَّا قد تُفيده؛ ولهذا قال أهل السُّنَّة: إن قول اللَّه تعالى لمُوسى ﵇: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] لا يَستَلزِم أنه لا يَرَى اللَّه تعالى لا في الدنيا ولا في الآخِرة، وأمَّا المُعتَزِلة ومُنْكِرو رُؤية اللَّه ﷾ فإنهم يَقولون: (لَنْ) تُفيد التأبيد، فتَدُلُّ على أنَّ اللَّه تعالى لن يُرَى أبدًا.
يَقول اللَّه تعالى: ﴿لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ يَعنِي: فإنْ لَم تَفِرُّوا من الموت أو القَتْل نفَعكم الفِرارُ، هذا القيد لِبَيانٍ واقِع، لأنه لا فِرارَ إلَّا إذا فَرُّوا، فإنه لا يَنفَعُهم أيُّ شيء من الموت أو القَتْل.
قال ﷾: ﴿وَإِذًا﴾ يَعنِي: لو فُرِض أنكم فرَرْتُم من الموت أو القَتْل، قال ﵀: [﴿وَإِذًا﴾ إن فرَرْتم ﴿لَا تُمَتَّعُونَ﴾ في الدنيا بعد فراركم ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ بقية آجالِكم]، يَعنِي: على فَرْض أنكم فرَرْتُم من الموت أو من القَتْل، فهل ستَبقَوْن في الحياة؟ لا، لا يَبقَوْن إن فرُّوا، ولا يُمتَّعون إلَّا قليلًا، وهو بَقيَّة آجالِهم.
وهذا على تَقدير فِرارهم، وحينئذٍ ما الفائِدة من أن يَدَع الإنسان القِتال المَفروض عليه ويُولِّي الدُّبر لأَمْر قد يَنفَعُه وقد لا يَنفَعُه، فقد يَموت في حال تَولِّيه، وقد يَبقَى ويُعَمَّر، لكن لو بَقِيَ وعُمِّر هل سيَبقَى أبدًا؟ لا، فلا يُمتَّع إلَّا قليلًا، ومَهما طال الأمَد به فإنه قليل.
_________________
(١) انظر: شرح الكافية لابن مالك (٣/ ١٥١٥).
[ ١٣١ ]
ولهذا الدُّنيا كلُّها بالنِّسبة للآخِرة ليست بشيءٍ، قال اللَّه تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٦ - ١٧]، وأَخبَر النبيُّ ﵊ أن: "مَوْضِع سوْطِ الْإِنْسَانِ فِي الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا" (^١)، فالمَتاع في الدُّنيا في الحقيقة ليس بشيء بالنسبة لوَقْت الآخِرة، ولهذا قال ﷾: ﴿وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
ثُمَّ هناك شيءٌ آخَرُ: أنَّهم لو قُتِلوا في سبيل اللَّه تعالى فإنهم قُتِلوا ولكنهم أحياءٌ قال اللَّه ﷾: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٥٤].
هذا القَوْلُ باللسان نُهِينا عنه وحتى الظَّنُّ بالقَلْب نُهِينا عنه، قال ﷿: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، فلا يَجوز القولُ ولا الحُسْبان بأن مَن قُتِل في سبيل اللَّه تعالى يَكون ميتًا، بل هو ميت البدَن، لكنه حيُّ الرُّوح حياة بَرْزخية، وليست كحياة الدُّنيا، ولو كانت كحَياة الدُّنيا ما جاز أن يُدْفَن هؤلاء؛ لأنا لو دَفَنَّاهم وهم أحياءٌ كالحياة الدُّنيوية لكنا قد قتَلْناهم وأَهلَكْناهم.
وبهذا نَعْرِف ضَلال مَن قالوا: إنهم أحياءٌ يَسأَلون لك إذا سأَلْتَهم أن يَدعوا اللَّه تعالى لك، ويُجيبونك ويَتوَصَّلون بهذا الشيءِ إلى الإشراكِ بهمْ وبالأنبياء وبمَن يَزعُمونهم أَولياءُ، لأَجْل تعميم الأحوال كما قال ﷾: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨]، أو يُقال أيضًا لهؤلاء الذين جاؤُوا للقِتال
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الجهاد والسير، باب فضل رباط يوم في سبيل اللَّه، رقم (٢٨٩٢)، من حديث سهل بن سعد الساعدي -﵁-.
[ ١٣٢ ]
قد يَموتون بدون قَتْل، خاصَّة في الشُّهداء ومَن هُو أفْضَل منهم؛ هذا هو الظاهِر، ويُحْتَمَل أن يَكون هذا خاصًّا بالشُّهَداء؛ لأن الشُّهَداء تَعرَّضوا للموت ابتِغاءَ وَجْه اللَّه ﷾، فبَعضُ أهل العِلْم ﵏ يَقول: إذا ثبَت هذا للشُّهداء في الحياة البَرْزَخية فلِمَن هو أفضَلُ منهم أثبَتُ، مثل: الصِّدِّيقين والأنبياء ﵈.
ولكن عِندي أن فيه احتِمالًا بأن هذا خاصٌّ بالشُّهَداء؛ وذلك لأن الشَّهيد ليس كغيره، إذِ الشَّهيد عرَّض نَفْسه للمَوْت وباع نفسَه فيُجازَى بأن يَكون حيًّا، لكن المشهور أن مَن هو أعلى من الشُّهَداء له ذلك الحُكْمُ، والأنبياء ﵈ لهم خِصيصة أخرى أيضًا ليست في غيرهم، وهي أن الأرض لا تَأكُل أَجسادَهم.
قال ﷾: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٨]، وقال: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٤٦] ومثل هذا التَّعبيرِ ذكَر المُفسِّرون أنه يُراد به العدَم، يَعنِي: لا يُؤمِنون أبدًا.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: في الآية هذه دَليلٌ على أنه لا فِرارَ من قدَر اللَّه تعالى؛ لقوله: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾، قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ مُتعَلِّقٌ بـ ﴿فَرَرْتُمْ﴾ أم بالفِرار؟ ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ إن فرَرْتُم، وتَكون جُملةً شَرْطية، و﴿إِنْ فَرَرْتُمْ﴾ جُملة مُعتَرِضة، وهذا أَوضَحُ في المَعنَى.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنه لا فِرارَ من قدَر اللَّه تعالى.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: وهَلْ يُسْتَفاد من الآية الكريمة إِبْطال الأَسباب؛ لأن الانسان لو رأَى نارًا تَلْتَهِم الشجَر مُقْبِلة عنه، هل يَهْرَب أم لَا؟ يَهرَب، فربَّمَا يَنجو.
[ ١٣٣ ]
فلو قال قائِل: هذه الآيةُ تَنفِي العمَل بالسبَب؟ .
فالجَوابُ على ذلك أن نَقول: إذا كان العمَل بالسبَب مُبطِلًا لحُكْم شَرْعه، فإنه لا يَجوز كهذه الحالِ، فإبطال الأَسْباب القدَرية بانتِهاك الأحكام الشَّرْعية هذا لا يَجوز، يَعنِي: أن يَترُك الإنسان الحُكْم الشَّرْعيَّ الواجِب خوفًا من آثاره هذا ليس بجائِز، لكن سببٌ حقيقيٌّ مَأذونٌ فيه شرعًا يُفعَل أم لا؟
الجَوابُ: إذا كان سبَبًا حقيقيًّا مَأذونًا فيه شَرْعًا فلْتَفعَلْه، فما نَقول للرجُل: إذا رأيت النار مُقبِلةً عليك فقِفْ لا تَفِرَّ، لا يَنفَعُك الفِرار! ! هذا ليس بصحيح، بل نَقول في هذه الحالِ: فِرَّ؛ لأن هذا سببٌ مُبَاح مَأذون فيه شَرْعًا وسبَب حقيقيٌّ، لكن بأن نَجعَل الأسباب مُعطِّلة للأحكام الشرعية هذا لا يَجوز.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: بيان نُفُوذ حُكْم اللَّه ﷿ الشَّرْعيِّ والقدَريِّ، أمَّا القدَريُّ فلا إرادةَ لك فيه، وأمَّا الشَّرْعيُّ فلك فيه إرادة؛ ولهذا نَقول: بالنسبة للشَّرْعيِّ وجوبُ تَنْفيذ حُكْم اللَّه الشَّرْعي؛ لأن اللَّه تعالى عاب هؤلاء الفارِّين؛ لكون فِرارِهم يَتَضمَّن إِسْقاطَ حُكْمٍ شَرْعيٍّ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن البَقاء في الدنيا وإن طال فهو قليل؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، وقد قال اللَّه تعالى في آيةٍ أخرى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٧٧].
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: تَوْبيخ هَؤُلاء الذين فرُّوا للتقاء على حياتهم؛ أو للإِبْقاء على حياتهم يُؤْخَذ من أَمْر اللَّه تعالى نَبِيَّه -ﷺ- أن يَقول لهم: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾، وهذا لا شكَّ أنه على سبيل التَّوْبيخ لهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذًا﴾ يَعنِي: لو فرَرْتم ونجَوْتم من هذه الحادِثةِ لا تَنجُون من الموت،
[ ١٣٤ ]
فـ ﴿لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن المُنافِقين أهلُ جُبْن وذُلٍّ وخَوف ورُعْب، وهذا أيضًا يَتَرتَّب عليه مُشكِلة، وهي أن الخوف من الموت أمرٌ طبِيعيٌّ، قال اللَّه ﷾ عن مُوسَى ﵊: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ [القصص: ٣٣]، وهذه فيها إِشْكال.
وهؤلاء يَخافون من القَتْل كما أشَرْنا إليها قبل قَلِيل، فالخَوْف من القَتْل الذي يَسْتلزِم إِبْطال حُكْم شَرْعيٍّ هذا لا يَجوز، أمَّا هذا خاف من القَتْل؛ لأنه تَسبَّب له وهو مُمكِن أن يُقتَل أم لا؟ فمُوسى ﵇ يُمكِن أن يُقتَل؛ لأنه فعَل ما يَستَلزِم القَتْل عند هؤلاء.
* * *
[ ١٣٥ ]