* قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٠].
* * *
ثُمَّ قال اللَّه تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾: ﴿مَا﴾ نافِية، وهل هي حِجازية أو غير عامِلة؟
الجَوابُ: غير عامِلة؛ لأنَّ العمَل لـ (كان) وليس لها، ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ﴾ يَعنِي: رسولَ اللَّه -ﷺ- ﴿أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾، لم يَقُلْ: ما كانُ رسول اللَّه. بل قال: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ﴾ فتَحدَّث عنه باعتِباره شَخصًا من النَّاس، ثُمَّ قال بعد ذلك: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾، فأَثبَت له الرِّسالة.
وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾: ﴿أَبَا﴾ بالأَلِف؛ لأنَّها خبَرُ (كان)، قال ﵀: [﴿أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ فليس أبا زَيدٍ -﵁-؛ أي: والِده، فلا يَحرُم عليه التَّزوُّج بزَوْجته زَينبَ].
قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ تَبنِّيًا، ووِلادة أيضًا؛ لأن أبناء الرسول -ﷺ- الثلاثة تُوُفُّوا قبل أن يَبلُغوا الرُّجولة، كلُّهم تُوُفُّوا وهُمْ صِغار، وقال بعضُ أهل العِلْم ﵏: إن المُراد: أبا أحَدٍ من رِجالكم تَبنِّيًا؛ لأنه تعالى قال: ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾، فأَضاف الرِّجال إليه، ولم يَقُل: أبا أحَدٍ من الرِّجال.
[ ٣١٦ ]
وعلى هذا فلا يَكون في الآية دَليل على أنَّه ليس أبًا لأحَد من الرِّجال نَسَبًا وتَبنِّيًا، وهذا هو الأقرَبُ: أن المُراد: أبا أحَد من رِجالكم تَبنِّيًا؛ لأَجْل أن يَنفِيَ ما كان مَعروفًا عندهم من أنَّ زَيدَ بنَ حارِثةَ -﵁- ابنٌ لرسول -ﷺ-.
وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ تَقدَّم فيما سبَق في قوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ أنَّ بعض السَّلَف قرَأَ: "وَهُوَ أَبٌ لَهمْ" فكيف يُجمَع بَينَه وبين هذه الآيةِ؟
الجَمْع بينهما أن يُقال: هنا ليس أربا أحَدٍ من الرِّجال بالتَّبنّي، ولكنه أبٌ للمُؤمِنين باعتِبار التعليم والتَّوْجيه والإرشاد.
وقوله ﷾: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلَكِنْ﴾ كان ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾] أَفادَ المُفَسِّر ﵀ أن ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ مَنصوبة بفِعْل مَحذوف تَقديرُه: كان رسولَ اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿رَسُولَ﴾ بمَعنَى: مُرسَل، أي: مُرسَل اللَّهِ ﷿ لعِباده، ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ يَعنِي: وكان خاتَمَ النَّبيِّين، قال: [فلا يَكون له ابن رجُلٌ بعدَه يَكون نَبيًّا] وهذا التَّفسيرُ الذي ذهَب إليه المُفَسِّر ﵀ فيه نظَر؛ لأنه يَقول: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ إِذَنْ ليس له ولَدٌ بعده يَكون رجُلًا فيَكون نَبيًّا، وهذا بِناءً على أنَّه يَلزَم أن يَكون ابنُ نَبيٍّ بعدَه نبيًّا، وهذا ليس بلازِم، فإنَّ بعض الأنبياء ﵈ ليس كلهم أولادُهم أنبياءُ، صحيح أنَّ كثيرًا من الأنبياء ﵇ صار أولادُه أنبياءً كإبراهيمَ ﵇ مثَلًا، ولكن لا يَعنِي ذلك أن جميع الأنبياء ﵈ يَلزَم من كونهم أَنبياءَ إذا خلَّفوا أَولادًا أن يَكونوا أنبياءً، ولكن معنى قوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ أنه لا نَبيَّ بعده، هذا مَعنَى الآية التي لا يُحتَمَل غيرُه.
[ ٣١٧ ]
وقوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ﴾ فيها قِراءَتان إحداهُما بالكَسْر والثانية بالفَتْح، وهي عِندي في التفسير بالكَسْر "وخاتِم النَّبيِّين" على أن (خاتِم) اسمُ فاعِل، يَعنِي: الذي يَختِمُهم، قال: [وفي قِراءة بفَتْح التاء، كآلة الخَتْم، أي: به خُتِموا] ففَتْح التاء ﴿وَخَاتَمَ﴾ والخاتَم ما يُختَم به الشيء، مثل الخاتَم الذي يَكون في الإِصبَع، وكُتِب عليه اسمُ صاحِبه، فإذا أَراد أن يَختِم الكِتاب ختَمَه بهذا الخاتَمِ، والنبيُّ -ﷺ- خاتِم وخاتَم، فهو خاتِم؛ لأنه آخِرُهم، وخاتَم كأنه طَبْع على الرِّسالات، بعد ذلك فلا يُمكِن أن يَأتِيَ بعده رِسالة، وهذه هي فائِدة القِراءَتَيْن.
وقوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ هذا كما ترَوْن في القُرآن، وفي السُّنَّة أيضًا أدِلَّة كثيرة تَدُلُّ على أنه خاتَم الأنبياء ﵊، وعلى هذا فلا نَبيَّ بعدَه.
فإن قلتَ: ألَمْ يَثبُت أنَّ عيسى ﵊ يَنزِل في آخِر الزمان وهو نَبيٌّ؟
فالجَوابُ: بلى، يَنزِل وهو نَبيٌّ، لكن نُبوَّة عيسى ﵇ لم تَتجدَّد بعدُ، بل كان نبيًّا من قَبلِ أن يُرفَع، ولم يَتجَدَّد له نُبوَّة بعد نُبوَّة النبيِّ -ﷺ-، فكان النبيُّ -ﷺ- خاتَمَ الأنبياء، وهل يَأتي عِيسى ﵇ بشَريعة جَديدة؟ لا.
فإن قُلتَ: أَلَيْس يَضَع الجِزْية، ويَكسِر الصَّلِيب، ويَقتُل الخِنزير، ولا يَقبَل إلَّا الإسلام؟
فالجَوابُ: بلى! وهذه الأحكامُ مخُالِفة لحُكْم الشَّريعة الآنَ، فهل مَعنَى ذلك بأنه يَأتي بأحكام مُتجَدِّدة؟
الجَوابُ: لا؛ لأنَّ إخبار النَّبيِّ -ﷺ- بذلك (^١) يَكون إقرارًا له، فيَكون هذا من سنَّة
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب البيوع، باب قتل الخنزير، رقم (٢٢٢٢)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب نزول عيسى ابن مريم حاكمًا بشريعة نبينا محمد -ﷺ-، رقم (١٥٥)، من حديث أبي هريرة -﵁-.
[ ٣١٨ ]
الرسول -ﷺ-؛ لأنه من المَعلوم أنَّ سُنَّة الرسول ﵊ هي قوله وفِعْله وإقرارُه، فإذا قال ذلك عن عِيسى ﵇ مُقرِّرًا له صار ذلك من سُنَّته، وحينئذ فلم يَأتِ عِيسى ﵇ بنُبوَّة جَديدة، ولم يَأتِ بتَشريع جَديد، ولا إِشْكالَ في ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾: (كان) هنا مَسلوبة الزَّمان، وإنَّما يُؤتَى بها لتَحقُّق الصِّفة، وهي العِلْم، قال ﵀: [﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ منه بأَنْ لا نَبيَّ بعدَه] يَعنِي: من العِلْم الذي عَلِمه اللَّهُ تعالى أنه لا نَبيَّ بعده؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ يَشمَل حتى أعمال بَني آدَمَ؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق: ١٦]، قَبْل أن يَعمَله.
قال ﵀: [وإِذا نزَلَ السَّيِّد عِيسَى يَحكُم بشَريعتهم] قوله ﵀: [إذا نَزَل السَّيِّد] واللَّه ما وصفه بهذا، ففي سورة آل عمرانَ: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ [آل عمران: ٤٦] قال: ﴿وَجِيهًا﴾ لكن ما قال: سَيِّد.
وعلى كل حالٍ: أنا أَخشَى أنَّ هذه الكلِمةَ دخَلت على المُفَسِّر من عِبارات النَّصارى؛ لأنَّهم دائِمًا يَقولون: السَّيِّد المَسيح، السَّيِّد المَسيح. ولا شَكَّ أنَّه سَيِّد ﵊؛ لأنه نَبيٌّ من الأنبياء ﵈.
يَقول ﵀: [يَحكُم بشَرِيعته] وحِينئذ لا يَأتي بشَريعة جَديدة، فلا يُنافِي الآيةَ: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، وقد علِمتُم أنه يَرِد على قَضية نُزول عِيسى ﵇، يَرِد عليها إِيرادانِ:
[ ٣١٩ ]
أوَّلًا: أنَّه نَبيٌّ فكيف يَكون نَبيًّا والرسولُ -ﷺ- هو خاتَمُ الأنبياء ﵈.
ثانِيًا: أنه يَحصُل به تَغيير لبعض أَحكام الشَّريعة، وأَجَبْنا عن ذلك.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: إِبْطال بُنوَّة الأَدْعياء؛ لقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾.
وهل يُستَفاد منها أنَّ الرسول -ﷺ- ليس أبًا لأَحَد من الرَّضاع أو لأَحَد من النَّسَب؟
الجَوابُ: لا يُستَفاد؛ لأنه ثبَت أن له أبناءً، لكن بعض العُلَماء ﵏ يَقولون: إنَ أبناءَه لم يَبلُغوا أن يَكونوا رِجالًا، فالآية عامَّة، ولكنه تَبيَّن لي أنَّ هذا لا يَصِحُّ أيضًا؛ لأنَّ الرسول -ﷺ- له أبناءٌ كانوا رِجالًا، ولهم ذُرِّيَّة، وهم: الحسَن والحُسَين -﵄-، فالرسول -ﷺ- قال: "إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ" (^١)، فسمَّاه ابنًا، وقد عقَّ أيضًا عن الحسَنِ والحُسَينِ -﵄- الرسولُ ﵊ هو بنَفْسه (^٢).
الْفَائِدَةُ الثانِيَةُ: ثُبوت رِسالة النبيِّ -ﷺ-؛ لقَوْله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثالِثَةُ: أنَّ رسول اللَّه -ﷺ- آخِرُ الأنبياء ﵈؛ لقوله تعالى: "وَخَاتِمَ النَّبِيّينَ".
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الصلح، باب قول النبي -ﷺ- للحسن بن علي -﵄-: "ابني هذا سيد"، رقم (٢٧٠٤)، من حديث أبي بكرة -﵁-.
(٢) أخرجه أبو داود: كتاب الضحايا، باب في العقيقة، رقم (٢٨٤١)، والنسائي: كتاب العقيقة، باب كم يعق عن الجارية، رقم (٤٢١٩)، من حديث ابن عباس -﵄-.
[ ٣٢٠ ]
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنه أَفضَلُ الأنبياء على قِراءة: ﴿وَخَاتَمَ﴾ بالفَتْح؛ لأنَّ الخاتَم هو الطابَع على الشيء، وهو الشيءُ الذي يَكمُل به الشيء ويَنتَهِي؛ ولهذا وصَفَ النبيُّ -ﷺ- نَفْسه مع الأنبياء بأنه كأنه كقَصْر مَشيد يَطوف به الناس ويَقولون: ما أجملَ هذا القَصرَ! إلَّا أن فيه مَوضِعَ لَبِنة لم يَتِمَّ إلَّا مَوضِع هذه اللَّبِنةِ! فقال الرسول ﵊: "فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتَمُ الْأَنبِيَاءِ" (^١).
فبه تَمَّتِ الرِّسالات وكمَلَت؛ ولهذا دِينُ الرسولِ -ﷺ- لاحَظوا أن دِين الرسول -ﷺ- شامِل لجميع مَحاسِن الأديان، فكُلُّ مَحاسِن الأنبياء ﵈ التي تُوجَد فيها من نُوحٍ ﵇ إلى مُحمَّد -ﷺ-، فإنَّ دِينه شامِل لجميع محَاسِنهم، والدليلُ على ذلك قوله ﷾: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾، فكلُّ هُدَى الأنبياءِ ﵈ قدِ اقتَدَى به النبيُّ ﵊، إِذَنْ فما من صَلاح في جميع الأديان وكمال إلَّا وجاء به مُحمَّد -ﷺ-.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أَنَّه لا نَبيَّ بعد محُمَّد -ﷺ-؛ لقوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، "وَخَاتِم".
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ مَنِ ادَّعى النُّبوَّة بعده فهو كاذِب، ولو جاء بما جاء به من الخَوارِق؛ لقَولِه تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، وهذا خَبَر، وخبَرُ اللَّه تعالى صِدْق لا يُمكِن أن يَتطرَّق إليه الكَذِب بوَجْه من الوُجوه.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ مَن صدَّق مُدَّعِي النُّبَّوة بعد محُمَّد -ﷺ- فهو كافِر؛ لأنه مُكذّب للقُرآن، ومُكذِّبُ القُرآن كافِر.
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب المناقب، باب خاتم النبيين -ﷺ-، رقم (٣٥٣٥)، ومسلم: كتاب الفضائل، باب ذكر كونه -ﷺ- خاتم النبيين، رقم (٢٢٨٦)، من حديث أبي هريرة -﵁-.
[ ٣٢١ ]
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنه لا نَبيَّ ولا رسولَ بعد محُمَّد -ﷺ-، أو نَكتَفِي بالفائِدة التي قَبلَها، ولا نبيَّ ولا رَسولَ أيضًا إذا انتَفَتِ النُّبوةُ انتَفَتِ الرسالةُ، إذ إن الرسول نَبيٌّ وزِيادةٌ.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: إثبات النُّبوَّات السابِقة؛ لقوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، و﴿النَّبِيِّينَ﴾ جَمْع نَبيٍّ، وهُم كَثيرون جِدًّا، لكن الرُّسُل منهم ثلاثُ مِئة وبِضعة عشَرَ رجُلًا، لم يُذكَر منهم في القُرآن إلا خَمْسة وعِشْرون، وكلُّ مَن ذُكِر في القُرآن من الأنبياءِ فهو رَسولٌ حتى وإن لَمْ يُوصَف بالرسالة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨]، فدَل هذا على أن كل مَن قَصَّ اللَّه تعالى علينا نَبَأَه في القُرآن فهو رسولٌ حتى وإن لم يُوصَف بالرِّسالة مثل: ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٤١]، وما أَشبَهَها.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: عُموم عِلْم اللَّه تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّ إقرار اللَّه تعالى للرسول ﵊، وتَأيِيده له شاهِدٌ لصِدْق رِسالته؛ لأنه تعالى قال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾، فلو عَلِم اللَّه تعالى أن مُحمَّدًا غيرُ رسولٍ لكان كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦]، ﴿الْوَتِينَ﴾: عِرْق في القَلْب لو قُطِع مات، فكَوْن اللَّه تعالى يُؤيِّده ويَنصُره ويَفتَح على يَدَيْه، وهو يَقول: إنه رسول اللَّه تعالى، وإنه أَذِن له باستِباحة أَموالكم، وأَخْذ رِقابكم إذا لم تَدخُلوا في الإسلام، ولم تُؤدُّوا الجِزْية. يَكون هذا آيةً من آيات اللَّه تعالى له؛ ولهذا خَتَم الآية هذه التي أثبَتَت له الرِّسالة بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾.
[ ٣٢٢ ]
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: وُجوب مُراقَبة العبد رَبَّه؛ تُؤخَذ من قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾، فأنت إذا عَلِمت أنَّ اللَّه عالِم بكُلِّ شَيء، ومن الشَّيءِ: قَولُك، وفِعْلك، وفِكْرك، قال ﵎: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾، واللَّهِ لو كان عِندنا هذا الإيمانُ ثابِتٌ راسِخًا لكان الإنسان تَقِلُّ مَعاصيه ومُخالَفته، لكن الإنسان في غَفْلة، إذا علِمت أنك تَحرَّكت عَلِم اللَّه تعالى بِكَ، إن سكَنْت عَلِمَ اللَّهُ تعالى بك، إن نطَقْت عَلِم اللَّهُ تعالى بك، إن سكَتَّ عَلِمَ اللَّه تعالى بكَ، إن فكَّرْتَ عَلِم اللَّه تعالى بك، هذا يُوجِب لك مُراقَبة اللَّه ﷿، وألَّا يَفقِدك حيث أَمَرَك، ولا يَراك حيث نَهاك.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: الرَّدُّ على غُلاة القَدَرية؛ فإنهم أَنكَروا عِلْم اللَّه تعالى بما يَصنَعه العِباد قبل وُقوعه مِنْهم، والآيَةُ هذه فيها رَدٌّ عليهم: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: سَعة اللَّه ﷾، سَعته في كل شيء، في صِفاته، وفي أسمائه، وفي أفعاله، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٣٠]، ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٧]، فتُؤخَذ من قوله تعالى: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ الذي بكُلِّ شَيْء عَليم لا شَكَّ أنه واسِع.
* * *
[ ٣٢٣ ]