* قالَ اللَّه ﷿: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥].
* * *
قال ﷾: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ قال المُفَسِّر ﵀ في التفسير: [لكن ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾] أتَى بالاستِدْراك وفي ظَنِّي أنه لا حاجةَ للاستِدْراك وأن الجُمْلة استِئْنافيَّة لما أَبطَل اللَّه ﷾ أن يَكون هؤلاء الأدعياءِ أَبناءً أَمَر بأن نَدعُوَهم لآبائهم.
وكأنَّ المُفَسِّر ﵀ لمَّا كانت الآيةُ الثانيةُ غيرَ مُقابِلة لمَّا نَفاه اللَّه تعالى في الأوَّل؛ يَعنِي: ما جعَل أَدْعياءكم أبناءَكم، لكن جعَلهم أبناءَ آبائِهم فادْعوهم لآبائِهم؛ رأى ﵀ أن هذا هو وَجهُ الاستِدْراك: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ لكن جعَلَهم أبناءً لآبائِهم فادْعُوهم لآبائهم.
ونَقول: هذا لا حاجةَ إليه، فالجُمْلة استِئْنافيَّة ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ أي: انسُبوهم لآبائِهم فقولوا: يا ابنَ فُلان.
وكلمة ﴿لِآبَائِهِمْ﴾ جَمْع أبٍ، وهل المُراد بالجَمْع هنا باعتِبار المَدعوِّين؟ يَعنِي لأن الناس كثيرون أو أن المُراد آباؤُهم بالنِّسبة لكل شَخْص، بمَعنى: أن الإنسان
[ ٤٦ ]
يُنسَب إلى أبيه وجَدِّه وأبي جَدِّه وهكذا، أو شامِل للأَمْرين؟
الجواب: هو شامِل للأَمْرين فالإنسان يُدعَى إلى أبيه يُقال: فلان ابن فلان ابن فلان، فالرسول ﵊ محُمَّد بن عبد اللَّه بن عبد المُطَّلب، بل إنه -ﷺ- قال: "أنَّا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ" (^١)، فهو فيما يَظهَر: أنه شامِل يَعنِي: أنه جَمْع باعتِبار أفراد الناس، وجَمْع باعتِبار الآباء؛ لأن الآباء أَبٌ أَدنَى وأَبٌ فوقَه.
قال تعالى: ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾: ﴿هُوَ﴾ الضميرُ يَعود على المَصدَر المَفهوم من قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ﴾؛ أي: ﴿هُوَ﴾ أي: دُعاؤُهم، وهذا نَظيرُ قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]، هو أي: العَدْل المَفْهوم من الفِعْل، فهنا فِي ﴿هُوَ﴾ أي: دُعاؤُهم لآبائِهم.
وقوله تعالى: ﴿أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: [أَعدَل] عند اللَّه تعالى؛ فسَّرها بعضهم باسْمِ الفاعِل: هو قَاسِط عند اللَّه تعالى، يَعنِي: هُو العَدْل عند اللَّه ﷿، وإنما لجَأ إلى ذلك؛ لأن المَعروف أن اسمَ التَّفضيل يَشتَرِك في أصل مَعناه: المُفضَّل والمُفضَّل عليه، فإذا قلت: فُلانٌ أَشجَعُ من فُلَان، فكِلاهما شُجَاع، لكن هذا أَشجَعُ.
فهنا إذا جعَلنا اسمَ التفضيل على بابه، وقلنا: دُعَاؤُهم لآبائِهم أَقسَطُ عند اللَّه من دُعائهم لمَن تَبنَّاهُم، صار في دُعائهم لمَن تَبنَّاهم عَدْلٌ، مع أنه لا عَدلَ فيه؛ ولذلك قال بعض المُفسِّرين: إن أَفعَلَ التَّفضيل هنا ﴿أَقْسَطُ﴾ بمَعنى اسم الفاعِل؛ حتى لا يَكونَ في الطرَف الثاني منه شيءٌ؛ وقال بعضُ المُفسِّرين: هو على بابه، واللغة العَرَبية تأتي باسْمِ التَّفضيل دائِمًا فيما ليس في الطرَف الآخَر منه شيء؛ ومنه
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الجهاد والسير، باب من قاد دابة غيره في الحرب، رقم (٢٨٦٤)، ومسلم: كتاب الجهاد والسير، باب في غزوة حنين، رقم (١٧٧٦)، من حديث البراء -﵁-.
[ ٤٧ ]
قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]، مع أنَّ أصحابَ النارِ لا خيرَ في مُستَقرِّهم.
وعلى هذا فنَقول: إبقاءُ الآية على ظاهِرها يَكون أَوْلى، فإذا قيل ذلك، فإنه يَرِد علينا سُؤالٌ: لماذا عبَّر بـ (أفعَل) التَّفضيل في طرفٍ ليس في الطرَف الآخَر منه شيءٌ؟
قُلْنا: لبيان أن هذا غاية ما يَكون من العَدْل؛ ويَكون فائِدتها: أن دُعاءَهُم لآبائهم أعدلُ شيءٍ، وهُو غَاية ما يَكون من العَدْل، فاسْمُ التفضيل هنا باعتِبار المعْنَى أَي: أن هذا أَعدَلُ شيء.
وكلمة ﴿أَقْسَطُ﴾ اسمُ تَفضيل من الثُّلَاثي؛ لأن اسمَ التَّفضيل لا يُصَاغ إلَّا من الثلاثي؛ قال ابنُ مالِك ﵀ (^١):
وَصُغْهُمَا مِنْ ذِي ثَلَاثٍ صُرِفَا . . . . . . . . . . .
ثمَّ إن الرُّبَاعيَّ من هذه المادَّةِ ليس بمَعنَى العَدْل، بل بمَعنى الجوْر، فالقاسِط هو الجائِر، والمُقسِط هو العادِل؛ قال اللَّه ﷾: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥]، وقال تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩].
إِذَن: يرِدُ علينا إشكالٌ في مَسأَلة ﴿وَأَقْسِطُوا﴾، فهنا ﴿هُوَ أَقْسَطُ﴾.
فنَقول في الجواب عنه: إن في هذا دليلًا على صِحَّة مَذهَب الكُوفيين، الذين يَقولون بجَوَاز صياغة اسمِ التَّفضيل من غير الثُّلَاثي، يَقولون: أَقسَطُ من باب الإِقساط يَعنِي: أنَّ ذلك أعدَلُ.
_________________
(١) الألفية (ص: ٤٢).
[ ٤٨ ]
وقوله: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ يَعنِي: في حُكْمه؛ لأن حُكْم اللَّه ﷿ يُضَاف إليه، وهذا نَظير قوله تعالى في الذين يَرمُون المُحصَنات: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣]، وتَأمَّل قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ فإذَا قذَف رجُلٌ امرأةً بالزِّنا، فهو باعتِبار الواقِع قد يَكون حقًّا أنها زَنَت، وقد يَكون كذِبًا، لكنها في حُكْم اللَّه تعالى كذِبٌ؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣]، ما قال: فأُولئِك هم الكاذِبون؛ لأنَّه قد يَكون حقيقةً باعتِبار الواقِع، لكن في شَرْع اللَّه تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾، ولهذا يَجِب عليهم حدُّ القَذْفِ إذا لم يَأتوا بأربَعةِ شُهداءَ.
وقوله ﷾: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ إن لم تَعلَموا آباءَ هَؤلاءِ الأَدْعياء، ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ يَعنِي: ليسوا أبناءَكم، يَعنِي: حتى في الحال التي لا يُعْرف لهذا الرَّجُلِ أبٌ، فإنه لا يَجوز أن يُنسَب إلى غير أبيه، ولكن يَكون أخًا لنا في الدِّين ومَولًى لنا إذا كان قد دخَل في مِلْكنا ثُم حرَّرْناه مثلًا؛ ولهذا قال النبيُّ -ﷺ- في قصة اختِصام عليٍّ وجعفَرٍ وزيدِ ابن حارثةَ -﵃-، قال لزَيدٍ -﵁-: "أَنْتَ أَخُونَا وَمَوْلَانَا" (^١).
فهو (أخي) في الدِّين، وليس (ابنًا) لي، وهو أيضًا (مَوْلايَ) إذا كنت قد أَعتَقْتُه، ولو لم أَعرِف أباه فهو لا يُنسَب إليَّ.
ولهذا تَجِدون العُلَماء ﵏ الذين يَكتُبون أسماءَ الرِّجال، عندما يَنسبون أحَدًا من الموالي إلى مَن أَعتَقَه يَقول: (القُرَشيُّ موْلَاهم) أو: (التَّميميُّ مَوْلاهم)؛
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الصلح، باب كيف يكتب هذا: ما صالح فلان بن فلان، رقم (٢٦٩٩)، من حديث البراء -﵁-.
[ ٤٩ ]
لأنه لو قال: القُرَشيُّ. فقط، يَظُن الظانُّ أنه قرَشيٌّ حقيقةً، فإذَا قال: مَوْلاهم، يَعنِي: أنه نُسِب إليهم، لكونه مَوْلًى لهم، و"مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ" (^١)، حتى إن العُلَماء قالوا في الصدَقة قالوا: إنها تَحرُم على مَوالي بني هاشِمٍ، لأن مَوْلى القَوْم منهم، لكنهم لا يُنسَبون إليهم نسَبًا حقيقيًّا، بل لا بُدَّ من أن يُقَيَّد.
قوله ﷿: ﴿جُنَاحٌ﴾ هو اسمٌ ليس مُؤخَّرًا، ﴿عَلَيْكُمْ﴾ جارٌّ ومجَرور خبَرهم مُقدَّم.
﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ يَقول ﵀: [في ذلك] أي: في دُعائهم لغير آبائِهم يَعني: الإنسانُ لو أَخطَأَ فدعَا شخْصًا لغير أبيه فإنه ليس عليه جُناكليس عليه إِثْم؛ لأنَّه أَخطَأ، والخطَأ مَرْفوع عن هذه الأُمَّةِ.
وفي قوله: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ المُفَسِّر يَقول [في ذلك] فكأنَّه خَصَّ الآية، والصَّواب أنها عامة، لأن العِبْرة بعُموم اللَّفْظ لا بخُصوص السبَب، فإذا كان السبَب هو دَعوة الإنسان لغير أبيه، فإنه لا يَقتَضِي تخصيص هذا العامِّ بهذه المَسألةِ، لأنَّ العِبْرة -في القاعِدة المُقرَّرة- بعُموم اللَّفْظ لا بخُصوص السبَب.
وهذه القاعِدةُ لها أدِلَّة من القُرآن والسُّنَّة:
فمِن القرآن: قوله ﷾: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الفرائض، باب مولى القوم من أنفسهم، رقم (٦٧٦١)، من حديث أنس بن مالك -﵁-، بلفظ: "مولى القوم من أنفسهم"، وأخرجه بلفظه الإمام أحمد (٤/ ٣٤٠)، والنسائي: كتاب الزكاة، باب مولى القوم منهم، رقم (٢٦١٢)، من حديث أبي رافع -﵁-.
[ ٥٠ ]
وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١) الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ١ - ٢] فَالسبَب خَاصٌّ، ولكن الحُكْمَ عامٌّ.
وكذلك في السُّنَّة: رأَى النبيُّ -ﷺ- رجُلًا في السفَر قد ظُلِّل عليه وحولَه زِحام من الناس، فقال: "مَا هَذَا؟ " قالوا: صائِم. فقال -ﷺ-: "لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ" (^١)، إلَّا أن قوله -ﷺ-: "لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ"، إذا قُلنا: إن العِبْرَة بعُموم اللَّفْظ لا بخصوص السبَب، فإنه يُشكِل على هذا أن النبيَّ -ﷺ- كان يَصوم في السفَر، كما في حديث أبي الدرداءِ -﵁-: ما فينا صائِمٌ إلَّا رسول اللَّه -ﷺ- وعبدُ اللَّه بنُ رواحةَ (^٢)؛ فكيف نُجيب عن حديث: "لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ. . ."، هل النبيُّ -ﷺ- لم يَفعَل بِرًّا؟
الجواب: كلَّا، نَقول -كما أَشار ابنُ دَقيقِ العيدِ ﵀ إلى هذه المَسأَلةِ: إن العِبْرة بعُموم اللفظ، لكن يُراعَى المَعنى الذي من أَجْله ورَدَت هذه الصِّيغةُ (^٣)؛ والمَعنَى هُو المَشَقَّة.
فنَقول: إنَّ العِبْرة بعُموم اللفظ لا بخُصوص السبَب، أي: أنه لا يُخَصُّ هذا الحُكْمُ على هذا الرَّجُلِ بعَيْنه، لكنه عامٌّ في جميع الناس، إلَّا أنه يَجِب أن يُراعَى المعنى الذي من أَجْله ورَدَت هذه الصِّيغةُ العامَّة، وهو المَشقَّة؛ فنَقول: ليسَ البِرُّ
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الصوم، باب قول النبي -ﷺ- لمن ظُلل عليه واشتد الحر: "ليس من البر الصوم في السفر"، رقم (١٩٤٦)، ومسلم: كتاب الصيام، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر، رقم (١١١٥)، من حديث جابر -﵁-.
(٢) أخرجه البخاري: كتاب الصوم، باب إذا صام أياما من رمضان ثم سافر، رقم (١٩٤٥)، ومسلم: كتاب الصيام، باب التخيير في الصوم والفطر في السفر، رقم (١١٢٢).
(٣) إحكام الأحكام (٢/ ٢١).
[ ٥١ ]
الصِّيامَ في السَّفر إذا أدَّى إلى مِثْل هذه الحالِ، فهل هذا خرَج عن القاعِدة: العِبْرة بعُموم اللَّفْظ؟ لا، لأنه لو خُصَّ الحُكْم بالرَّجُل المُعيَّن لكان خارِجًا عن القاعِدة، لكنه ما خُصَّ به، قيل: إنه عامٌّ لكل مَن صام ولحِقه ما لحِق بهذا الرَّجُلِ، إذَنْ فالحديث لم يَخرُج عن القاعِدة.
إذن: قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ لا يَختَصُّ فيمن دعا رجُلًا بغير أبيه مخطِئًا، بل هو عامّ، وهذه القاعِدةُ العَظيمة في الشَّريعة الإسلامية سَيَأْتي -إن شاءَ اللَّهُ تعالى- بيانُ ما يَترَتَّب عليها من فوائِدَ.
ثُمَّ قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾، ظَاهِره العُموم في المأمورات وفي المَنهيَّات، ولكن مَن تَدبَّر النُّصوص وجَد أن هذا خاصٌّ بالمَنهيَّات فقط، أن الإنسان ليس عليه جُناح فيما أَخطَأ به، أمَّا في المأمورات فليس عليه جُنَاح فيما أَخطَأ به، ولكِنَّ هذه المَأموراتِ إذا كان خَطَؤُه مخُلًّا بصِحَّتها فلا بُدَّ من إعادتها على وجهٍ صحيحٍ.
فهُنَا بالنِّسبة للمَنهيَّات ليس عليه جُناح ولا تَبِعةٌ ولا أثَر، لكن بالنِّسبة للمَأمورات ليس عليه جُناح فيما أَخطَأَ به إلَّا أنَّه إذا كان هذا الخطَأُ مخُلًّا بصِحَّة المأمور فإنه يَجِب إعادة المأمور على وجه صحيح، انظُرْ إلى الرجُل الأَعرابي الذي صلَّى بغير طُمَأْنينة مُخطِئًا؛ لأنه جاهِل، يَقول: والذي بعثَكَ بالحقِّ لا أُحسِنُ غير هذا فعَلِّمْني (^١). فهل النبيُّ ﵊ ترَكَه أو أَمَره أن يُعيد الصلاة؟
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الأذان، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم، رقم (٧٥٧)، ومسلم: كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، رقم (٣٩٧)، من حديث أبي هريرة -﵁-.
[ ٥٢ ]
أَمَره أن يُعيد الصلاة؛ فلهذا نَقول: إنه ليس عليه إِثْم في صلاته الأُولى التي أَخَلَّ فيها بواجِب الطُّمَأْنينة؛ لأنه جاهِل، لكن يَجِب عليه أن يُعيد العِبادة على وجهٍ صحيحٍ.
وكذلك لو أن أَحَدًا ترَك واجِبًا من واجِبات الحجِّ جاهِلًا، فإنه لا إِثْمَ عليه، لكن عليه إعادةُ ذلك الواجِبِ إذا كان يُمكِن تَدارُكه، فإن لم يُمكِن تَدارُكُه فعليه بدَلُه عند جماهير أهل العِلْم، وهو فِدْية يَذبَحها في مكَّةَ، ويُوَزِّعها على الفُقَراء.
وقوله تعالى: ﴿فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾: (ما) هذه من صِيَغ العُموم تَشمَل كل ما حصَل فيه الخطَأ، قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ فيه، وهو بعد النهي] أمَّا قَبْل النهي فإنه لا يُؤَاخَذ به الإنسان؛ لأن الحُكْم لم يَتقَرَّر بعد؛ ولهذا قال اللَّه ﷾: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢]؛ ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣] لأنه قَبْل تَقرير الحُكْم وثُبوته شَرْعًا، فالأصل البَراءة، وهو ما يُعبِّر عنه الأُصوليُّون بالبَراءة الأَصْلية.
وقوله تعالى: ﴿مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾؛ لأن المَدار على القَلْب إذ إنه هو الذي يُدبِّر الجوارِح؛ لقول النبيِّ -ﷺ-: "أَلا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ" (^١)، وهذا القَلْبُ هو عِبارة عن هذه البَضْعة من اللَّحْم، أو أن المُراد بالقَلْب العَقْل المُفكِّر ومَحلُّها هذه القِطْعة من اللَّحْم الثانية، ولكن أين مَحَلُّ العَقْل؟
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، رقم (٥٢)، ومسلم: كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات، رقم (١٥٩٩)، من حديث النعمان بنُ بشير -﵄-.
[ ٥٣ ]
الجواب: الصحيحُ أنَّه القَلْب؛ لأن اللَّه تعالى قال في القُرآن: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا. . .﴾ [الحج: ٤٦] فخَصَّ القَلْب والعَقْل؛ ولهذا قال الإمامُ أحمدُ ﵀: إن العَقْل في القَلْب، وله اتِّصال بالدِّماغ (^١).
ولكنني رأَيْت كلامًا لشيخ الإسلام ابن تَيميَّةَ ﵀ أقرَبَ إلى الواقِع وإلى الطبِّ الحديث يَقول: إن أَصْل التفكير في الدِّماغ فهو المُفكِّر، ثُمَّ القَلْب يُدبِّر ويَأمُر ويَنهَى (^٢)؛ فَيَكون للمُخِّ كالسِّكِرْتير للقَلْب يُفكِّر ويَنظُر، ثُمَّ يُرسِل إلى القَلْب، والقَلْب هو الذي يُدبِّر بلا شكٍّ؛ لأن الكِتاب والسُّنَّة يَدُلَّان على أن القَلْب هو الذي يُدبِّر كما في الآية، وكما قال النبيُّ ﵊: "أَلا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ" (^٣).
ولكن الاتِّصال بين المُخِّ والقَلْب سَريع أو بَطيء؟
الجواب: سريع، لا نَتَصوَّر سُرْعته، وهذا من تَمَام عَظَمة الخالِق ﷿، حيث إنَّ هذه المُعدَّات العظِيمة في هذا البدَنِ، مَعامِل وآلات إِلْكترونية وأَشياءُ -سبحان اللَّه العظيم- إذا بحَثَها الإنسان يَجِد ما قاله اللَّه ﷿: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٠ - ٢١].
قال ﵀: [﴿فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لمِا كان من قَوْلكم قبل النهيِ ﴿رَحِيمًا﴾ بكُم في ذلك]، قوله: [﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٩/ ٣٠٣)، والتبيان في أقسام القرآن لابن القيم (ص: ٤٠٤).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (٩/ ٣٠٣ - ٣٠٤).
(٣) أخرجه البخاري: كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، رقم (٥٢)، ومسلم: كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات، رقم (١٥٩٩)، من حديث النعمان بن بشير -﵄-.
[ ٥٤ ]
لمِا كان من قَوْلكم قبل النهي] في هذا نظَرٌ ظاهِرٌ جدًّا، ووجهُه: أنَّه قبل النهي لم يَثبُت الحُكْم، حتَّى يَكون الإنسان مخُالِفًا يُوصَف عدَمُ مُؤَاخذته بالمَغفِرة، لأن المَغفِرة فَرْع عن وجود الذَّنْب، وهنا لا ذَنْبَ قبل أن يَتقرَّرَ الحُكْم.
والصواب: أنَّه ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ فيما وقَع من قولكم بعد النهي على سبيل الخَطَأ، فإن هذا مِن مَغفِرته ﷾ ورحمتِهِ أنَّه يَرْفعُ الخَطَأ عمَّن فعَله بعد النهي وتقرير الحُكْم.
ثُم يقال أيضًا: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ تَعود إلى الفِعْل الخطَأ والفِعْل العَمْد، أمَّا الفِعْل الخَطَأ فإن رَفْعَ المُؤَاخَذة به من آثار الرحمة، ولو شاء اللَّه ﷿ لكان يُؤَاخِذ عِباده، بالجَهْل كما يُؤَاخِذهم بالعَمْد، لكن رحمته سبَقَتْ غضَبَه ﷾، وأمَّا غَفورٌ فإنه يَعود إلى ما فُعِلَ عَمْدًا، فإن من مُقتَضى كون اللَّه تعالى غَفورًا أن يَسعَى الإنسان في أسباب مَغفِرته وذلك بالتَّوْبة ممَّا حصَل منه، فإذا تاب فإن اللَّه تعالى يَتوب عليه ويَغفِر له.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: وُجُوب دَعوة الإنسان إلى أبيه ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾، يَعنِي: انسُبوهم لآبائهم لَفْظًا وحقيقةً، أمَّا لفظًا، فتَقول: يا فُلان ابنَ فُلان. وأمَّا حقيقة بأن تَعتَقِد أن البُنُوَّة الحقَّ إنما هي للأَبِ الحقيقيِّ الذي وُلد الإنسان من صُلْبه، لا للأبِ الذي ادُّعِي أنَّه أبٌ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّه لا يَنبَغي أن يُدعَى الإنسان لغير أبيه، وهذا نوعان:
الأوَّل: أن يَدَّعِيَ لغير أبيه لَفْظًا وحقيقةَ، فهذا لا يَجوز، بل إن الرسول -ﷺ-
[ ٥٥ ]
قد جعَل ذلك من الكُفْر (^١)، فإذا ادَّعى الإنسان إلى غير أبيه وهو يَعلَمه، فان ذلك كُفْر، فإنه كُفْر بكم أن تَرغَبوا عن آبائكم.
الثَّاني: أن يَدَّعيَ إلى غير أبيه لفظًا، ولكن لا تَثبُت أحكام البُنوَّة إطلاقًا إلى مَن ادَّعى إليه، فهذا نَقول: إنه خِلاف ما أمَر اللَّه تعالى به، ولكن أهل العِلْم يَقولون: إن الإنسان إذا اشتَهرَ به مع عدَم الالتِفات إلى أحكامه ومُقتَضياته، فإنه جائِزٌ، وذكَروا لذلك مِثل المِقداد بنِ الأسوَدِ -﵁-، فإن المِقدادَ ابنَ الأسوَد -﵁- ليس أَبوه هو الأسودَ، ولكن الأسودَ كان قد تَبنَّاه (^٢) واشتَهَر بهذا، بهذ الكنْيَةِ، واستَمَرَّ عليها حتَّى أَبطَل اللَّه تعالى التَّبَنِّيَ، ولكن بَقِيَ مَشهورًا بذلك، قالوا: فهذا لا يَضُرُّ؛ لأنه انتَفَت عنه أحكام التَّبنِّي ولم يَبقَ إلَّا اللَّفْظ، ومع هذا فإن الأفضَل بلا شكٍّ هو أن يُدعَى إلى أبيه، لكن المُشكِل أن الشيءَ إذا اشتَهَر فوَصَفْته بما اشتَهَر به حصَل بهذا التِباسٌ، الآنَ لو قلنا: عن عبدِ الرحمن بنُ صَخْر أن النبيَّ -ﷺ- قال: كذا وكذا. يُمكِن أن كثيرًا من الناس لا يَدرِي مَن هُو، لكن إذا قلت: عن أَبي هُريرةَ -﵁- كلُّنا يَعرِفه.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: في الآية الكريمة دَليل على أن الأعمال تَتَفاضَل عندَ اللَّه تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ أَقسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ يَعنِي: أبلَغ في العَدْل.
ووجه ذلك: أن هذَا الرجُلَ الدَّعِيَّ كوننا نَنسُبه إلى غير أبيه هو باعتِبار أبيه ظُلْم، إِذْ كيف تَنسبه إلى شخص ما أَتَى مِن صُلْبه، وتَحرِم مَن أَتَى من صُلْبه من
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب المناقب، رقم (٣٥٠٨)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب بيان حال إيمان من رغب عن أبيه وهو يعلم، رقم (٦١)، من حديث أبي ذر الغفاري -﵁-.
(٢) انظر: الاستيعاب (٤/ ١٤٨٠).
[ ٥٦ ]
دَعْوته إليه، هذا لا شكَّ أنَّه جَوْر؛ ولهذا قُلْنا فيما تَقدَّم: أن اسم التَّفضيل هنا ليس في الطرَف الآخَر منه شيء؛ لأنه ليس فيه أيُّ عَدْل في أَنْ تَنْسُب الإنسان إلى غير أبيه، وقلنا: إن فائِدة التَّفضيل هنا بيان أن هذا الشيءَ قد بلَغ الغاية في العَدْل؛ لهذا جِيء به اسمِ التفضيل ﴿أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن مَن ليس له أبٌ فإنه يُدعَى بأُخوَّة الدِّين والولاية في الدِّين؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾، أمَّا كونُهم إخوانَنا في الدِّين فظاهِر، وأمَّا كونهم مواليَ فإن كان عَتيقًا للمَرْء فهو مَوْلًى له بالعِتْق، وإن لم يَكُن عتيقًا له فهو مَوْلًى له في الدِّين، لأن المُؤمِنين كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] فهم إخوانُكم ومواليكم.
فيَصِحُّ أن تَقول: يا أخي، وأن تَقول: يا ابن أخي؛ والمُفَسِّر ﵀ يَقول: [ومواليكم بنو عَمِّكم]، فجعَل الولاية هنا ولاية النسَب، وليسَتْ ولاية الدِّين، لكن في النفس من هذا شيء، فالولاية إمَّا ولاية دِين، وإمَّا ولاية عِتْق، فأمَّا ولاية العِتْق فواضِح أن العَتيق مَولًى لمَن أَعتَقه، وأمَّا ولاية الدِّين فظاهِر أيضًا أن كل مُؤمِن وليٌّ لأخيه المُؤمِن.
أمَّا ولاية النسَب كقوله: [بنو عمِّكم] فهذه إن كانت اللُّغة العربية يَأتي فيها مثل هذا التَّعبيرِ فنحن نَقبَل ذلك، لأن القُرْآن عرَبيٌّ ولا مانِعَ أن يَكون للمَعنى الواحد أو للَّفْظ الواحِد عِدَّة مَعانٍ إذا كانت لا تَناقُضَ بينها.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: نفيُ الإِثْم فِي الخطَأ؛ لقوله: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾، نَفي الحِنْث في الخطَأ، وأيضًا الحِنْث يَعنِي: الحِنث في اليَمين، إذا حلَف على يَمين أن لا يَفعَل شيئا، ففَعَله جاهِلًا به، مثل حَلَف أن لا يُكلِّم إنسانًا،
[ ٥٧ ]
فكلَّم شَخْصًا لا يَدرِي أنَّه فلان الذي حلَف على تَرْك تَكليمه، فإنه ليس عليه حِنْث، وكذلك أيضا الطلاق، لو علَّق الطلاق على شيءٍ ففَعَله جاهلًا أنَّه هو الشيء الذي علَّق الطلاق عليه فإِنَّه لا حِنْثَ عليه، وكذلك لو فعَل مُكَفِّرًا جَاهِلًا أنَّه مُكفِّرٌ فإنه لا إِثْمَ عليه، يُؤخَذ هذا كلُّه من العُموم في قوله تعالى: ﴿فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾.
ثُم إن نَفيَ الإِثْم لا يَستَلزِم نَفيَ القضاءِ فيما يَجِب قَضاؤُه، وعلى هذا فتكون الآية في باب المَحذورات لا في باب المَأمورات؛ ولهذا لم يَأذَنِ النَّبيُّ -ﷺ- للجاهِل الذي كان يُصلِّي ولا يَطمَئِنُّ في الصلاة، جعَله يُعيد مرَّة بعد أُخرى، وبيَّن له (^١).
إِذَن نَقول: بابُ المأمورات لا يُؤاخَذ الإنسان بتَرْكه إياها، لكن لا يَلزَم من عدَم مُؤَاخَذته بتَرْكها جاهِلًا أن يَسقُط عنه فِعْلُها أو فِعُل بدَلها، والدليل أن النبيَّ -ﷺ- لَمْ يَعْذُر الجاهِلَ في تَرْك الطُّمَأنينة.
وقد سبَق لنا: أنَّه قد يَكون الإنسان مُفرِّطًا في تَرْك السُّؤال فيَلزَمه الإثمُ لتَفْريطه، ثُمَّ هل هذه الآيةُ عامَّةٌ في حقِّ اللَّه تعالى وفي حقِّ الآدَميِّ؟
نَنظُر ونَقول: حتَّى في حقِّ الآدَمي، لأن الآيةَ عامَّةٌ ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾، لكن لا يَلزَم من انتِفاء الإِثْم انتِفاءُ الضَّمان في حَقِّ الآدَمي؛ فَلو أن رجُلًا أَكَل طعامَ إنسانٍ جاهِلًا أنَّه طعامُه فهل عليه إثمٌ؟ لا، لكن يَلزَمه ضمانُ الطَّعام؛ لأنه حقُّ آدَميٍّ، أمَّا لو عَلِم أنَّه طعام فلانٍ فإنه يَأثَم مع الضمان.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: سَعَة رحمة اللَّه ﷾ حيثُ أَسقَط الإِثْم عمَّن كان مُخْطِئًا
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الأذان، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم، رقم (٧٥٧)، ومسلم: كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، رقم (٣٩٧)، من حديث أبي هريرة -﵁-.
[ ٥٨ ]
﴿فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ مَدار الأحكام والمُؤاخَذة عليها هُو القَلْب؛ لِقَوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، وهذا له شَواهِدُ كثيرةٌ منها قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]، وفي الآية الأخرى ﴿بِمَا كَسَبَت قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، ومِنها قولُه تعالى في جزاء الصَّيْد: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] وبِناءً على ذلك لو أنَّ المُحرِم قَتَل صيدًا غيرَ مُتعَمِّد لا يَأثَم ولا يَضمَن؛ لأنه حَقٌّ للَّه تعالى، واللَّهُ تعالى قد عفا عن حَقِّه.
وبه يُعرَف ضَعْف قول مَن قال: إن جزاء الصَّيْد واجِب حتَّى على مَن قتَله خطَأ في حال الإحرام، مع أن الآية صريحة: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾.
ويَلحَق بذلك ما لو قَصَّ أظفارَه جَاهِلًا وهو محُرِم، أو حلَق رأسَه من بابِ أَوْلى، ويَلحَق به ما لو جامَع زوجته، مثل: لو أنَّ رجُلًا في مُزدَلِفةَ جامَع زوجته وهي في مُزدَلِفةَ جاهِلًا استِنادًا إلى قول النبيِّ -ﷺ-: "الحَجُّ عَرَفَةُ" (^١)، وهذا يَقَع فليس عليه ليس عليه شيءٌ، لا إِثْم، ولا فَساد نُسُك، ولا قضاءٌ؛ لأنه جاهِل ما تَعمَّد.
ولهذا بعض الناس بنَى على ذلك مَسألةً أَغرَبَ من ذلك، إذا وقَف بعرَفةَ ثُمَّ انصَرَف فله أن يُسافِر إلى أهله وفِعْلًا حصَل هذا، منهم مَن يَتوَرَّع، وإذا سافَر وكَّل
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد (٤/ ٣٠٩)، وأَبو داود: كتاب المناسك، باب من لم يدرك عرفة، رقم (١٩٤٩)، والترمذي: كتاب الحج، باب فيمن أدرك الإمام بجمع، رقم (٨٨٩)، والنسائي: كتاب مناسك الحج، باب فرض الوقوف بعرفة، رقم (٣٠١٦)، وابن ماجة: كتاب المناسك، باب من أتى عرفة قبل الفجر، رقم (٣٠١٥)، من حديث عبدِ الرحمن بنُ يعمر -﵁-.
[ ٥٩ ]
أحدًا يَبيت في مِنًى ويَرمِي عنه، ومنهم مَن يَقول: عُدُّوا لي كَمْ من واجِب تَرَكت، وأنا أُعطِي لكم ذبائِحَ عنها.
الخُلَاصةُ: الآنَّ أنَّ كُلَّ شيءٍ لا يَتعمَّدُه الإنسانُ بِقَلبه فإِنَّه لا إِثْم عليه فيه، وإذا كان من حَقِّ اللَّه تعالى سقَطَ عنهُ الإثم والضَّمان إِنْ كان ممَّا يُضْمَن أو مِمَّا تَجِب به الكفَّارة، وإذا كان لَحِقّ آدَمي سقَط عنه الإِثْم وَوجَب الضَّمان، إلَّا أنَّه يُسْتَثنَى من هذا مَسألةٌ واحِدة، وهي قَتْل النفس، فإن قَتْل النفس وإن كان خطَأً تَجِب فيه الكفَّارة، ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢].
فأَوجَب اللَّه ﷿ حقَهُّ وحقَّ العِباد، وذلك لعِظَم قَتْل النَّفْس؛ لأن قَتْل النَّفْس -والعِياذُ باللَّه- عَمْدًا لا تُحِلُّه الكَفَّارة ولا يَنفَع فيه إلَّا التَّوْبة النَّصوح مع استِيفاء الحُقوق؛ ولا أَعلَم شيئًا يُسْتَثْنى منها إلَّا مسألةَ القَتْل، والقَتْل إنما هو لعِظَمه.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: إثبات اسمَيْن كريمين من أسماء اللَّه؛ لقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وما تَضمَّناه من الصِّفة وما تَضمَّناه من الحُكْم أيضًا -وهو الأثَر-؛ لأنَّ الغفور والرحيم مُتعَدِّيانِ يَتعلَّقان بالغير، والقاعِدة في أسماء اللَّه تعالى وصِفاته: أنَّه إذا كان الاسمُ مُتعدِّيًا فإنه يَلزَم الإيمانُ به اسمًا للَّه تعالى، وبما تَضمَّنه من صِفة، وبما يَتَرتَّب عليه من الحُكْم، وبعضُهم يَقول: الأثَر.
* * *
[ ٦٠ ]