* قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣].
* * *
وقوله ﵀: [﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ أي: يَرحَمكم ﴿وَمَلَائِكَتُهُ﴾؛ أي: يَستَغفِرون لكم] فسَّرَ المُفَسِّر ﵀ الصلاة بالنِّسبة إلى اللَّه تعالى: بالرَّحْمة، وبالنِّسبة إلى المَلائِكة: بالاستِغْفار، فقال تعالى: ﴿يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ يَرحَمكم، ﴿وَمَلَائِكَتُهُ﴾ يَستَغفِرون لكم، وهذا فيه نظر، والصواب أنَّ مَعنَى ﴿يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ أَيْ: يُثنِي عليكم في المَلَأ الأَعْلى، والمَلائِكة أيضًا يُثنُون عليكم، هذا هو مَعنَى الصلاة من اللَّه تعالى ومن المَلائِكة أيضًا.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ فيها إِشْكال من حيث الإعراب فقوله تعالى: ﴿وَمَلَائِكَتُهُ﴾ مَرفوعة، وابنُ مالِكٍ ﵀ يَقول:
وَإِنْ عَلَى ضَمِر رَفْعٍ مُتَّصِلْ عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيْرِ المُنْفَصِلْ
أو فاصِلٍ ما. . . . . . . . . . . . . . (^١)
وهُنا لم يَأتِ بالضمير، وما قال: (هو الذي يُصلِّي عَلَيْكم هو ومَلائِكَتُه)،
_________________
(١) الألفية (ص: ٤٨).
[ ٣٢٧ ]
أو فاصِل ما، وهذا داخِل في قوله: (أو فاصِل ما) والفاصِل هنا هو الجارُّ والمَجرور؛ ولذلك إذا قُلْت: قُمْتُ وزَيْدٌ. هذا ضعيف، والأَرجَح منه أن تَقول: قُمتُ وزيدًا. على أنها مَفعول معه، أمَّا إذا فصَلْت فقلت: قُمْت أنا وزَيْدٌ. أو قُمْتُ في الناس خَطيبًا وزَيْدٌ. وفصَلْتَ، فهذا لا بأسَ به، وهنا فَصَل بالجارِّ والمَجرور.
وقوله تعالى: ﴿يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ أَضاف اللَّه تعالى المَلائِكة إليه من باب التَّشريف لهم؛ لأنهم ملائِكته، وهم أيضًا مخَلوقون له، والمَلائِكة كما تَقدَّم هم عالَم غَيبيٌّ خلَقَهم اللَّه ﵎ من نُور، ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]، ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦].
وهل يُمكِن أن يَكونوا من عالَمِ الشَّهادة؟
نعَمْ، كما جاء جِبريلُ ﵊ إلى مَرْيَمَ ﵍: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧]، وجاء إلى النبي -ﷺ- يَسأَله عن الإسلام والإيمان والإحسان في صورة رجُلٍ؛ شَديدِ بَياضِ الثِّياب، شَديد سَواد الشَّعْر، لا يُرى عليه أثَرُ السَّفَر، ولا يَعرِفه أحَدٌ من الصَّحابة (^١)، وكما جاء في صُورة دِحيةَ الكَلْبيِّ -﵁- (^٢)، وغير ذلك، لكنَّ الأصل أنَّهم عالَمٌ غَيبِيٌّ.
ولهم أَجْساد، ولا جسَدَ إلَّا برُوح، فلَهُم أَجْساد وأَرْواح؛ ولهذا سَمَّى اللَّه تعالى جِبريلَ ﵇ رُوحًا، ورآه النَّبيُّ ﵊ على خِلْقته مَرَّتَين، وله
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام، رقم (٨)، من حديث عمر -﵁-.
(٢) أخرجه البخاري: كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، رقم (٣٦٣٤)، ومسلم: كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أم سلمة -﵂-، رقم (٢٤٥١)، من حديث أسامة بن زيد -﵁-.
[ ٣٢٨ ]
سِتُّ مِئة جَناح (^١) قد سَدَّ الأُفُق (^٢).
وقوله ﵎: ﴿وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ اللَّام في قوله تعالى: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ﴾ للتَّعليل، قال المُفَسِّر ﵀: [ليُديم إِخْراجَه إيَّاكُم] إنما صرَف اللَّفْظ إلى مَعنَى الإِدامة؛ لأنه يُخاطِب المُؤمِنين، وإذا كان يُخاطِب المُؤمِنين فإنهم قد أُخرِجوا من الظُّلُمات إلى النُّور من الأَصْل، ولكن قد يُقال: إنه لا حاجةَ إلى هذا التَّأويلِ، وأنَّ مَعنَى قولِه تعالى: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ﴾ أي: ليَزيدَكم عِلْمًا وإيمانًا.
وقوله ﵀: [﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾؛ أي: الكُفْر، ﴿إِلَى النُّورِ﴾؛ أي: الإِيمان]، لا شَكَّ أنَّ الكُفْر ظُلُمات، كما قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، ولا شَكَّ أيضًا أنَّ الإيمان نُور، ولكن الآية أعَمُّ ممَّا قال المُفَسِّر ﵀، فهو قال: ليُخرِجَكم من ظُلمات الجَهْل والكُفْر إلى نُور العِلْم والإيمان، فيَكون المُفَسِّر ﵀ قد قَصر أو تَقاصَر في تَفسيره للآية، والصواب أنه يُخرِجهم من ظُلُمات الجَهْل والكُفْر إلى نور العِلْم والإيمان.
قال اللَّه ﷾: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾: (كان) يَعنِي: اللَّه ﷿ ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ جارٌّ ومَجرور مُتعلِّق بـ ﴿رَحِيمًا﴾ قُدِّم عليه للحَصْر؛ لأن هذه الرحمةَ رَحمة خاصَّة للمُؤمِنين، تَقتَضي العِناية بهم وتَوفيقهم وهِدايتهم إلى الخَيْر، وأمَّا الرحمة العامة فهي للمُؤمِنين وغير المُؤمِنين، لكن الرحمة الخاصَّة للمُؤمِنين فقَطْ.
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم: آمين، رقم (٣٢٣٢)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب في ذكر سدرة المنتهى، رقم (١٧٤)، من حديث عبد اللَّه بن مسعود -﵁-.
(٢) أخرجه البخاري: كتاب بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم: آمين، رقم (٣٢٣٥)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب معنى قول اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾، رقم (١٧٧)، من حديث عائشة -﵂-.
[ ٣٢٩ ]
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: فَضيلة الإيمان، وأنه سبَب في ثَناء اللَّه تعالى وملائكته على عَبْده؛ تُؤخَذ من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ بعد أن قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إثباتُ الكلام للَّه ﷿؛ تُؤخَذ من قوله تعالى: ﴿يُصَلِّي﴾؛ لأنَّ الصلاة منه تعالى هي: الثَّناء على العَبْد في المَلَأ الأَعْلى.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: محَبَّة اللَّه تعالى للمُؤمِنين، ومحَبَّة المَلائِكة لهم؛ تُؤخَذ من الثَّناء عليهم، والصلاة عليهم؛ لأن مَن يُحِبُّك يُثنِي عليك، ومَن يُبغِضُك يَذُمُّك.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّه يَجِب علينا مَحَبَّة اللَّه ﷿ ومَلائِكته؛ لما لَهُمْ علينا من الفَضْل والإحسان، فإنَّهم يُصلُّون علينا، فهذا يَقتَضي أن نُحِبَّهم.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثباتُ الملائِكة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَلَائِكَتُهُ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: فضيلة المَلائِكة؛ تُؤخَذ من قوله ﵎: ﴿وَمَلَائِكَتُهُ﴾ فالإِضافة للتَّشرِيف والتَّكَريم، ففيه فَضيلة المَلائِكة؛ لأن اللَّه تعالى أَضافهم إليه.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: إثبات العِلَل والحِكَم لأفعال اللَّه تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ الجهْل والكُفْر ظُلْم؛ لقوله ﵎: ﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، وقال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ [الأنعام: ١٢٢]؛ أي: في الجَهْل، ﴿لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾.
[ ٣٣٠ ]
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: فَضيلة المُؤمِنين، وأنَّ لهم عِند اللَّه تعالى رَحمةً خاصَّةً؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: الحَثُّ على الإيمان والتَّرغيب فيه؛ تُؤخَذ من قوله ﵎: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾، فإنَّ اللَّه تعالى ما أَخبَرَنا هنا في هذه الآية الكَريمةِ لمُجَرَّد أن نَعلَم أنه رَحيم بالمُؤمِنين، ولكن من أَجْل أن نَتعَرَّض لهذه الرَّحمةِ الخاصَّة، فنكون من المُؤمِنين.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: إثبات الرحمة للَّه تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: الرَّدُّ على الأَشعَرِيَّة ونَحوِهم ممَّن يُنكِرون وَصْف اللَّه تعالى بالرَّحْمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ﴾ فالضَّمير في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ﴾ يَعود على (اللَّه)، و(الرحيم) خبَرٌ لمُبتَدَأ، فهو وَصْفه.
* * *
[ ٣٣١ ]