* قالَ اللَّه ﷿: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢].
* * *
قال ﵀: [﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ﴾ من الكُفَّار ﴿قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ من الابتِلاء والنَّصْر ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ في الوَعْد ﴿وَمَا زَادَهُمْ﴾ ذلك ﴿إِلَّا إِيمَانًا﴾ تَصديقًا بوَعْد اللَّه تعالى ﴿وَتَسْلِيمًا﴾ لأَمْره].
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ﴾: (لمَّا) شَرْطية لكنها لا تَجزِم، وفِعْل الشَّرْط في الآية ﴿رَأَى﴾، وجوابُه: ﴿قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ﴾، وقد تَقدَّم أن (لمَّا) تَأتي في اللغة العرَبية على عِدَّة وُجُوه: منها الشَّرْطية، كما في هذه الآية، ومنها الجازِمة كما في قوله ﷾: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص: ٨]، ومنها أن تَكون بمَعنَى (إلَّا) كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤] يَعنِي: إلَّا عليها حافِظ.
والمُراد بالأَحْزاب هنا الأَحْزاب الذين تَألَّبُوا على النبيِّ ﵊ من قُرَيش وغطَفانَ وغيرِهم، لمَّا رأَوْهم رُؤْيةً بصَريةً قالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ بأن هؤلاء الأَحزابَ سيَأتون؛ قال اللَّه تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤].
[ ١٦٨ ]
فإن اللَّه تعالى بيَّن في هذه الآيةِ أنَّه لا يُمكِن أن يَدخُل الجنَّة إلَّا بعد هذه الأُمورِ، فيَكون مُتَضمِّنًا لوَعْد اللَّه ﷾ لهُمْ أن يَرَوْا مثل هذه الأَشياءِ التي تُزَلزِلُهم، يَقول تعالى: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، وهذا دَليل على ثَباتهم وإيمانهم وصِدْق نَواياهم، لكِنِ المُنافِقون تَقدَّم أنهم كانوا يَهزَؤُون بالرسول ﵊ لما ضَرَب الحجَر الذي اعتَرَضهم في حَفْر الخَنْدق، وقال: إنه رأَى مَدائِن كِسرى وقُصورَ قَيصرَ واليَمَن؛ فقالوا: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ يَقول: يُريد أن يَملِك اليَمَن والشام والعِراق وهو الآنَ مُضَيَّق عليه هذا التَّضييقَ! ! هذا كَذِب! وليس بصحيح؛ لكنَّ المُؤمِنين قالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، فهُمْ عكسُ هؤلاءِ المُنافِقين الذين قالوا: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ الصِّدْق هو الإِخبارُ بالواقِع على حَسب ما هو واقِع، وإن شِئْت فقُلْ: هو الإِخْبار المُطابِق للواقِع، وضِدُّه الكذِب؛ ويُقال: صَدَقَني الحديثَ. وصدَّقني الحديثَ. وبينهما فَرْق (صدَقَني الحديثَ) يَعنِي: أَخبَرني بالصِّدْق، و(صدَّقني الحديث) يَعنِي: قال: إن ما حدَّثْته به صِدقٌ، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران: ١٥٢] مَعنَى ﴿صَدَقَكُمُ﴾: أَخبَرَكم بالصِّدْق وبيَّن لكم أنَّ ما وعَدَكم به حَقٌّ، حين حسَسْتُموهم بإذْنه.
وقوله تعالى: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ في هذه الجُملةِ ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ سِيق هذا الكَلامُ على سبيل المَدْح، ولكنه قد يُشْكِل على بعضِهم: كيف قَرَن وَعْد رسول اللَّه -ﷺ- بوَعْد اللَّه تعالى بالواو؛ وقَرَن أيضًا صِدْق رسول اللَّه -ﷺ- بصِدْق اللَّه ﷾ بالواو؟ وقد قال النبيُّ -ﷺ- لرجُلٍ حين قال له:
[ ١٦٩ ]
ما شاءَ اللَّه وشِئْتَ، قال له النبيُّ -ﷺ-: "أَجَعَلْتَني للَّهِ نِدًّا" (^١)، فكَيْف نَجمَع بين هذا وبين ما في هذه الآيةِ؟
الجَوابُ: أن يُقال: ما كان من أُمور الشَّرْع فإنه لا بَأْس أن يُضاف إلى اللَّه تعالى ورسولِه -ﷺ- بالواو؛ لأن ما شَرَعه النبيُّ ﵊ فهو من شَرْع اللَّه تعالى، كما قال اللَّه تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وأمَّا ما كان من أُمور القَدَر، فإنه لا يَجوز أن يُضاف إلى اللَّه تعالى ورسولِه -ﷺ- بالواو، بل لا بُدَّ أن يَكون بـ (ثُمَّ)؛ وذلك لأن قُدْرة الإنسان ومَشيئة الإنسان تابِعةٌ لمَشيئة اللَّه تعالى وقُدْرته.
فمثَلًا: تَقول لرجُل سَألَك: ما حُكْم الصلاة جَماعةً؟ وأنت لا تَدْري ما حُكْمها؛ فتَقول: اللَّهُ ورسولُه أَعلَمُ؛ لأن هذا حُكْمٌ شَرْعيٌّ، وأمَّا إذا كان من الأُمور القَدَرية فإنه لا يُمكِن أن يُشرَّك غيرُ اللَّهِ تعالى مع اللَّه تعالى بالواو، وذلك لأن مَشيئة غير اللَّه تعالى وقُدرة غير اللَّه تعالى تابِعةً لمَشيئة اللَّه تعالى، ولا يُمكِن أن تَكون مُساوِيةً لها.
وقوله ﷾: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾: (ما زادَهُم) الفاعِل في ﴿زَادَهُمْ﴾ يَعود على رُؤية الأحزاب، يَعنِي: ما زادَهم رُؤيةُ هَؤلاء الأحزاب وتَأَلُّبهم على رسول اللَّه -ﷺ- إلَّا إيمانًا.
يَقول المُفَسِّر: [﴿إِلَّا إِيمَانًا﴾ تَصديقًا بوَعْد اللَّه تعالى ﴿وَتَسْلِيمًا﴾ لأَمْره] إيمانًا بالقَلْب وتَسليمًا بالجوارِح؛ لأن الإيمان محَلُّه القَلْب، والتَّسليم والانقِياد محَلُّه الجوارِح، والإنسان لا يَتِمُّ دِينه إلَّا بهَذين الأَمْرين: بالإيمان والتسليم، فمَنِ استَسْلَم ولم يُؤْمِن فهو مُنافِق، ومَن آمَن ولم يَستَسْلِم فهو مُستكبِر، فإذا اجتَمَع للإنسان
_________________
(١) أخرجه الإِمام أحمد (٥/ ٣٩٣)، وابن ماجه: كتاب الكفارات، باب النهي أن يقال: ما شاء اللَّه وشئت، رقم (٢١١٨)، من حديث حذيفة -﵁-.
[ ١٧٠ ]
الإيمانُ والتَّسليمُ صار مُؤمِنًا حقًّا عابِدًا حقًّا، فالإنسان المُؤمِن لكنه لا يَسْتسلِم نَقُول: هذا مُسْتكْبِر. والإنسان المُستَسلِم لكنه غيرُ مُؤمِن نَقول: هذا مُنافِق؛ لأن المُنافِقين يَسْتَسْلِمون ظاهِرًا؛ ولا يَتِمُّ الإيمان إلَّا بهذين الأَمْرين: الإيمان والتسليم، ولا يَتِمُّ الشَّرْع إلَّا بهذين الأَمْرين الإيمان والتسليم.
وقوله ﷾: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا﴾: ﴿إِيمَانًا﴾ مَفعول ثانٍ، والمَفعول الأوَّل (الهاء)، فـ (زاد) تَنصِب مَفعولين أوَّلهُما: الهاءُ، والثاني في هذه الآيةِ: ﴿إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: في قوله ﷾: ﴿قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ كان مُقتَضى الحال أن يَلحَقهم الخوفُ والذُّعرُ كما حصَل للمُنافِقين؛ فمن فوائِدها: كمالُ تَصديقهم للَّه ﷾ ورسولِه -ﷺ- في قولهم: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ فهُمْ شاهَدوا ما وعَد اللَّه تعالى، ثُم أَظهَروا الإيقان بذلك بأَلسِنَتِهم في قولهم: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾.
وقدِ استَدَلَّ بعضُ الجُهَّال في هذا الآيةِ على مَشروعية خَتْم القُرآن بقوله تعالى: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ﴾ وقالوا: كيف تُنكِرون علينا إذا أَتْمَمْنا القِراءة وقُلْنا: صدقَ اللَّه العَظيمُ. مع أن اللَّه تعالى يَقول: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ ويَقول تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٩٥] فما هو الجوابُ عن هذه الشُّبْهةِ؟
نَقول: نحن لا نُنكِر أن يَقول أحَدٌ: صدَق اللَّهُ ورسولُه. بل نَراه من الإيمان أن يَقول الإنسان: صدَق اللَّهُ ورسولُه. وأمَّا مَن لَمْ تَكُن عَقيدته هذه فهو كافِر، لكننا نُنْكِر أن نَجعَل هذا الثَّناءَ على اللَّه ﷿ عند الانتِهاء من التِّلاوة مع أنه لَمْ يَرِد،
[ ١٧١ ]
فهل نَحن أَعلَمُ بشريعة اللَّه تعالى من رسول اللَّه -ﷺ-؟ وهل نحن أَحرَصُ منه على تَطبيق شريعة اللَّه تعالى؟ أَبَدًا، وإذا لم يَكُن كذلك؛ فإن الواجِب علينا أن نَحذُوَ حَذْوَه، فإذا كان يَقول عند خَتْم عِند انتِهاء تِلاوته: (صدَقَ اللَّهُ) فإننا نَقولها على العَيْن والرأس، وإذا كان لا يَقولها فلا نَقولها.
ونَقول لهم: إذا كُنْتم تَعتَقِدون مَشروعية ذلك فقولوها أيضًا في الصلاة إذا انتَهَيْتُم من القِراءة في الصلاة قبل أن تُكبِّروا؛ لأن التِّلاوة في نفس الصلاة أفضَلُ منها في خارِج الصلاة، المُهِمُّ: أنه لا دليلَ لهؤلاء في مِثْل هذه الآيةِ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن المُؤمِن يَزْداد إيمانًا عند رُؤْية الآيات الكونية أو الشَّرْعية كقوله تعالى: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: صِحَّة مَذهَب أهل السُّنَّة والجماعة الذين يَقولون: إن الإيمان يَزيد ويَنقُص كذا، وقد ذكَرْنا أن زِيَادة الإيمان باعتِبارات: باعتِبار قُوَّة اليَقين، وباعتِبار كثرة العمَل، وباعتِبار الإخلاص فيه، وباعتِبار أن المُعامَلة المُتابَعة للرسول ﵊، وباعتِبار العامِل نَفسِه.
فكُلُّ هذه الاعتِباراتِ يَزيد بها الإيمان:
الأوَّلُ: باعتِبار قُوَّة التقين فإبراهيمُ ﵊ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، فليس الخبَرُ كالمُعايَنة لو أَخبَرك مَن تَثِقُ به تمَامَ الثِّقة عن وجود شيءٍ آمَنْت به، لكن إذا رأَيْته بعَيْنك صار ذلك أَقوى إيمانًا.
الثاني: باعتِبار كَثْرة العمَل.
[ ١٧٢ ]
الثالِث: بِحَسب الإِخْلاص في العِبادة، فكُلَّما كان الإنسان في العِبادة أخلَصَ للَّه ﷾ كان زيادةُ الإيمان بها أكمَلَ وأقوَى؛ ولهذا تَجِد الفرقَ إذا عبَدْت اللَّه ﷾ بإِخْلاص، وإذا عبَدْتَه بغَفْلة، تَجِد الفَرْق العظيم في تَأثُّر قلبك مع أن العِبادة واحِدة، فكيف إذا عبَدْت اللَّه تعالى برِياءٍ وسُمْعة؟ نَسأَل اللَّه ﷾ أن يَحمِيَنا وإيَّاكم من ذلك -تَكون أشَدَّ وأشَدَّ في عدَم تَأثُّر القَلْب بهذه العِبادةِ! .
الرابع: باعتِبار مُتابَعة الإنسان للرَّسول عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَللسَّلَامُ، فكلَّما ازداد الإنسان اتِّباعًا للرسول -ﷺ- في عِبادته ازداد إيمانه بذلك؛ لأنه عِندما يَزداد اتِّباعًا للرسول -ﷺ- يَشعُر كأَنَّ الرسول -ﷺ- أمامَه يُتابع أثَرَه، وهذا لا شَكَّ أنه يَزيد في الإيمان.
الخامِس: باعتِبار حال العامِل، فالنبيُّ ﵊ يَقول: "لَوْ أنفَقَ أَحَدُكمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَه" (^١)، يَعنِي: الصحابة -﵃-؛ لأنهم أَقوَى إيمانًا ممَّن بعدهم، وأشَدُّ ثباتًا.
والحاصِلُ: أن الإيمان زِيادته لها عِدَّة اعتِبارات، ومنها أيضًا تَرْك المَعاصي خوفًا من اللَّه تعالى، فإن الإيمان يَزداد به، وفي (كتاب التَّوْحيد) شَرْح ذلك على وجهٍ أكمَلَ.
المُهِمُّ: أن أهل السُّنَّة والجَماعة يَقولون: إن الإيمان يَزيد ويَنقُص.
وقالتِ المُرجِئة: إن الإيمان لا يَزيد ولا يَنقُص؛ لأن الإيمان في القَلْب، والعمَل الصالِح ما له دَخْل في الإيمان وما في القَلْب لا يَتفاوَت، فنحن الآنَ نُؤمِن بالشَّمْس
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب أصحاب النبي -ﷺ-، باب قول النبي -ﷺ-: "لو كنت متخذًا خليلًا"، رقم (٣٦٧٣)، ومسلم: كتاب فضائل الصحابة؛ باب تحريم سب الصحابة -﵃- رقم (٢٥٤١) من حديث أبي سعيد الخدري -﵁-.
[ ١٧٣ ]
جميعًا، إيماننا بالشَّمْس على حدٍّ سَواءٍ ما يَتَفاوَت، فالناس عندهم كما قال ابن القيِّم ﵀ عنهم:
النَّاسُ في الْإِيمَانِ شَيْءٌ وَاحِدٌ كالمُشْطِ عِنْدَ تَمَاثُلِ الْأَسْنَانِ (^١)
وهذا القولُ لا شَكَّ أنه خطَأ يَرُدُّه الواقِعُ والشَّرْع.
وقالَتِ الخَوارِجُ والمُعتَزِلة: الإيمان لا يَزيد ولا يَنقُص، إمَّا أن يُوجَد جُملة كامِلًا، وإمَّا أن يُعْدَم بالكُلِّية؛ لأنهم يَقولون: إن فاعِلَ الكبيرة كافِر خارِج عن الإيمان؛ فإمَّا كافِر، وإمَّا في مَنزِلة بين مَنزِلتين؛ فالخَوارِج يَقولون: إن فاعِل الكبيرة كافِر ليس عِنده إيمان أبَدًا، والمُعتَزِلة يَقولون: لا إيمانَ عِنده، لكِن لا نَقول: إنه كافِر، بل هو في مَنزِلةٍ بين مَنزِلتين، ومَن لم يَكُن فاعِلَ كبيرةٍ فالناس في الإيمان سَواءٌ كلهم على حَدٍّ سواءٍ.
فالذين لا يَرَوْن زيادة الإيمان ولا نُقْصانه طائِفتان إمَّا مُرْجِئة أو وَعيدية، وهُمُ الخَوارِجُ والمُعتَزِلة.
وقال بعضُ أهل السُّنَّة: كالإمام مالِك (^٢) ﵀ قال: الإيمان يَزيد ولا نَقول: يَنقُص؛ لأن زيادة الإيمان في القُرآن والسُّنَّة كثيرة، ولكن ليس فيهما ذِكْر نَقْص الإيمان، ولكن قوله ﵀ ضعيف؛ لأن في السُّنَّة: "مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ" (^٣)، والإيمان بلا شَكٍّ من الدِّينِ، فيَكون داخِلًا في هذا الحديثِ.
_________________
(١) النونية (ص: ٨).
(٢) انظر: البيان والتحصيل (١٨/ ٥٣٦).
(٣) أخرجه البخاري: كتاب الحيض، باب ترك الحائض الصوم، رقم (٣٠٤)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب بيان نقص الإيمان، رقم (٨٠)، من حديث أبي سعيد الخدري -﵁-.
[ ١٧٤ ]
وأيضًا: فإن الزيادة والنُّقصان من الأمور المُتَقابِلة التي إذا وُجِد أحدُها انتَفَى الآخَر، ولا يُعقَل وجودُ أحدهما إلَّا بوجود الآخَر، فمثَلًا الزيادة لا تُعقَل إلَّا بنَقْص فنَقول له مثَلًا: أنت تَقول: إن فُلانًا أَزيَدُ إيمانًا من فُلان. مَعنَى ذلك أن المَزيد عليه ناقِص، ولا تَتَصوَّر غير هذا، فالصواب أن الإيمان يَزيد ويَنقُص، وأَسباب الزيادة والنُّقصان كما شرَحْنا قبلُ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن الناس يَختَلِفون في الانقِياد والتَّسليم كما يَختَلِفون في الإيمان زيادةً ونَقْصًا؛ لقوله ﷾: ﴿إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾؛ لأن عامة المُؤمِنين كلهم مُنقادون للشَّرْع، لكن منهم مَن يَنْقاد بطُمَأْنينة وانشِراح وقَبول ومَحَبَّة، ومنهم مَن يُسْلِم على وجهٍ دون ذلك، فمنهم مَن يَأتي إلى الصلاة مثَلًا وهو يَرَى أنهما نِعْمة من اللَّه ﷿ يَأتي إليها مُقبِلًا غير مُدْبِر، نَشِطًا، مُنْشرِح الصَّدْر، مُحِبًّا لها، يَنتَظِر الصلاة بعد الصلاة بفارغ الصَّبْر.
ومِنهم أُناسٌ بالعَكْس يَأتون إلى الصلاة ولا يَتَخلَّفون، لكن ببُطْء وتَثاقُل وعدَم انقِيادٍ لها؛ إذَنْ فالناس يَختَلِفون في التسليم، ولهذا قال تعالى: ﴿إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن التَّأمُّل في الآيات ووُضوح الآيات للعَبْد تَزيد في إيمانه وتَسليمه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا زَادَهُمْ﴾ أي: ما رأَوْه من الأحزاب إلَّا ﴿إِيمَانًا﴾ باللَّه تعالى ﴿وَتَسْلِيمًا﴾ لشَرْعه.
* * *
[ ١٧٥ ]