* * *
* قالَ اللَّه ﷿: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٧].
* * *
وقوله ﵀: [﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ وهي خَيبرُ وأُخِذت بعد قُرَيْظةَ ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾]، ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ﴾ (أَورَثَ) هذه تَنصِب مَفعولين؛ المَفعول الأوَّلُ الكافُ والثاني: ﴿أَرْضَهُمْ﴾؛ والأرض والدِّيار بينهما فَرْق، فالدِّيار جَمْع دار، وهِي المَساكِن والأحياء، وأمَّا الأرض فهي أعَمُّ من ذلك، والأموال هي الأَمتِعة والدراهِم والدَّنانير، وغير ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ يَعنِي: ما وطِئْتُموها حتى الآنَ، ولكنكم ستَرِثونها، وهي أرض خيبرَ، فإن النبيَّ -ﷺ- فَتَحها بعد ذلك في السَّنَة السابعة (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ فلا يُعجِزه شيءٌ، وقُدِّم المَفعول لتَحقُق وقوعِ الفِعْل به؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ ولا تَقُلْ كما يَقول بعض الناس: (إنه على ما يَشاءُ قَديرٌ)؛ لأنك إذا قُلْت: (على ما يَشاء قَدير) خصَصْتَ قُدْرته بما يَشاءُ، مع أن القُدْرة تَتعَلَّق بالذي شاءَه والذي لم يَشَأْه، حتى الذي لم يَشَأه هو قادِر عليه.
_________________
(١) انظر: سيرة ابن هشام (٢/ ٣٢٨)، والبداية والنهاية (٦/ ٢٤٩).
[ ١٩٩ ]
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أن المُؤمنين إذا فتَحوا بلَدًا ملَكوا الأَرْض؛ لقوله ﷾: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ﴾ وإذا ملَكوا الأرض فهل تُقْسَم بين الغانِمين أو تُوْقَف لبيت المال، أو تُوَزَّع على المُؤمِنين بخَراج؟
فيه خِلاف بين أهل العِلْم ﵀ والصحيح أنه يَجِب على وَليِّ الأَمْر أن يَنظُر ما هُو الأَصلَح، إن رأَى أن يُوَزِّعها على الغانِمين فعَل، كما فعَلَ النبيُّ ﵊ في خَيبرَ (^١)، وإن رأَى أن يُبقِيَها لمَصالِح المُسلِمين أَبقاها وإن رأَى أن يُوزِّعها على المُسلِمين بخَراج يُضرَب عليها فعَل، مثلَما فعَل عُمرُ -﵁- (^٢) فتقول مثَلًا: نحن نُقسِّمها عليكم على أن يَكون على كل مئة مِتْر كذا وكذا دراهِمَ مثل: الصُّبرة، ويكون هذه الدراهِمُ للمُسلِمين يَنتَفِعون بها.
المُهِمُّ أن أرض الكُفَّار إذا فُتِحت عَنْوة فهي للمُسلِمين؛ لقوله ﷾: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ﴾، فأَهْل خَيبرَ اليَهود أَبقاهم فيها ﵊ على أنهم فلاليحُ؛ لأنهم يَعرِفون كيف يُدَبِّرون هذه الفلائِحَ، فجعَل لهم شَطْر ما يَأخُذون منها من ثَمَر أو زَرْع والأرض للمُسلِمين وليست هي لهم.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: حِلُّ أموال الكُفَّار للمُسلِمين، لقوله تعالى: ﴿وَأَمْوَالَهُمْ﴾ فإن الغَنائم تَحِلُّ للمُسلِمين، وهي من خَصائِص هذه الأُمة، قال النبيُّ ﵊:
_________________
(١) أخرجه الإِمام أحمد (٤/ ٣٦)، وأبو داود: كتاب الخراج، باب ما جاء في حكم أرض خيبر، رقم (٣٠١٢)، من حديث بشير بن يسار، عن رجال من أصحاب النبي -ﷺ-.
(٢) أخرجه أبو عبيد في الأموال رقم (١٤٦)، وسعيد بن منصور في السنن [ط الأعظمي] رقم (٢٥٨٩).
[ ٢٠٠ ]
"أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً" (^١).
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: البِشارة بأن المُسلِمين سيَتَولَّوْن على أراضٍ أُخرَى للكُفَّار، تُؤْخَذ من قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ وهي خَيبرُ وغيرها من بِلاد الكُفَّار، إنما فيه بِشارة بأن اللَّه ﷾ سَيُورِث المُسلِمين أراضِيَ الكافِرين.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إثباتُ قُدرةِ اللَّه تعالى على كل شيء؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ وكل شيء، فإن اللَّه تعالى قادِر عليه لا يُعْجِزه ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢]، فمَهما ظنَنْت من بُعْد الشيء ووُقوع الشيء، من بُعد وقوع الشيء، فلا تَستَبْعِده على قُدْرة اللَّه تعالى فإن الأمر عليه هَيِّن كما قال اللَّه ﵎: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]، الكل عليه هَيِّن، ولكن هذا أَهوَنُ، والحاصِل أن اللَّه ﷾ على كل شيءٍ قَديرٌ.
وقد قال في سورة المائِدة لمَّا قال تعالى: قال: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٢٠] قال: [وخَصَّ العَقْل ذاته فليس عليها بقادِر] أي: أن اللَّه تعالى لا يَقدِر على ذَاتِهِ، والذي خصَّص هذا العُموم العَقْل على زَعْمِه، فيُقَال: ما هذا العَقْلُ الذي يُخصِّص هذا العُمومَ؟ وكيف لا يَكون اللَّهُ قادرًا على ذاتِه؟ بل هو ﷾ قادِر على كل شيء
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب التيمم، رقم (٣٣٥)، أخرجه مسلم: كتاب المساجد، باب جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، رقم (٥٢١)، من حديث جابر بن عبد اللَّه -﵄-.
[ ٢٠١ ]
حتى على ذاتِه، فإن اللَّه ﷾ يَسْتَوِي على العَرْش ويَنزِل إلى السَّماء الدُّنيا ويَأتِي للفَصْل بين عِباده ويَفعَل ما يَشاء، وهذه قُدْرة على الذات.
أمَّا إن أَراد أنه غيرُ قادِر على ذاته فلا يُعدِمها مثَلًا فيُقال: إن هذا الشيءَ مُستَحيل، والمُستَحيل لا تَتعَلَّق به القُدرة أصلًا فهو غير وارِد ولا داخِل في الآية من الأصل، فأمَّا كونه داخِلًا ثُم يَخُصُّه العَقْل، فهذا تخصيص لما عَمَّمه اللَّه ﷿ أي: آية ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٢٠] آخِر السورة.
فلو قال قائِل: هل يَقدِر اللَّه ﷾ أن يَجعَل الشيء مُتحَرِّكًا ساكِنًا في آنٍ واحِد؟
نَقول: هذا شيء مُستَحيل؛ لأنه إن كان مُتحرِّكًا فليس بساكِن، وإن كان ساكِنًا فليس بمُتحرِّكٍ، فإذا جعَله اللَّه مُتَحرِّكًا لم يَكُن ساكِنًا، وإن جعَله ساكِنًا لم يَكُن مُتحَرِّكًا من الأصل.
وهو واضِح؛ لأنك إذا وصَفته بالحرَكة انتَفَى عنه السُّكون، وإذا وصَفْته بالسُّكون انتَفَت عنه الحرَكة قَطْعًا، وهذا شيء مَعروف لا يَحتاج إلى نظَر، كما لو قلت: كل حادِث لا بُدَّ له من مُحْدِث فهذا شيءٌ مَعقول، فالأُمور العَقْلية المَعلومة بالضَّرورة لا تَحتاج إلى تَأمُّل ولا إلى تَفكير، فالحرَكة والسُّكون مُتناقِضان، والسَّواد والبَياض مُتَضادَّان.
* * *
[ ٢٠٢ ]