* قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣].
* * *
"وَقِرْنَ" بالكَسْرة؛ ولهذا قال: [بكَسْر القاف وفَتْحها]، وهو من القَرار، وهو: التقاء مع السُّكون والاستِقرار، وهو أبلَغُ من قوله: وابقَيْن في بُيوتِكن؛ لأنَّ القَرارَ بَقَاءٌ وزِيادة مع سُكون؛ ولهذا قال ﵀: [﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ من القَرار وأَصلُه: اقرِرْنَ بِكَسْرِ الرَّاء وفَتْحها] اقرِرْنَ واقْرَرْنَ، [من قَرَرْتُ بفتح الرَّاء، وكسرِها قرَرْتُ وقَرِرْتُ، نُقِلت حرَكة الراء إلى القاف، وحُذِفت مع هَمْزة الوَصْل] فأَصْل قَرْن اقْرَرْن أوِ اقْرِرْنَ، فما الذي حدَث؟ نُقِلَتْ فَتْحة الرَّاء إلى القاف السَّاكِنة، وصارَت الراء ساكِنة، وصارت القاف مَفتوحة أو مَكسورة، ثُمَّ حُذِفَتْ هَمْزَةُ الوَصْلِ فصَارَتْ: ﴿وَقَرْنَ﴾.
وقوله ﷿: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾: ﴿بُيُوتِكُنَّ﴾ هنا للإضافة، يُحتَمَل أنها للتَّمليك، وأنَّ بُيوت زَوْجات رسول اللَّه -ﷺ- مِلْك لهُنَّ، ويُحتَمَل أنها للاختِصاص، وأنَّ البُيوت مِلْك لرسول اللَّه -ﷺ-، والأقرَبُ أنها للتَّمليك بدليل أنَّ النبيَّ -ﷺ- لمَّا تُوفِّيَ بقِيَتْ هذه البُيوتُ لزَوْجاته، ولو كانت البُيوتُ لرسول اللَّه -ﷺ- لم تُورَث من بعده،
[ ٢٢٥ ]
لأنَّ الأنبياءَ لا يُورَثون، كما قال النبيُّ ﵊: "إِنَّا مَعَاشِرَ الْأنبِيَاءِ لَا نُوْرَثُ مَا ترَكْنَا صَدَقَةٌ" (^١)؛ لأنه يُفسِد المَعنَى، الرَّافِضة يَقولون: إنَّ لفظ الحديث: إنَّا مَعاشِرَ الأنبياءِ لا نُورِثُ ما ترَكنا صدَقةً؛ لأَجل أن يَقولوا: إنَّ الذي ترَكوه غير صدَقة يُورَث، وأنَّ أبا بكر وعمرَ وبقيةَ الصحابة ظلَموا ورَثة النبيِّ -ﷺ- حيث لم يُورِّثوهم، لكنَّ أهل السُّنَّة والجماعة يَقولون: كذَبتم أيُّها الرافِضةُ، بل إنَّ لفظ الحديثِ: "إِنَّا مَعَاشِرَ الْأَنبِيَاءِ لَا نُوْرَثُ" فانتَهَتِ الجُملة الأُولى، ثُم قال مُبيِّنًا ماذا يَكون مَآل المال بعدهم، قال: "مَا ترَكْنَا صَدَقَةٌ"، أي: الذي ترَكْناهُ صدَقة.
والمعنى الذي ذهَبَت إليه الرافِضة باطِل؛ لأنَّ ما تُرِكَ صدَقة لا يُورَث، حتى في غير الأنبياءِ، يَعني: ما ترَكه الإنسان صدَقة بعد مَوْته لا يَرِثه ورَثَته، حتى ولو كان غير نَبيٍّ فهم محُرِّفون للحديث لَفْظًا ومعنًى، يَقولون: إننا لا نُورِّث الذي ترَكْناه صدَقةً، يَعنِي: إن مَعناها: إذا وقَفنا شيئًا مثَلًا نحن وجعَلْناه في سبيل اللَّه تعالى فإنَّنا لا نُورِّث هذا الشيءَ، إنما نُورِّث الأَمْلاك الأخرى، وهل هو خاصٌّ بالرسُل؟ لا، ليس خاصًّا بهم.
إِذَنْ: نَقولُ قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ الأقرَب أنَّ الإضافة للتَّمليك.
وقوله ﵀: [﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ﴾ بتَرْك إحدى التاءَيْن من أَصْله] (تَبَرَّجْن) فِعْل مُضارع، والدليل (لا) النَّاهية فإنها لا تَدخُل إلَّا على المُضارع، وإِلَّا فإنَّ كَلِمَة (تَبَرَّج) والنِّسَاءُ تَبرَّجْن، هذا فِعْلٌ ماضٍ، لكن في الآية: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ﴾، هذا فِعْل مُضارع، يَقول المُفَسِّر ﵀: [بتَرْك إحدى التاءَيْن، وأَصلُها: تَتَبَرَّجْن، هذا أَصلُها:
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب فرض الخمس، رقم (٣٠٩٣)، ومسلم: كتاب الجهاد والسير، باب قول النبي -ﷺ-: "لا نورث"، رقم (١٧٥٩)، من حديث عائشة -﵂-.
[ ٢٢٦ ]
ولا تَتَبرَّجْن، وحَذْف إحدى التاءَيْن في المُضارع كثير في القُرآن، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤] أي: تَتَلظَّى.
إذَنْ: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ﴾ فِعْلٌ مُضارع مَبنيٌّ على السُّكون، لاتِّصاله بنون النِّسوة في مَحَلِّ جَزْم بـ (لا) النَّاهيةِ.
وقوله ﵀: [﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ أي: ما قَبْل الإسلام] ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾، التَّبرُّج في الأصل مَأخوذ من التَّعالي والتَّرفُّع، ومنه البُرْج الحِصْن المَنيع الرَّفيع كما قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨]، وكما في قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١]، أي: جعَل فيها كُتَلًا عظيمة من النُّجوم كالبُروج المُشيَّدة.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ﴾ أَيْ: تَتَعالَيْن وتَتَرَفَّعْن باللِّباس وغيره.
وقوله ﷾: ﴿تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ هذا مَصدَر مُبيِّن للنَّوْع بالإضافة إلى الجاهِلية، قال ﷾: ﴿تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾، ومَعلوم أن المَصدَر يَكون لبَيان العَدَد وبيان النَّوْع والتوكيد وغير ذلك ممَّا ذكَرَه أهلُ العِلْم بالنَّحوِ، وقوله تعالى: ﴿تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ أَضافَه إلى (الجاهِلية)؛ لأنه مَبنِيٌّ على الجهْل والسفَهِ؛ لأنَّ المرْأَة إذا تَبرَّجَت فإنَّ ذلك يُعْتَبر جَهْلًا منها وسفَهًا؛ ولهذا أُضِيفَ إلى الجاهلية، ثُمَّ أُضِيفَ إِلى الأُولى، وهل المُراد الأُولى زمَنًا؟ أو الأُولى مَرتَبة؟ أو كِلاهما؟ يَعنِي: هل مَعنَى (الجاهِلية الأُولى): الأعظم جَهْلًا من نَوْعها، كما يُقال: هذا هو الأوَّلُ في الجَهْل، هذا هو الأوَّلُ في السفَهِ، هذا الأوَّلُ في الإسلام، هذا هو الأوَّلُ في الإصلاح، وما أَشبَه ذلك، أو المُرادُ بالأُولى الأُولى من حيثُ الزَّمَن أو كِلاهما؟
كِلاهما في الواقِع فهي جاهِلية من الطِّراز الأوَّل من الجَهْل، وهي جاهِلية أُولى؛
[ ٢٢٧ ]
لأنها سبَقَتِ الإسلام، ولا يَعنِي بذلك أنها الجاهِلية المُبَاشِرة للإسلام، لأنَّ الجاهِلية المُبَاشِرة للإسلام امتِدادٌ لجاهِلية سبقَت منذ زمَنٍ بعيدِ.
فالجاهِلية الأُولى استَمَرَّت إلى أن محَاها الإسلام بالعِلْم والتَّقوى والحَمْد للَّه تعالى، ولهذا قال تعالى: ﴿تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾، والمُراد بالإضافة هنا -كما قُلْت قبلَ قَليل- بَيان النَّوع، وما أَقبَح نوعًا يَكون جهلًا! وعلى هذا فالمُرادُ به التَّقبيح، تَقبيح هذا التَّبرُّجِ، وأنه تَبرُّجٌ مَبنيٌّ على الجَهْل والسفَهِ، والبُعْد عن الإيمان والعِلْم، والرُّشْد.
﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ أي: ما قَبْل الإسلام من إظهار النِّساء محَاسِنَهُن للرِّجال. نعَم؛ في الجاهِلية تَتَبرَّج المرأة، وتَخرُج بأَحسَن ما يَكون عِندها من اللِّباس والحُلِيِّ.
ولهذا قال اللَّه ﷿: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]، فهذا التَّبرُّج يَكون بنَوْع اللِّباس، ويَكون بالطِّيب، ويَكون بتَحسين البدَن بالحِنَّاء، والتَّحمير وتَسويد العَيْن بالكُحْل، وما يُسَمَّى عندنا في الوَقْت الحاضِر بالمكياج، وما يُسمَّى بالمَناكِير، وعلى هذا فقِسْ، كل هذا من التَّبرُّج الذي يُعتبر من تَبرُّج الجاهلية الأُولى.
ولهذا يَقول ﵀: [إنَّ إظهار النِّساء مَحَاسِنَهن للرِّجال، والإِظهارُ بعد الإسلام مَذكور في آية: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، رحِمَ اللَّه تعالى المُفَسِّر فإنَّ هذا ليس بصَواب منه، ما في الإسلام إظهار للزِّينة أبدًا، إلَّا في نَوْعين: النَّوْع الأوَّل: الإظهارُ العامُّ لكل أحَد، والنَّوْع الثاني: الإِظْهار الخاصِّ للبُعولة والمَحارِم.
[ ٢٢٨ ]
فالإِظْهار العامُّ؛ إلَّا ما ظهَر منها، والمُراد بما ظهَر منها، ما جرَتِ العادة بأنه لا بُدَّ من ظُهوره، كالجِلْباب والعَباءة وما أَشبَه ذلك، كما فسَّرَه بذلك ابنُ مَسعود -﵁- (^١)، فعلى هذا يَكون الاستِثْناء في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ استِثْناءً مُنقطِعًا ليس مُتَّصِلًا، لأنَّ ما ظهَر ليس من الزِّينة في الواقِع، فما ظهَر وما جرَتِ العادة بظُهوره ولا بُدَّ منه هذا أَمْر ليس من الزينة، حتى لو سُمِّيَ زينةً ولباسًا؛ فإنه لا بُدَّ من ظُهوره.
أمَّا الزِّينة الأُخرى التي خَصَّها اللَّه بقَوْمٍ مُعَيَّنين فقال: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ وهذه هي الزِّينة البَاطِنَة كالثِّياب التي تكون داخِل الجِلْباب والعَباءَة، وما أَشبَه ذلك، لا يُبْدِينَهُ إلَّا لبُعولَتِهن أو آبائِهن. . . إلى آخِره.
والحاصِلُ: أنَّ التَّبرُّج لم يَأذَنِ اللَّه تعالى فيه أبدًا، فالتَّبرُّج النهيُ عنه عامٌّ.
وأمَّا التَّزيُّن للزَّوْج فهذا أَمْر مَطلوب من المَرأة أن تَتَجمَّل لزَوْجها، لما في ذلك من تَأكيد الحِكْمة التي من أَجلِها شُرِعَ الزواج كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١].
ولا شَكَّ أن المرأة إذا تَجمَّلَت لزوجها بأنواع الجمال فإنَّ ذلك ممَّا يُوجِب سُكونه إليها، ومَودَّته لها، فيَكون هذا من باب تَأكيد الحِكْمة التي من أَجْلها شُرِعَ الزواج؛ ولهذا تُؤمَر المرأة بأن تَتَجمَّل لزوجها، كما أنَّ الزوج أيضًا كما قال بعض السَّلَف: إن مِن حقّها عليَّ أَنْ أَتَجَمَّل لها، كما أنَّ مِن حَقِّي عليها أن تَتَجمَّل لي، أمَّا أن يَأتيَ الزَّوج زوجَتَه كلابِسِ الخيشة، وما أَشبَه ذلك، ويُريد منها أن تُلائِمه، ويَقول: لمَ لا تَتَجمَّلين لي؟ ! وهو يَلبَس أَردَأَ اللِّباس، فهذا من غيرِ العَدْل!
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٩/ ٢٨٠)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٢٩٧).
[ ٢٢٩ ]
فالإنسان يَجِب عليه أن يُراعِيَ العَدْل في كل مُعَامَلاته، فالخُشونة في المَواضِع مثل: إذا ركِب الخَيْل فلْيَكُن خشِنًا، ولْيَلْبَسِ الجيْش والمِغفَر، لكن مع المرأة لا، فلِكُلِّ مَقامٍ مَقال.
وقوله ﷾: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ﴾ أَيْ: ائتِين بها مُسْتقيمةً، وذلك بفِعْل شُروطها وأركانها، وواجِباتها، ومُسْتَحَبَّاتها، لكن الإتيان بالثلاثة الأُولى على سبيل الوُجوب، وفي الرابع على سبيل الكَمال والاستِحباب.
وقوله تعالى: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ﴾ يَشمَل الفَريضة والنافِلة.
وقوله ﷾: ﴿وَآتِينَ الزَّكَاةَ﴾ أَيْ: أَعطينَها، والزَّكاة في اللُّغة النَّماء والزيادة، وفي الشَّرْع: مالٌ مُقدَّر مَخصوصٌ في مال المَخْصُوص، يَعنِي: جُزْء من أموال مخَصوصة يُدفَع لمُستَحقِّيه، أو: التَّعبُّد للَّه تعالى بإِخْراج جُزءٍ مَعلوم من المال على حَسب ما جاءَت به الشَّريعةُ، وهذا أَوضَحُ.
وقوله تعالى: ﴿وَآتِينَ الزَّكَاةَ﴾: (آتَين) تَنصِب مَفعولين، لأنها من باب كَسا وأَعطَى؛ فالمَفعولُ الأوَّل الزَّكاة والمَفعول الثاني مَحذوف، أي: مُسْتَحِقَّها، لأن إيتاء الزكاة لغير أهلها لا يَنفَع، كما لو صلَّى الإنسان في غير الوقت.
وقوله تعالى: ﴿وَآتِينَ الزَّكَاةَ﴾ بعد الأَمْر بإقامة الصلاة؛ فيه دليل على تَأكُّد الزكاة، وهل يَلزَمُ منه أنَّ أُمَّهات المُؤمِنين عِندهن مالٌ يُزكِّينه، إذا قُلْنا: لا يَلزَم. صار تَوجيهُ الخِطاب إليهن بإيتاء الزكاة من باب اللَّغوِ، لأنهم ستقولن: ما عِندنا مال. أو يُقال: أُمِرْنا بإيتاء الزكاة إمَّا التِزامًا، وإمَّا إعطاءً بالفِعْل، التِزامًا إذا لم يَكُن عندهن شيء، وإعطاءً بالفِعْل إذا كان عِندهن شيء، ولا شكَّ أنَّ عِندهن ما تَجِب
[ ٢٣٠ ]
الزكاة فيه، أو عند بَعضِهن من الحُليِّ كما في حديث أُمِّ سلَمةَ -﵂- أنها كانت تَلبَس أَوْضاحًا من ذهَب؛ فقالت: يا رسولَ اللَّهِ، أَكَنْزٌ هو؟ قال: "إِذَا أَدَّيْتِ زَكاتَهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ" (^١).
فهُنَّ عِندهن ما يُزكِّين به، قد لا يَكون دراهِمَ ودنانيرَ، ولكن من الحُليِّ.
وقوله تعالى: ﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أَطِعْنَ اللَّه، الطاعة قال العُلَماء ﵏: هي مُوافَقة الأَمْر. أي: عدَم المَعصية، فتُوافِقُ أمرَ المُطَاع إنْ كَانَ مَطْلُوبًا بالفِعْل، وإنْ كان مَنهيًّا عنه بالتَّرْك.
وقوله تعالى: ﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ عَطْف طاعة الرسول ﵊ على طاعة اللَّه تعالى بالواو؛ لأنَّ طاعة الرسول -ﷺ- من طاعة اللَّه تعالى، كما قال اللَّه تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾، وقد سبَقَ لنا مِرارًا وتَكرارًا: أنَّ المَسائِل الشرعية يَجوزُ أن يُقرَن فيها بين اللَّه تعالى وبين الرسول -ﷺ-؛ لأنَّ ما جاء به النَّبيُّ -ﷺ- من المَسائِل الشَّرْعية هو ممَّا أمَرَ اللَّه تعالى به.
وقوله تعالى: ﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ هل المُراد هنا طاعة التَّعبُّد؟ أم المُراد بها عدَم المُخالَفة؟ أمَّا بالنِّسْبة لطاعة اللَّه تعالى فهي طاعة التَّعبُّد، والتَّذلُّل ورجاء الثَّواب والخوف من العِقاب، وأمَّا طاعَةُ الرَّسول ﵊ فإنها طاعة بمَعنَى: مُوافَقة الأَمْر سَواء كان فيما يَأمُرُ به من الشَّرْع، أو فيما يَأمُر به من حوائِجه الخاصة؛ فإنَّ الرسول -ﷺ- يُوجِّه الأمر إلى أهله، إمَّا على سبيل العِبادة، ممَّا أَمَره اللَّه تعالى به، وإمَّا على سبيل الأمور الخاصَّة المُتعلِّقة به ﵊.
_________________
(١) أخرجه أبو داود: كتاب الزكاة، باب الكنز ما هو وزكاة الحلي، رقم (١٥٦٤).
[ ٢٣١ ]
وقوله ﵀: [﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ الإِثْم يا ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ أي: نِساء النبيِّ -ﷺ- ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ﴾ منه ﴿تَطْهِيرًا﴾].
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ﴾: ﴿إِنَّمَا﴾ هذه أداة حَصْر، والحصْر يَقول العُلَماء ﵏: مَعناه: إثبات الحُكْم في المَذكور، ونَفيُه عمَّا سِواه، والحَصْر هنا إضافِيٌّ أو حَقيقيٌّ؟ إضافيٌّ، لأنَّ اللَّه تعالى يُريد هذا وغيرَه.
فالإضافيُّ هو الذي لا يَكون مَحصورًا بحسب الواقِع في هذا الشيءِ.
والحَقيقيُّ هو الذي يَكون مَحصورًا في هذا الشيءِ، بحَسب الواقِع.
فإذا قُلْت: لا طَالِبَ يَلتَفِت إلَّا خالِدٌ. فإن كان لا يَلتَفِت غيرُه فهو حقيقيٌّ، وإن كان أحَد يَلتَفِت غيره فهو إضافيٌّ، وفائِدة الإضافيِّ: كأنَّ هذا الرجُلَ لكثرة التِفاته لا يَلتَفِت أحدٌ سِواه، كما لو قلت: لا شُجاعَ إلَّا خالدٌ. أي: خالد بن الوليد -﵁-؛ إضافيٌّ لأن هُناك شُجعانَ كَثيرين غير خالد بن الوليد -﵁-، ولو قُلْت: لا خاتَمَ للأنبياء سِوى محُمَّد ﵊، فهذا حقيقيٌّ؛ لأنه ليس هناك خاتَم للأَنبياء إلَّا مُحمَّد رسول اللَّه -ﷺ-.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ هل اللَّه ﷿ لا يُريد بأَهْل البيت إلَّا ذلك؟ الجوابُ: لا، بَلْ يُريد اللَّه تعالى بهم أَنْ يُذهِب عنهمُ الرِّجْس ويُطَهِّرَهم وأن يُنعِم عليهم، وأَنْ يُغْدِق عليهم بفَضْل. . . إلى آخِره.
وهل الإرادة هنا شَرْعية أو كَوْنية؟ الإرادة كَوْنية، وهذه هي الفائِدة منِ اختِصاص أَهْل البيت بذلك، أمَّا إرادة عدَم الرِّجْس فهي لكل أحَد من الناحِية الشَّرْعية.
[ ٢٣٢ ]
والإرادة -كما سبَق لنا- نَوْعان: إرادة شَرْعية وكَوْنية، وهل هما مُتلازِمان؟ لا، قد تُوجَد إحداهما بدون الأخرى، وقد تَجتَمِعان، فما هو الفَرْق بينهما حتى نَعرِف اجتِماعهما وافتِراقهما؟
أوَّلًا: الإرادة الكَوْنية تَتعَلَّق فيما يُحِبُّه اللَّه تعالى، وفيما لا يُحِبُّه، والإرادة الشرعية فيما يُحِبُّه اللَّه تعالى فقَطْ؛ فإذا قلتَ: يُريد أَيْ: شَرْعًا فمَعناه: يُحِبُّ.
ثانيًا: الإرادة الكَوْنية يَلزَم فيها وُقوع المُراد، والإرادة الشرعية لا يَلزَم فيها وُقوع المُراد.
إِذَنِ: الفَرْق من وَجْهين فقد تَجتَمِع الإرادتان في شيء، وقد تَنتَفيان جميعًا، وقد تُوجَد إحداهما دون الأخرى، فإذا سألنا شَخْصًا: ما تَقول في إيمان أبي بَكْر -﵁-؟ أهو مُرادٌ للَّه تعالى شَرْعًا أم كونًا؟ فالجَوابُ: كونًا وشَرْعًا؛ كونًا لأنه وقَع؛ وشَرْعًا لأن اللَّه تعالى يُحِبُّه، إِذَنِ: اجتَمَعَتِ الإرادتان.
وإذا قيل: ما تَقول في إيمان أبي لَهَبٍ؟ فالجَوابُ: غير مُراد كونًا ومُرادٌ شَرْعًا! فاللَّه تعالى يُريد منه أن يُسلِم.
وإذا قيل: ما تَقول في كُفر أبي بَكْر -﵁-؟ فالجَوابُ: غيرُ مُرادٍ كونًا؛ لأنه لم يَقَع، ولا شَرْعًا لأن اللَّه تعالى لا يُحِبُّه.
وما يُقال في كُفْر أبي لَهَب؟
الجَوابُ: مُرادٌ كونًا لا شَرْعًا؛ لأنَّ اللَّه تعالى لا يُحِبُّه.
فالكُفْر مُراد من اللَّه ﷾ كونًا، وأيُّ إنسان يَكفُر فقد أَراد اللَّه تعالى كُفْره كَوْنًا.
[ ٢٣٣ ]
أَمثِلة من القُرآن:
قال اللَّه تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
الإِرادة هذه شَرْعية؛ والدليل أنَّ اللَّه تعالى قد يُعسِر على الإنسان فلو كانت الإرادة كونية لكان في الواقِع تكذيب للآية، إِذَنْ: يُريد هنا بمَعنِى: محبُّ، محبُّ اللَّه تعالى بكُمُ اليُسْر، ولا يُحِبُّ العُسْر، وأمَّا كونًا فإن اللَّه تعالى يُريد بنا العُسْر قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥ - ٦].
قال اللَّه ﵎ عن نوحٍ ﵇: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤] أي: ﴿إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ هذه إرادة كونية، لأن اللَّه تعالى لا يُريد من خَلْقه الإغواءَ، والدليل أنه لا يُريد الإِغْواء قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]، وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٦].
قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾: ﴿لِيُذْهِبَ﴾ اللَّام هنا جاءت فِى مَفعول (يُريد)، والمعروف أن (يُريد) تَتَعدَّى بنَفْسها فتَقول: أَرَدْت كذا. ولا تَقول: أرَدْت لكذا.
إذَنِ: فاللَّام هنا زائِدة من حيث المَعنى، يَعنِي: من حيث الإعراب زائِدة، والتَّقدير: إنما يُريد اللَّه أن يُذهِب عنكم الرجْس، فاللَّام يَقول النَّحويون: إنها زائِدة.
وقوله ﷾: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾، يَقول المُفَسِّر ﵀: [الإِثْم]، والصوابُ أنَ الرجْس هو النَّجاسة لأنَّ الرِّجْس فى الأصل النَّجَس، سَواءٌ كان نَجاسهَ مَعنَوية أو نَجاسة حِسِّية.
[ ٢٣٤ ]
فمِن الرِّجْس بالمَعنى الحِسِّيِّ بالنَّجاسة الحِسِّيَّة، قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٥].
وأمَّا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠]، فهذا رِجْسٌ مَعنَويٌّ.
وهنا في قوله ﷾: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ الرِّجْس المَعنَويُّ؛ لأنَّ الرِّجْس الحِسِّيِّ ما أَراد اللَّه ﷾ أن يُذهِبه عنهم، بل هو مَوْجود فيهم، هم يَبولون ويَتَغوَّطون وبَولُهم نَجِس، وغائِطهم نَجِس، إذَنْ: فالمُراد بالرِّجْس الذي أَراد اللَّه تعالى أن يُذهِبه عن أهل البيت هو الرِّجْس المَعنَوِيُّ، وهو السافِل من الأخلاق والأعمال.
وقوله تعالى: ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ أَفادَنا المُفَسِّر ﵀ بقوله: [يَا ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾] أنَّ أهل مَنصوب على النِّداء، وحُذِف منه حَرْف النِّداء.
ومَن المُراد بأَهْل البيت؟
الجَوابُ: لا شَكَّ أنَّ المُراد به نِساء الرسول ﵊؛ لأنَّ الآياتِ كلَّها في سِياق نِساء الرسول ﵊؛ قال تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٢ - ٣٤].
[ ٢٣٥ ]
فلا شَكَّ أنَّ المُراد بذلك نِساء الرسول ﵊.
وهل يُنافِي ذلك ما ثبَت عن النبيِّ ﵊ من أنه وضَع الكِساء على عَليٍّ وفاطِمةَ والحسَن والحُسَيْن -﵃-، وقال: "هَؤُلَاءِ أَهْلُ الْبَيْتِ اللَّهُمَّ فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا" (^١)؟
نَقول: لا يُنافيه؛ لأنَّ هؤلاءِ أهلُ البيت من حيثُ القَرابة، وهؤلاء أهلُ البَيْت من حيث الزَّوْجية، فكلُّهم أهلُ البيت بلا شَكٍّ، لا أهلُ عَليٍّ -﵁-، بل إن آل البيت أعمُّ من هَؤلاء الأربعةِ؛ لأنَّ أهل البيت تَشمَل كل مَن تَحرُم عليهمُ الصدَقة من بني هاشِمٍ، فدخَل فيهم آلُ عِليٍّ وآلُ جَعفَرٍ وآلُ العَبَّاس وآلُ الحارِث ابنِ عبد المُطَّلِب، وكل مَن كان من ذُرِّية هاشِمٍ فالرسول -ﷺ- مُحمَّدُ بنُ عبد اللَّه بنِ عبد المُطَّلِب بن هاشِمٍ، فكُلُّ مَن كان من آلِ هاشِمٍ فإنه من آل البَيْت لا تَحِلُّ له الصدَقة.
وعلى هذا فنَقول: إنَّ تَفسيرنا لأهل البيت هنا بأنَّهن زَوجاتُ الرسول -ﷺ- الذي يُعيِّنه السِّياق، خِلافًا للرافِضة الذين أَخرَجوا الكلام عن سِياقه، وجعَلوا كلام اللَّه ﷿ عِضِين مُتفرِّقًا، فقالوا: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ يُريد بهم آلَ البيت الأربعة فقَطْ، وأمَّا زوجاتُ الرسول ﵊ فإنه لا يُريد اللَّهُ تعالى ليُذهِب عنهمُ الرِّجْس؛ ولهذا يَرمُون عائِشةَ -﵂- بالفَحْشاء -والعِياذُ باللَّه- ولا يُبالون بذلك.
وأنا سمِعْت شَريطًا للأخِ إحسان إِلَهي ظَهير يَرُدُّ على رجُل من الشِّيعة،
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد (٦/ ٢٩٢)، والترمذي: كتاب المناقب، باب ما جاء في فضل فاطمة -﵂-، رقم (٣٨٧١)، من حديث أم سلمة -﵂-.
[ ٢٣٦ ]
ويَتكلَّم على هذه الآيةِ بشِدَّة وبقُوَّة، يَقول: إنَّ الذي يَصرِف الآية هذه لآل البيتِ الأربعة، لا يَعرِف اللُّغة العرَبية ولا يَعرِف أساليبَ الكَلام، إِذْ كيف إنه يُخرِج الآيةَ هذه من بين الآيات كُلِّها المُحيطة بها، والتي تُوَجَّه إلى أُمَّهات المُؤمِنين، ثُم يُخرِج هذه الآيةَ! .
وأَقول: إن قولَه: (آلُ البَيْت) هنا وفي أصحاب الكِساء الأربعة، وفي آلِ البيت الذين لا تَحِلُّ لهم الصدَقة، كلُّها لا يُنافِي بعضها بعضًا.
ولذلك كان القول الراجِحُ: أنَّ زوجاتِ الرَّسول ﵊ لا تَحِلُّ لهنَّ الصدَقة، لقول الرَّسول ﵊: "إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لآلِ مُحَمَّدٍ" (^١) وزوجاته بلا شَكٍّ من آله، كما في هذا الحديثِ، وعلى هذا فإننا نَقول: إنه لا تَعارُضَ بين الأَدِلَّة.
ونَظير ذلك: أن الرسول -ﷺ- سُئِل ما هو المَسجِد الذي أُسِّس على التَّقوى من أوَّل يوم؟ فقال: "مَسْجِدِي هَذَا" (^٢)، مع أنَّ المَسجِد الذي أُسِّس على التَّقوى من أوَّل يوم هو مَسجِد قُباءٍ أيضًا، كلٌّ منهما أُسِّس على التَّقوى من أوَّل يوم، فإنَّ الرسول ﵊ أَسَّس مَسجِده من أوَّل يَوْم قدِمَ، وكان الصحابة -﵃- كلٌّ منهم يَقول: النُّزول عِنْدي، النُّزول عِندي، النُّزول عِندي. فتقول: "دَعُوهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ" يَعنِي: ناقَته، فلمَّا وصَلت إلى مَكان مَسجِده برَكَت، فزَجَرها النبيُّ -ﷺ-،
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد (٢/ ٢٧٩)، من حديث أبي هريرة -﵁-. وأصله في الصحيحين؛ أخرجه البخاري: كتاب الزكاة، باب أخذ صدقة التمر عند صرام النخل، رقم (١٤٨٥)، ومسلم: كتاب الزكاة، باب تحريم الزكاة على رسول اللَّه -ﷺ- وعلى آله، رقم (١٠٦٩).
(٢) أخرجه مسلم: كتاب الحج، باب بيان أن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد النبي -ﷺ- بالمدينة، رقم (١٣٩٨)، من حديث أبي سعيد الخدري -﵁-.
[ ٢٣٧ ]
فقامت ثُمَّ التَفَتَت يَمينًا وشِمالًا، ثُمَّ رجَعَت إلى مَكانها الأوَّل فبَرَكت، فقال النبيُّ ﵊: "المَنْزِلُ هَاهُنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ" (^١)، ثُم نزَل، وكان أَقرَبُ البُيوت إليه بيتَ أبي أيُّوبَ -﵁- فذهَب إليه من أوَّل يوم نزَل وهو شارع في تَخطيط المَسجِد.
ولهذا يَنبَغِي للمَسؤُولين في البلَديات وفي الأَوْقاف أن يَجعَلوا أكبَرَ هَمِّهم في المُخطَّطات الجديدة وَضْع المَساجِد، فيَعتَنُوا بها قبل كل شيء.
على كل حال إني أَقول: إنَّ وَصْف الشيء بصِفَة، ووَصْف غيره بصِفة لا يَقتَضِي أن يَكون ذلك تَناقُضًا، بل كل منهما له نَصيبٌ من هذا الوَصْفِ، وقوله تعالى: ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾: (البَيْت) هنا (أل) للعَهْد الذِّهْني، يَعنِي: أهل البَيْت المَعهود المَعروف، وهو هذا البيتُ الطاهِر بيت رسول اللَّه -ﷺ-.
قال ﵀: [﴿وَيُطَهِّرَكُمْ﴾ مِنْه] أَيْ: من الرِّجْس ﴿تَطْهِيرًا﴾، و(تَطهيرًا) هنا مَصدَر طهُر، مَصدَر للفِعْل السابِق، والمُراد به التَّوْكيد، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾.
والتَّطهير من الرِّجْس أبلَغُ من ذَهاب الرِّجْس؛ لأنَّه بعد ذَهاب الرِّجْس قد يَبقَى له أثَرٌ، فإذا قال: يُذهِبه ويُطهِّركم، صار ذلك أبلَغَ؛ لأنه يَذهَب ذلك الرِّجْسُ ويَطهُر مَكانه بحيث لا يَبقَى له أثَرٌ.
ولا رَيبَ أنَّ بيت الرسول ﵊ أبعَدُ البُيوت عن الرِّجْس، وأطهَرُ البيوت من الرِّجْس، هذا لا يَشُكُّ فيه مُؤمِن أبدًا، وكلُّ مَن قدَح في بيت الرسول ﵊ في زوجاته فإنه يُعتبر قادِحًا بالرسول ﵊، لأنَّ اللَّه تعالى
_________________
(١) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/ ٤٩٥)، ودلائل النبوة للبيهقي (٢/ ٥٠١).
[ ٢٣٨ ]
يَقول في القُرآن الكريم: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور: ٢٦].
ونحن نَعلَم عِلْم اليقين أنَّ اللَّه ﷾ ما كان ليَختارَ لنَبيِّه إلَّا أفضَلَ نِساء العالمَين بلا شَكٍّ، وقد ثبَتَ في كِتاب اللَّه ﷾ بَراءَة عائِشةَ -﵂- ممَّا رماها به أصحاب الإِفْك من المُنافِقين، وغيرهم ممَّنِ انخَدَعوا من المُسلِمين، عفا اللَّه تعالى عنهم.
وقد قال اللَّه في حادِثة الإِفْك: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ [النور: ١٥ - ١٦]، يَعنِي: هلَّا إذا سمِعتُموه ﴿قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾: ﴿مَا يَكُونُ﴾ يَعنِي: يَمتَنِع غاية الامتِناع، أن نَتكلَّم بهذا ﴿سُبْحَانَكَ﴾ تنزيهًا لك ﴿هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾، فانظُرْ كيف قال تعالى: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ فالتَّنزِيه في هذا الأمرِ يَعني: نُنزِّهُك يا ربَّنا أن يَقَع ذلك في إحدى أُمَّهات المُؤمِنين، زَوجات خاتَم النَّبيين ﵊، ولهذا قال تعالى: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ يَعنى: تَنزيهًا لك أن يَقَع مثل هذا في زَوْجات نبيِّك ﵊.
هذا التَأكيدُ العَظيمُ نرَى الآنَ ممَّن يَنتَسِبون للإسلام، وهم بَريئُون منه، والإسلام مِنهم بَراءٌ، يَقولون: إن عائِشةَ -﵂- والعِياذُ باللَّهِ- بَغِيٌّ ومَع ذلك قد برَّأَها اللَّه تعالى من ذلك في القُرآن الكَريم، فمَن قذَف واحِدة من زَوْجات الرسول ﵊ عائِشةَ -﵂- أو غيرها فهو كافِر بلا شَكٍّ، ويَجِب أن يُقتَل ولو تاب، إن تاب تَوْبة نَصوحة فهي بينَه وبينَ اللَّه تعالى، لكن نحن علينا أن نَغارَ لِرَسُول اللَّه -ﷺ-، وأن نَقتُل هذا الذي قذَف واحِدة من أُمَّهات المُؤمِنين.
[ ٢٣٩ ]
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: مَشروعية قَرار المرأة في بَيْتها؛ لأنَّ القول بوُجوب القَرار، يُخالِفه ما جاء في السُّنَّة من الإِذْن للنِّساء بالخُروج، لكن بدون تَبرُّج.
وعلى هذا فنَقُول: (مَشروعِيَّة)؛ لأنَّ كلِمة (مَشروعية) تَتَّسِع للواجِب والمُستَحَبِّ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ بُيوت أزواج النبيِّ -ﷺ- مِلْك لهُنَّ؛ لقوله ﷾: ﴿فِي بُيُوتِكُنَّ﴾.
فإن قال قائِل: الإضافة هنا للاختِصاص وليست للتَّمليك، كما تَقول السَّرْج للدابَّة، والمقود للبعير، وهل هي تمَلِكه؟
لو قال قائِل ذلك بأنَّ الإضافة هنا للاختِصاص، وأنَّ بُيوت أزواج النبيِّ -ﷺ- للنبيِّ -ﷺ-؟
فالجَوابُ: أن نَقول: إن الواقِع يُخالِف ذلك؛ لأنَّ هذه البُيوتَ لو كانت للرَّسول -ﷺ- ما بقِيَتْ مع أُمَّهات المُؤمِنين بعد موته، إذ إِنَّ النبيَّ -ﷺ- لا يُورَث.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الفائِدة المَأخوذة من الإضافة ﴿فِي بُيُوتِكُنَّ﴾، فإن فيها الإِغْراء على لُزوم البَيت؛ لأنه بَيتُها وسِترُها، يَعنِي كلِمة ﴿فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ أَبلَغُ من كلِمة: (وقَرْن فِي البُيوت) كأنَّه يَقول: هذا البَيْتُ ما بُنِيَ إلَّا لكِ، سَترًا لكِ وصَونًا، فالْزَمي هذا البيتَ الذي من أَجلِكِ بُنِيَ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: تحريم تَبرُّج الجاهِلية؛ لقوله ﷾: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾.
[ ٢٤٠ ]
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: جواز التَّبرُّج إذا كان مَبنيًّا على العِلْم والسُّنَّة؛ لأن المَنهيَّ عنه هو تَبرُّج الجاهِلية؛ ولهذا يَجوز للمَرأة أن تَتَبرَّج في بعض المَواضِع، وليس حرامًا عليها كُلُّ تَبرُّج.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: ذمُّ الجَهْل؛ لقوله تعالى: ﴿تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ فإنَّ نِسْبَة هذا إلى الجهْل لا شَكَّ أنه يُراد به التَّنفير.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: مَدْح ما كان مَبنيًّا على العِلْم؛ لأنَّ ذم الضِّدِّ يَدُلُّ على مَدْح ضِدِّه، كما قيل:
. . . . . . . . . . . وَبِضِدِّهَا تَتبَيَّنُ الْأَشْيَاءُ (^١)
فإذا كان التَّبرُّج المَبنيُّ على الجهْل مَذمومًا؛ فإنَّ ما بُنيَ على العِلْم ليس مَذمومًا.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنه يَنبَغي عند الإغراء أو التَّحذير أن يُذكَر كلُّ وَصْف يَسْتَلْزِمُ الإغراءَ، أو التحذيرَ؛ لقوله ﷿: ﴿تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ الأُولى -كما قُلنا فيما سبَق- زمَنًا أوِ الأُولى نوعًا.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: وُجوب إقامة الصلاة على النِّساء، كما هو واجِب على الرِّجال؛ لقوله ﷾: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ﴾، ووجوب إِيتاء الزَّكاة؛ لقوله ﷾: ﴿وَآتِينَ الزَّكَاةَ﴾.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: الإشارة إلى أنَّ إقامة الصلاة وإِيتاء الزَّكاة من المَوانِع عن المُحَرَّمات نعَمْ؛ لأنه ﷾ قال: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ﴾، ثُم قال: ﴿وَأَقِمْنَ﴾ فدلَّ هذا على أنَّ مِن أسباب عدَم التَّبرُّج إقامةَ الصلاة، ولا رَيبَ في هذا؛ لأن اللَّه ﷿ يَقول:
_________________
(١) البيت للمتنبي، انظر: ديوانه (ص: ١٢٧).
[ ٢٤١ ]
﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، ويَقول ﷿: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥].
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: فَضيلة إقام الصلاة وإيتاء الزكاة؛ تُؤخَذ من الأَمْر بهذا، ثُمَّ بعد ذلك قال ﷾: ﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، وطاعة اللَّه تعالى ورسوله -ﷺ- يَدخُل فيها إقامةُ الصلاة، وإيتاءُ الزكاة؛ فالنَّصُّ على بعض أفراد العامِّ يَدُلُّ على العِنَاية به، سواءٌ تَقدَّم الخاصُّ أو تَأخَّر، فمثَلًا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧]، هذا تَقدَّم الخاصُّ على العامِّ، قوله ﷾: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ وهذا من فِعْل الخَيْر، ثُمَّ قال تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾، ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر: ٤]، هذا من باب تَقدُّم العامِّ على الخاصِّ، وسَواءٌ تَقدَّم العامُّ على الخاصِّ، أو تَأخَّر فإنَّه يَدُلُّ على العِناية بالخاصِّ، ولهذا نَصَّ عليه من بين أفراد العامِّ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: وُجوبُ طَاعَةِ اللَّه تعالى ورسوله -ﷺ-، لقوله تعالى: ﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أنَّ طاعة الرسول -ﷺمن طاعة اللَّه تعالى؛ للعَطْف بالواو الدالَّة على الاشتِراك، وقد قال اللَّه ﷾ في القُرآن الكريم: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠].
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أن اللَّه ﷿ أَراد بحِكْمته البالِغة أن يُذْهِبَ الرِّجْس عن آل البيت؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: أنَّ الخُضوع بالقَوْل وأن تَبرُّج الجاهلية من الرِّجْس، وأنَّ القرار في البُيوت وإقامَ الصلاة وإيتاءَ الزكاة وطاعةَ اللَّه ﷿ ورسوله -ﷺ -
[ ٢٤٢ ]
من أسباب زَوال الرِّجْس؛ لأن ما تَقدَّم أوامِرُ ونَواهٍ، بيَّن اللَّه تعالى أنه إنما أمَرَ بها ونهَى عنها، من أَجْل أن يُذْهِبَ عن هذا البَيتِ الرِّجسَ، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: أنَّ زوجاتِ الإنسان من آل بَيْته.
فإذا قال قائِلٌ: هذا وَقْف على آل بيتي. شمِلَ النِّساءَ، وإذا قال في الأُضحِيَّةِ: اللهُمَّ إن هذا عنِّي وعن أهل بيتي. شمِلَ النساءَ؛ لأنَّ اللَّه تعالى جعَل زوجات الرسول -ﷺ- من آل بَيْته.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: تَفخيم هذا البيت وتَعظيمه، لقوله تعالى: ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾؛ لأنَّ (أل) للعَهْد الذِّهْنيِّ، كأن هذا البيتَ مَعهود مَعلوم بأَذْهان الناس، لا يَغيب عنها، لمِا لهذا البَيتِ من المَكانة الرفيعة، والخِصْلة الحميدة.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنهَ عَشْرَةَ: أنَّ اللَّه ﷾ أَرادَ أن يُذْهِبَ الرِّجْس وأثَرَ الرِّجس أيضًا، الرِّجْس وأثَره، يُؤخَذ من قوله تعالى: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، وهذا فوق ذَهاب الرِّجْس، لأننا لو ضَرَبنا هذا بمِثال حِسِّيٍّ، وقُلنا: إنَّ هذا الثوبَ تَلَطَّخَ بنَجاسة، فحَكَكْنا هذه النَّجاسةَ حتى زالَت عَينُها فهذا يُسمَّى إذهابَ الرِّجْس، فإذا صبَبْنا الماء حتى نَظُف المكان تمَامًا، وزال الأثَرُ صار ذلك تَطهيرًا؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح في دُعاء الاستِفْتاح: "اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْني وَبَيْنَ خَطَايايَ، كَما بَاعَدْتَ بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّني مِنْ خَطَايايَ كَما يُنَقَّى الثَّوْبُ الْابيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْني مِنْ خَطَايايَ بِالماءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ" (^١)، فذكَر المُباعَدة أوَّلًا قبل التَّلبُّث
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الأذان، باب ما يقول بعد التكبير، رقم (٧٤٤)، ومسلم: كتاب المساجد، باب ما يقال بين تكبيرة الإحرام والقراءة، رقم (٥٩٨)، من حديث أبي هريرة -﵁-.
[ ٢٤٣ ]
بالخَطِية، ثُم ذكَر التَّنقية من الخَطِية بعد التَّلبُّث بها، ثُمَّ ذكَر أبلَغَ من ذلك وهو الغَسْل، غَسْل هذه الخطِيةَ وآثارَها بالماء والثَّلْج والبَرَد.
والحاصِلُ: أننا نَقول: إن قوله تعالى: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ هذا فَوْق إذهاب الرِّجْس.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: إثبات الإِرادة للَّه تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾.
الْفَائِدَةُ العِشْرُون: أنَّ البيت المُطَهَّر من الرِّجْس، سواءٌ بيتُ الرسول -ﷺ- أو غيره من البُيوتات؛ فإنَّ البَيْت المُطَهَّر يُعتَبر من أفضَل البُيوتات، ويُعتَبر تَطهيرُه من أكبَر النِّعَم عليهم، يُؤخَذ من أنَّ اللَّه تعالى امتَنَّ بذلك على آل بيت الرسول -ﷺ-، وهذا شيء مَعلوم في الناس، فالناس مَعادِن كمَعادِن الذَّهَب والفِضَّة، فمِنَ الناس مَعدِن خَبيث، ومن الناس مَعدِن طَيِّب.
ولهذا لو أن أحَدًا تَلبَّس برِجْسٍ من الأرْجَاس من قَبيلة طيبة فالناس يَستَغْرِبونه ويَستَنكرونه، ويَرَوْن هذا أشَدَّ، لكن لو تَلبَّس أحَد برِجْس من الأَرْجاس، وهو من قبيلة مَعروفة بذلك، فلا يَستَغرِبون، ويَقولون: إن الغُصْن من الشَّجَرة، وليس هو بغريب أن يَفعَل مثل هذا الفِعْلِ؛ لأنَّ آباءَه وإخوانه وأعمامه، وما أَشبَه ذلك فعَلوا مثله، ولا شَكَّ أنَّ اللَّه تعالى إذا مَنَّ على آل بيتٍ من البُيوت بالتَّطهير والكرَم والنَّظافة والنَّزاهة؛ فإنَّ ذلك مِن نِعْمَة اللَّه تعالى عليه.
واعلم أنَّ اللَّه تعالى قد يَجعَل على يَدِ الشَّخْص الواحِد طَهارة كلِّ قبيلته، كما هو مُشاهَد يَخرُج رجلٌ واحِد صالِحٌ مُصلِحٌ يُنذِر عَشيرته الأقرَبين، ويَحرِص على دَعْوتهم إلى الحَقِّ، فيُصلِح اللَّه تعالى على يَديه كلَّ قَبيلته، إذا جاء ذلك بإِخْلاص
[ ٢٤٤ ]
وبامتِثال لأَمْره ﷾ في قوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]، لكن عندنا تَفريط وإِهْمال، فالإنسان لا يَتفَقَّد أهلَه الذين في بيته، ولا يَتفَقَّد أهلَه قرابته الذين في غير بَيْته، فهذا هو الواقِع، يَعنِي: الناس الآنَ غايةُ ما يَتواصَلون به إن تَواصَلوا به في الأمور الدُّنْيوية، لكن هدايا الدِّين ما أَقلَّها! وإن كان -والحمدُ للَّه تعالى- يُوجَد، وأنا لا أَقول: إِنَّني أُقنِّطُكم من رحمة اللَّه تعالى، يُوجَد -والحمدُ للَّه تعالى- مَن إذا رأَى في بَيْت أقارِبه ما يُكرَه يَنصَحُهم ويُرشِدهم، ويُبيِّن لهم ذلك، ورُبَّما بعضُ الناس يَهْجُرهم، ما يَذهَب إليهم، كلُّ هذا من أَجْل الحِرْص على تَقويمهم.
* * *
[ ٢٤٥ ]