* * *
* قالَ اللَّه ﷿: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ [الأحزاب: ٢٦].
* * *
قال المفسر ﵀: [﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ أي: قُرَيْظةَ ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ حُصونِهم جمع صِيصَة وهو ما يُتَحصَّن به ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾.
قوله ﷾: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾: (أَنزَل) الضمير يَعود على اللَّه ﷾، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ﴾ أي: أَعانوهم وساعَدوهم، والمُظاهَرة بمَعنَى المُساعَدة، وتَظاهَرَ على كذا: أي: تَساعَدَ وتَسانَد عليه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ﴾ [التحريم: ٤]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨] يُعين مُساعِدًا ومُعينًا، فقوله تعالى: ﴿ظَاهَرُوهُمْ﴾ أي: أَعانوهم وساعَدوهم من أهل الكِتاب.
وقوله ﷾: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ المُراد بـ ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ اليَهود والنَّصارى، لكن المُراد بهم هنا في الآية: طائِفةٌ من اليَهود، وهم بنو قُرَيظةَ، وسبَق أنَّ بنِي قُرَيظةَ وبني النَّضير وبني قَيْنُقاع ثلاث قبائِلَ من اليَهود، قدِم النَّبيُّ -ﷺ-
[ ١٩٣ ]
المَدينة وهم ساكِنون فيها، فأَجرَى بينهم وبينه عَهْدًا، ولكنهم نقَضوا ذلك العهدَ، ولم يَبق إلَّا بنو قُرَيظةَ، ثُم إنَّ بني قُرَيظةَ نَقَضوا العهد بمُساعدةٍ مِن الأحزاب على رسول اللَّه -ﷺ-.
ولمَّا رجَع النبيّ ﵊ من الأحزاب ودخَل بَيْته واغتَسَل جاءَه جِبريلُ ﵇، وقال له: "اخْرُجْ لهِؤُلَاءِ" مُشيرَا إلى بني قُرَيظةَ فإنهم نقَضوا العهد، فرجَع، فأَمَر النبيُّ -ﷺ- أصحابه أمَرَهم بالخُروج وقال -ﷺ-: "لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا في بَنِي قُرَيْظَةَ" (^١)، فما تَوَانَى الصحابةُ -﵃- وما تَأخَّروا مع ما هم فيه من التعَب والضَّعْف، فخرَجوا فحاصَروا بني قُرَيظةَ لمُدَّة عِشْرين يومًا حتى نزَلوا على حُكْم سعدِ بنِ مُعاذ -﵁- (^٢).
وقوله ﷾: ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ جارٌّ ومجَرور مُتَعلِّق بـ (أنزَل) يَعنِي: أَنزَل هؤلاءِ من صَياصيهم أي: من مَآمِنهم، والأصل في صَياصي حَظائِر البقَر؛ لأنها تُؤمَّن فيها، فـ ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ يَعنِي: من مَآمِنهم وحُصونهم التي تَحصَّنوا فيها، ولكن ذلك لم يُغنِهم من اللَّه تعالى شيئًا.
وقوله تعالى: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ قذَف: بمَعنَى: رمَى، وهو أشدُّ وقعًا من قوله: وضَع، يَعنِي: لو قال: (وضَع في قُلوبِهم الرُّعْب) أَفاد أنَّ الرُّعْب قد صار
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب صلاة الخوف، باب صلاة الطالب والمطلوب، رقم (٩٤٦)، ومسلم: كتاب الجهاد والسير، باب المبادرة بالغزو، رقم (١٧٧٠) من حديث عبد اللَّه بن عمر -﵄-. وعند مسلم: صلاة الظهر.
(٢) أخرجه البخاري: كتاب الجهاد والسير، باب إذا نزل العدو على حكم رجل، رقم (٣٠٤٣)، ومسلم: كتاب الجهاد والسير، باب جواز قتال من نقض العهد وجواز إنزال أهل الحصين على حكم حاكم عدل أهل للحكم، رقم (١٧٦٨)، من حديث أبي سعيد الخدري -﵁-.
[ ١٩٤ ]
في القُلوب، لكن إذا قال: (قذَف) صار أشَدَّ.
و﴿الرُّعْبَ﴾ بمَعنَى: الخَوْف، وإذا وقَع الخَوْف في القلب، فلا تَسأَل عن الخائِف، إذ يَظُنُّ أن الشَّجَر إنسانٌ، فلا يَتَصوَّر الأمور على حَقائقها حتى لو ناداه أحَدٌ من أصحابه ظنَّ أنه عَدُوُّه يُناديه؛ ليَقتُله، ولا أشدَّ من سِلاح يَفتِكُ بالعَدوِّ من الرُّعْب؛ ولهذا قال النبيُّ -ﷺ-: "نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ" (^١).
أمَّا إذا ثبَت القَلْبُ واطمَأنَّ فإن المُقاتِل سَيَثبُت كما قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥] وذِكْر اللَّه ﷾ تَطْمَئِنُّ به القُلوب، قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]، وأَخبَر اللَّه ﷿ أن اللَّه تعالى أَنزَل على أهل بَدْر المطَر؛ لِيُثبِّت به الأقدام، وتَكون به السَّكينة.
والحاصِلُ: أن الرُّعْب من أشَدِّ الأسلِحة فَتْكًا للعَدوِّ.
وقوله تعالى: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ مِنهم وهُمُ المُقاتِلة ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ مِنهم، أىِ: الذَّراري] فهُمْ لمَّا طال بهِمُ الحِصار، ونزَلوا على حُكْم الرسول -ﷺ- خيَّرهم قال: "مَنْ تُرِيدُونَ أَنْ تَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِهِ؟ " قَالُوا: نُريد أن نَنزِل على حُكْم سعد بنِ مُعاذ. وكان سَعدُ بنُ مُعاذ -﵁- حَليفًا لهم فظَنُّوا أنه سيَفعَل مِثلَما فعَل عبد اللَّه بنُ أُبَيٍّ في حُلَفائه من اليَهود حين شفَع فيهم لرسول إلى رسول اللَّه ﵊ فتَرَكهم، لكن سعدًا -﵁- لمَّا جاء وكان في خَيْمةٍ له في المَسجِد؛ لأنه أُصِيب في الأحزاب في أَكحَله،
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب التيمم، رقم (٣٣٥)، أخرجه مسلم: كتاب المساجد، باب جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، رقم (٥٢١)، من حديث جابر بن عبد اللَّه -﵄-.
[ ١٩٥ ]
وضرَب له النبيُّ -ﷺ- خيمةً في المسجد، ليَعودَه من قريب؛ لأنه سيِّد قَوْمه -سيّد الأَوْس- جاء على حِمار من مَسجِد الرسول ﵊ إلى مَكان الحِصار.
فأَخبَره النبيُّ ﵊ بأنهم حكَّموه، فقال: حُكْمي نافِذ عليهم -ويُشير إلى الرسول ﵊- أوَحُكْمي فيهم نافِذ؟ ! ويُشير إلى الرسول -ﷺ- ويُشير إليهم أيضًا فقالوا: نعَمْ! فالنبيُّ ﵊، وكذلك هَؤلاءِ اليَهودُ رَضُوا؛ فقال: لقَدْ آن لسَعْدٍ -﵁- أن لا تَأخُذه في اللَّه تعالى لومةُ لائِمٍ! هذا مَقام محِنةٍ عظيمةٍ، فحكَم فيهم -﵁- بحُكمٍ عظيم حُكمٍ صائِب مُطابِق للحقِّ، قال -﵁-: أَحكُم بأَنْ تُقْتَل مُقَاتِلتُهم، وتُسْبَى ذُرِّيَّتهُم، وتُغنَم أموالهم؛ فقال النبيُّ ﵊: "لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ"، ثُمَّ أمَر النبيُّ ﵊ بأن تُقتَل مُقاتِلتهم وهمُ الرِّجال البالِغون، وأمَّا الذَّراري من النِّساء والرِّجال غير البالِغين، فإنها تُسبَى والأموال تُغنَم، فقُتِلوا في المدينة ما بين السَّبْعِ مِئة إلى ثَمانِ مِئة (^١).
فقُتِلوا في يوم واحِد بِناءً على حُكْمٍ همُ الذين رضُوا به، فإذا هو مَعنَى قوله تعالى: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾.
وهنا قُدِّم المَفعول في قوله ﷾: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ وأُخِّر المَفعول في قوله ﷾: ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ فهلِ الفائِدة من ذلك مُراعاة الفواصِل فقط
_________________
(١) هذا الخبر مجموع من عدة روايات منها ما أخرجه البخاري: كتاب المغازي، باب مرجع النبي -ﷺ- من الأحزاب، رقم (٤١٢٢)، ومسلم: كتاب الجهاد والسير، باب جواز قتال من نقض العهد، رقم (١٧٦٩)، من حديث عائشة -﵂-. وما أخرجه البخاري: كتاب الجهاد والسير، باب إذا نزل العدو على حكم رجل، رقم (٣٠٤٣)، ومسلم: كتاب الجهاد والسير، باب جواز قتال من نقض العهد، رقم (١٧٦٨)، من حديث أبي سعيد الخدري -﵁-.
[ ١٩٦ ]
فتكون الفائِدة لَفْظية، أم أن هناك فائِدةً مَعنوِيةً؟
الجوابُ: بلِ الأمران، وذلك لأن الحُكْم الأوَّل أشَدُّ وأبلَغُ؛ فلهذا قُدِّم مَفعولُه قال تعالى: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ والثاني دون ذلك؛ لأن الأسير ربما يُمَنُّ عليه بإِطْلاقه فقال: ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ هذا مع مُراعاة اللَّفْظ الذي هو مُراعاة الفواصِل -فواصِل الآيات-؛ ولهذا قال ﷾ في سورة البقَرة: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ [المائدة: ٧٠].
فلمَّا كان التَّكذيب للرُّسُل شديدا قُدِّم فيه المَفعول كما قُدِّم المَفعول في قَتْلهم، فهذه قِصَّة الأحزاب انتَهَت على قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٧].
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: مِنَّة أُخرى على المُؤمِنين، وهي إنزال هؤلاء الذين غدَروا من اليَهود من بني قُرَيْظةَ من حُصونهم التي تَحصَّنوا بها في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن اليَهود والنَّصارى أعداءٌ للمُسلِمين مُوالون للمُشرِكين؛ لأن بني قُرَيظةَ والَوُا الأَحزابَ وظاهَروهم على رسول اللَّه -ﷺ- مع ما عليهم من العَهْد والمِيثاق الذي بينهم وبين رسول اللَّه -ﷺ-.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن إلقاء الرُّعْب في القُلوب من أعظَمِ الهَزيمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: الإشارة إلى انحِطاط هؤلاء اليَهودِ وذُلِّهم ونُزُولهم من الأعلى
[ ١٩٧ ]
إلى الأَسفَل، لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ وفِعْلًا: فإنهم حصَل لهم مع خُروجهم من حُصونهم من الذُّلِّ والعار والخِزي ما هو باقٍ إلى يوم القيامة.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن اللَّه ﷾ أَباح للمُؤمِنين هؤلاءِ اليَهودَ قتلًا وأَسْرًا؛ لقوله تعالى: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إثبات غَدْر اليَهود، وأنهم أهلُ غَدْر وخِيانة، وهذا شيء مَعلوم أن اليَهود من حالهِم منذ كان فيهم نَبيُّهم ﵊ مُوسى إلى يَوْمنا هذا، فهُمْ أشَدُّ الناس غدرًا ومَكْرًا وخِيانة؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾.
* * *
[ ١٩٨ ]