* * *
* قالَ اللَّه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨]
* * *
ثُمَّ قال ﷾: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ لم يُخاطِب اللَّهُ تعالى نبيَّه محُمَّدًا -ﷺ- إلَّا بوَصْف النُّبوَّة والرِّسالة ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾، بينما كان يُخاطِب غيرَه من الأنبياء كثيرًا بأَسْمائهم مثل: يا مُوسى، يا نُوحُ، يا إبراهيمُ، وما أشبَهَ ذلك، وأمَّا النبىُّ ﵊ في القُرآن فلَمْ يُخاطِبْه اللَّه تعالى باسْمِه يَعنِي: لم يَقُل: يا محُمَّدُ. وإن كان جعَل ذلك في الأحاديث، لكن في القرآن: يا أَيُّها النبيُّ.
والنبيُّ مُسَهَّل من النَّبيءِ بالهمْزة، وقيل: إنه غَيْر مُسهَّل، واصل هذا الخِلافِ: هل النبيُّ من النَّبأ أو من النَّبوَّة؟ إذا قُلنا: من النَّبْوة لم يَكُن فيه تَسهيل؛ لأن الياء أَصلِيَّة، وإذا قُلنا: من النبَأ ففيه تَسْهيل، وأَصله النَّبيء، فسُهِّلت الهمزة إلى ياء، والصحيح أنه مُشتَقٌ من المَعنيَيْن جميعًا، فإن النَّبيء مُشتَقٌّ من النبَأ؛ لأنه مُنبَأ مُنْبِئ ومُشتَقٌّ أيضًا من النُّبوَّة؛ لعُلوِّ مَرتبة النَّبيِّين.
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ الأزواج جَمْع زوج، والزوج في اللغة العرَبية يُطلَق على الأُنثَى والذَّكَر، وفيه لُغة ولكِنها رَديئة قليلة تَقول للمَرأة: زَوْجة.
[ ٢٠٣ ]
ولكن هذه اللُّغةَ الرَّديئة القَليلة هي التي استَعمَلها الفَرضيون، فتقولون: زَوْجٌ. للذَّكَر، وزوجة. للأُنثَى من أجل البيان والإيضاح، وهذا أَمْر لا بُدَّ منه في باب الفَرائض.
وقوله ﵀: [﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ وهُنَّ تِسْع]، خمسٌ مِنهُنَّ قُرَشِيَّات وأربَع غير قُرَشِيَّات [وطلَبْنَ منه من زِينة الدُّنيا ما ليس عِنْده، طلَبْن منه نفَقة كِسوةً وغير ذلك ممَّا تُريده النِّساء من الرجال من الأموال، والنبيُّ ﵊ كما نَعلَم جميعًا كان قليلَ ذاتِ اليَدِ؛ لأنه كان يُنفِق ما عِنده ولا يُبقِي لنفسه شيئًا، فطلَبْن منه النفَقة وضَيَّقن عليه، وآلَى مِنهنَّ شهرًا كامِلًا (^١) اعتَزَلهُنَّ ثُم نزَل في آخِر الشَّهْر، فأَنزَل اللَّه ﷾ عليه هذه الآيةَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ إلى آخِره.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾: ﴿إِنْ﴾ شَرْطية، وفِعْل الشَّرْط (كان) ﴿كُنْتُنّ﴾، وجَواب الشَّرْط ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ الحياة الدُّنيا يَعنِي: مُتَعَها ﴿وَزِينَتَهَا﴾ ما فيها من الأموال والقُصور والمَراكِب وما أَشبَه ذلك.
وقوله ﷾: ﴿فَتَعَالَيْنَ﴾ تَعَالَيْن فِعْل أَمْر؛ لأنه تَلحَقه العَلامات، فإذا كانت تَلحَقه العَلامات فهو فِعْل أمرٍ؛ ولهذا يُقال: تَعالَيْن. ويُقال: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾، بخِلاف (هَلُمَّ) فإنها لا تَلحَقها العَلامات، فهي اسم فِعْل؛ فقوله
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب المظالم، باب الغرفة والعلية المشرفة وغير المشرفة، رقم (٢٤٦٨)، ومسلم: كتاب الطلاق، باب في الإيلاء واعتزال النساء، رقم (١٤٧٩)، من حديث عمر -﵁-.
[ ٢٠٤ ]
تعالى: ﴿فَتَعَالَيْنَ﴾ يَعنِي: أَقبِلنَ إليَّ.
وقوله تعالى: ﴿أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ أُمتِّعْكن هذه جَواب الطلَب في قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَيْنَ﴾ يَعنِي: أُعطِيكن مَتاعًا تَتمَتَّعن به ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ أُطلِّقَكن؛ لأن التَّسريح ضِدُّ التَّقييد، وهذا من الآداب العالية التي أَمَر اللَّه تعالى بها نبيَّه محُمَّدًا -ﷺ-، وإلَّا كان مُقتَضى الحال أن يَقول: إن كُنْتُن تُرِدْن الحياة الدُّنيا وزِينَتها فتَعالَيْن أُطلِّقَكن، ولا خيرَ فيمَن لا تُريد إلَّا الدُّنيا، ولكن من كَمال الرِّعَاية قال: أُمتِّعكن وأُسرِّحكن وأُعطِيكن مالًا تَتمَتَّعْنَ به وأُسرِّحكُنَّ: أُطلِّقكنَّ.
وقوله تعالى: ﴿سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ يَعنِي: ليس فيه عَداوة، وليس فيه بَغْضاءُ، وليس فيه حَجرٌ؛ لكن بعد ذلك؛ ولهذا لو أن هذا وقَع لكان يَحِلُّ لهن أن يَتزَوَّجْن بغيره؛ لأن هذا من السَّراح الجميل، إذَنْ لا فائِدةَ من كونها تَتسَرَّح من الرسولﷺ- ثُم تَبقَى مَحبوسةً، ولكن الأمر لم يَقَع.
وقوله تعالى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ أي: كل النِّساء كلهن.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: وُجوب تَخيير النبيِّ -ﷺ- زَوجاتِه؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن التَّخيير لا يَكون طلاقًا.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: حِماية اللَّه ﷾ لرسوله -ﷺ-، ودِفاعه عنه؛ حيثُ أَمَره أن يُخيِّر أزواجه هذا التَّخييرَ؛ لمَّا ضَيَّقْن عليه، وطَلَبْنَ منه النَّفقة.
[ ٢٠٥ ]
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن في ذلك حِمايةً لفِراش الرسول ﵊ من أن يَكون فيه مَن يُريد الحياة الدُّنيا وزِينَتَها.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: بَيانُ فَضَائِلِ أُمَّهات المُؤمِنين -﵅- لأنَّهن اختَرْن اللَّه تعالى ورسوله -ﷺ- والدار الآخِرة.
الْفَائِدَةُ السادِسَةُ: كمال خُلُق النبي ﵊ حيث أمَرَه اللَّه تعالى أن يَقول: ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾، بينما كان مُقتَضى الحال أن يُوبَّخن على ذلك، ويُؤَنَّبْن عليه، لكنه قِيل: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: حِلُّ زَوْجات النبيِّ -ﷺ- لغيره لَوِ اختَرْنَ الحياة الدُّنيا وزينتها؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾.
* * *
[ ٢٠٦ ]