* * *
* قال اللهُ ﷿: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤) أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٤، ٣٥].
* * *
* قولُه تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا﴾: (اللام) هنا للعاقبةِ، يعني أنهم بإشراكِهم صارَ عاقبتُهم الكفرَ بما آتاهم الله ﷿ وقوله: (آتاهُم) أي أعطاهُم.
وهل الباء في ﴿بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ للسببيَّة، أو للتخصيص بمعنى أنهم يَكْفُرُونَ بِهَذا الشَّيء؟
الجواب: يحتملُ أنْ تكونَ للسببيةِ، أي بسببِ ما آتاهم الله تَعالَى من الرَّحمة والإنقاذ من الشّدة، صار ذَلِك سببًا لأشرهم وبطرهم وكفرهم، كما هي عادة الإنسان إلا من عصمه الله ﷿ أو يُقَال: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾، أي: يكفروا بِهَذا الشَّيء الَّذي آتيناهم حيْثُ لا يؤدونَ شُكرَه، وكان الواجبُ عليهم أن يؤدوا الشُّكر للهِ ﷾.
وقوْله ﷾: ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾: هَذا يسمونَه في البلاغة التِفاتًا، يعني لم يقل: وليتمتعوا، كما قال في آية أخرى، ولكنه أمرهم أنْ يتمتعوا، والأمرُ هنا للتهديدِ كما قال المُفَسِّر ﵀: [﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ أريدَ به التَّهديد ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾]؛ فالأمر هنا للتهديد وليس للإباحة، والدَّليل عَلَى ذَلِك قوْله تَعالَى: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.
[ ٢٠٥ ]
ثمَّ قال المُفَسِّر ﵀: [عَاقِبَةُ تَمتُّعِكُمْ، فِيهِ التِفَاتٌ عَنِ الغَيْبَةِ].
الغَيْبَة ﴿لِيَكْفُرُوا﴾، والالتفاتُ له فائدتان:
الفائِدَةُ الأولَى: فائدةٌ لازمة في كل التفاتٍ، وهي التَّنبيهُ؛ لأَنَّ الكلام إذا كان عَلَى نسق واحد استمر الإنسان فيه مُنساقًا معه، فإذا اختلفَ انتبَه: لماذا اختلف السِّياق؟ لماذا كانت الجملةُ للغائب ثمَّ صارتْ للمُخاطبِ أو بالعكس؟ فيقفُ ويحصل بذلك تَأَمُّلٌ.
أما الفائِدَةُ الثَّانيَةُ: فإنها تختلف بحسب السِّياقِ، وهي في هَذه الآية: أنهم إذا قُوبِلوا بالأمر ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ صار أشدَّ وأبلغَ تهديدًا مما إذا قال: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ [العنكبوت: ٦٦].
وقوْله تَعالَى: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: قد قيل إنَّ (سوف) تفيدُ التَّحقيق، لكنها تفيد أيضًا التَّراخي بخلاف السِّين، فإنها تفيد التَّحقيق والفورية، وكل شيء بحسبه، وإنما كان كَذَلِكَ هنا لأَنَّ أشد العقابِ الَّذي يأتيهم سيكون يوم القيامة وهو متأخر.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿أَمْ﴾ بمعنى همزة الإِنكار ﴿أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾ حُجَّةً وَكِتَابًا ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ تَكَلُّمَ دَلالَةٍ ﴿بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ أيْ يَأْمُرُهُمْ بِالإِشْرَاكِ! لَا].
﴿أَم﴾ هنا يقول المُفَسِّر ﵀: [بمعنى همزة الإنكار]؛ وَهَذا أحدُ القولين فيها، والقول الثَّاني: أنَّها بمعنى (بلْ) و(الهمزة)، فتكون مفيدة للإضراب، وهنا الإضراب الانتقالي يعني: بل أنزلنا عليهم سلطانًا، والاسْتِفْهام إذا كان للإنكار
[ ٢٠٦ ]
فمعناه النَّفي، يعني: هل نحن أنزلنا عليهم سلطانًا يؤيد شركهم ويثبته ويقول إِنَّه حق؟ والجواب: لا، ما أنزلنا ذلك.
يقول المُفَسِّر ﵀: ﴿سُلْطَانًا﴾ حُجَّةً وَكِتَابًا]، والحجة تسمى سلطانًا لأَنَّ المحتَجَّ بها له سلطة عَلَى المحجوج؛ فلِهَذا تُسمى سلطانًا، كما قال الله تعالى: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ [يونس: ٦٨]، أي حجة، واعلم أن السُّلطان يُطلق عَلَى عدة معانٍ، فيجمعها كلها السُّلطة عَلَى الشّيء، فتارةً تأتي بمعنى الحاكم كما جاء في الحديث: "فَإِن تَشَاجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ له" (^١)، وَكَذلِكَ: "إِنَّ الله يَزَعُ بِالسُّلْطَانِ مَا لَا يَزَعُ بِالقُرْآنِ" (^٢)، وتأتي (السُّلطان) بمعنى الحُجة وهو كثير، وتأتي بمعنى القُدْرَة مثل قوْله تَعالَى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣)﴾ [الرحمن: ٣٣]، أي بقدرة وليس لكم قدرة، وكلها يجمعها هَذا المعنى السُّلطة الَّتِي بها السَّيطرة والغَلَبَةُ.
وقوْله تَعالَى: ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾؛ قال المُفَسِّر ﵀: [تكَلُّمَ دلَالَةٍ]؛ فهو يتكلم بلسان الحال وليس بلسان المقال، هَذا ما قاله المُفَسِّر ﵀ ولكنه يحتمل أن تبقى عَلَى ظاهرها لأَنَّ الَّذي يَنزل من عند الله كلامُ الله، وكلامُ الله تَعالَى يصح أن ينسب الكلام إِلَيْهِ كما في قوْله تَعالَى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الجاثية: ٢٩]، وكما في قوْله تَعالَى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦)﴾ [النمل: ٧٦].
_________________
(١) أخرجه أبو داود: كتاب النكاح، باب النكاح، باب في الولي، رقم (٢٠٨٣)، والترمذي: أبواب النكاح، رقم (١١٠٢)، وابن ماجه: كتاب النكاح، باب لا نكاح إلا بولي، رقم (١٨٧٩).
(٢) أخرجه ابن شبة في تاريخ المدينة من قول عثمان بن عفان - ﵁ - (٢/ ٩٨٨).
[ ٢٠٧ ]
وقوْله تَعالَى: ﴿بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾: (الباء) هنا للاختصاصِ أيضًا، أي يتكلم بِهَذا الشَّيء ويقول إنَّه حق.
والجوابُ: لا، إِذَنْ فليس عندهم حُجَّةٌ لا عقلية ولا فطرية، أمَّا العقلية فقد سبق أنَّ فطرة الله ﷾ كلها الإِخْلاص لله، وأما الشَّرعية فإِنَّهُ لم يأتِ في كتابٍ من الكتب المنزلة أن الشِّرك حق، فجميعُ الكتب المنزلة وجميع الرّسل المرسلين كلهم يقُولونَ: اعبدوا الله ما لكم من إلهٍ غيره، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥].
من فوائد الآية الكريمة:
الفائِدَةُ الأولَى: أن الله تَعالَى قد يجعلُ النِّعم سببًا للكُفر ويكونُ كفرهم عَلَى هَذا النَّحو؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾؛ لأننا ذكرنا أن اللام هنا للعاقبة.
الفائِدَةُ الثَّانيَةُ: إثْبَات الأسبابُ إذا جعلنا (الباء) في قوْله تَعالَى: ﴿بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ سببية، أمَّا إن جعلناها للاختصاص فليس فيها دليل.
الفائِدَةُ الثَّالثةُ: أن ما أصابنا من نِعَمٍ فإِنَّهُ من الله؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾.
الفائِدَةُ الرابعةُ: تهديدُ الكَافِرِينَ، وأنَّ انبساطَهم بنِعَمِ الله ﷾ ضررٌ عليهم لقوْلِه تَعالَى: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.
الفائِدَةُ الخَامِسَةُ: بلاغةُ القرآن، وَذَلِكَ بالانتقال من الغَيْبَةِ إِلَى الخِطاب الَّذي يسمى في اصطلاح البلاغيين التِفاتًا.
الفائِدَةُ السّادِسَةُ: إثْبَات الجزاء؛ نأخذه مِنْ قَوْلِهِ تَعالَى: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.
[ ٢٠٨ ]
الفائِدَةُ السّابِعَةُ: أنَّ أولئك المُشْرِكِينَ لَيْسَ لهم حجةٌ عَلَى شِركهم؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾.
الفائِدَةُ الثَّامِنةُ: أنَّ مَنْ صنع شيئًا بدليلٍ فلا لوم علَيْه؛ يُؤخذ مِنْ قَوْلِهِ تَعالَى: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾، يعني لو كان لهم سلطانٌ لا نلومهم ولا نعذبهم.
الفائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أن المجتهدَ المتأوِّلَ لا إِثْمَ علَيْه لاعتماده في اجتهادِه عَلَى دليلٍ، يعني أنه استند إِلَى دليل، وَلهذا لم يُضَمِّن النَّبيُّ - ﷺ - أُسَامَةَ بْنَ زيدٍ الرَّجلَ الَّذي قتلَه بعد أن قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله (^١)؛ لأنهُ مُتَأوِّلٌ، ولم يُلزِم عَمَّارَ بْنَ يَاسِر بقضاءِ الصَّلاة حين تيممَ عن الجنابة بالتَّقلب عَلَى الأرْض والتَّمرُّغ فيها (^٢)، لأَنَّهُ مُتَأوِّلٌ، ولم يُلزمِ المرأةَ المُستحاضةَ بقضاءِ الصَّلاة وهي تتركها وقت الاستحاضة (^٣)؛ لأنَّهَا مُتَأوِّلَةٌ.
وعلى هَذا فكل مُتَأَوِّلٍ يظن أنه عَلَى صواب فإنَّهُ لا إثمَ علَيْه، لكن هل هَذا يشمل الأصولَ والفروعَ أو هو خاصٌّ بفروعِ الدِّين؟
قَالَ شَيْخُ الإِسْلَامِ: إنَّه يشملُ الأصولَ والفروعَ (^٤)، وأنكرَ شيخُ الإسْلام وتلميذُه ابنُ القَيِّمِ أنْ يكُونَ الدِّين منقسِمًا إِلَى أصول وفروع، وقال: إن هَذا التَّقسيمَ
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب المغازي، باب بعث النبي - ﷺ - أسامة بن زيد إلى الحرقات من جهينة، رقم (٤٢٦٩)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله، رقم (٩٦).
(٢) أخرجه البخاري: كتاب التيمم، باب التيمم ضربة، رقم (٣٤٧)، ومسلم: باب التيمم، رقم (٣٦٨).
(٣) أخرجه أبو داود: كتاب الطهارة، باب من قال إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة، رقم (٢٨٧)، والترمذي: أبواب الطهارة، باب في المستحاضة أنها تجمع بين الصلاتين بغسل واحد، رقم (١٢٨)، وابن ماجه: كتاب الطهارة، باب ما جاء في المستحاضة التي قد عدت أيام أقرائها، قبل أن يستمر بها الدم، رقم (٦٢٢).
(٤) مجموع الفتاوى (١٣/ ١٢٥).
[ ٢٠٩ ]
لا أصلَ له لا في الكتابِ ولا في السُّنة، فهذه الصَّلاة عند المقسمين من قسمِ الفروعِ وهي من آصلِ الأصولِ، هي الرُّكن الثَّاني من أركان الإسْلام، ومع ذَلِك هي عندهم من قسم الفروعِ، وأشياء يَخْتَلِفُونَ فيها وهي عِنْدَهُم من قسمِ الأصولِ، ويرونَ أنَّ للاختلافَ فيها مُساغًا كاختلافهِم في رؤية النَّبيِّ - ﷺ - ربَّه، واختلافهم في نَعِيمِ القبرِ وعذاب القبر في بعض الصُّور، وما أشبهَ ذَلِك مما هو من العقائد، ومع ذَلِك يرون أنَّ الاخْتِلافَ فيه سائغٌ.
فالشَّاهدُ أنَّ المدارَ كلَّه عَلَى قاعدةٍ من قواعدِ الشّرعِ، وَهِيَ قوْله تَعالَى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فمَنِ اجتهدَ في طلبِ الحقِّ وتحرَّاه ولكنه لم يوفقْ له مع حُسْنِ النِّيةِ وصحةِ المَسْلَكِ فلا يمكن أنْ نقولَ: هَذا آثم، مثلًا يوجد عُلَمَاءُ أجِلَّاء نشهدُ لهم بالدِّينِ والصَّلاحِ وحُبّ الإسْلامِ والانتصار للإسلام، ومع ذَلِك هم مخالِفونَ للسلفِ في العقيدةِ، ونحبهم ولا نؤثمهم كابنِ حَجَرٍ، وابن الجوْزِيِّ، وَكَذلِكَ النَّوَوِيُّ، وطوائف من العلَماء معروفينَ بالصَّلاحِ والإصلاحِ وحب الخيرِ، ونعلم أنهم مجتهدونَ، نَعَم الإنسانُ الَّذي تبيَّن له الحق ولكنه عانَد وأصرَّ فيُعامَل بما يقتضيهِ عنادُه وإصرارُه.
وهنا قوْله تَعالَى: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾ هِيَ فِي مَسْأَلة أُصُولِية فِي الشِّرك، لو كَانَ لهم حُجَّةٌ يَعْتَمِدُونَ عَلَيْهَا مَا استحقوا العذابَ ولا اللومَ ولكنْ لَيْسَ لهم حُجَّةٌ.
الفائِدَةُ العَاشِرَةُ: أنه لا بُدَّ أنْ يكُونَ السُّلطانُ أو الحُجة الَّتِي يحتجونَ بِهَا واضحة؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾، والتّعبيرُ بالكلامِ هُوَ أوضحُ مَا يَكُونُ مِنَ الإظهارِ.
[ ٢١٠ ]
الفائِدَةُ الحادِيَةَ عَشرَةُ: ظهورُ عدلِ الله ﷾ وإلَّا لكانَ ﷿ يعذبُهم بدون أنْ يقيمَ عَلَيْهِمُ الحُجةَ، ولكنْ لإظهارِ عَدْلِه ﷾ صارَ يطالبُ بحُجةِ هَؤُلاءِ مَعَ العِلْم بأنهُ لا حُجَّةَ لهم، ومن هَذَا النَّوع المَوَازينُ يَوْمَ القِيَامَةِ، والكُتُبُ يَوْمَ القِيَامَةِ، فكل هَذَا لإظهارِ عدلِ الله، وإلَّا فإن الله تَعالَى له الحُكْمُ وَإلَيْهِ المُنتهى، قادرٌ عَلَى أن يعذب بدونِ ميزانٍ وبدون كتابٍ، ولَكِنَّهُ ﷾ لكمالِ عدلهِ يُعطَى الإنسانُ كتابَه ويُقال له: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ [الإسراء: ١٤]، قَالَ بعضُ السَّلفِ: "لَقَدْ أنصَفَكَ مَنْ جَعَلَكَ حَسِيبًا عَلَى نَفْسِكَ" (^١)، لو كَانَ بينكَ وبينَ أحدٍ معاملةٌ من حسابٍ وصادرٍ وواردٍ، فقلتَ له: خُذِ الدَّفتر أنْتَ وحاسبْ، فلا شك أن هذا عدلٌ، بخلاف مَا لو أجملتَ الحساب وقلتَ: عليكَ كذا ولكَ كذا، وقد يَكُون فِي هَذَا شبهةٌ، لكن كونه يعطيكَ الدَّفتر ويقول: (أنتَ حَاسبْ نَفْسَكَ)، فَهَذا غايةُ الإنصافِ.
* * *
_________________
(١) إيجاز البيان عن معاني القرآن لأبي القاسم النيسابوري (٢/ ٤٩٧).
[ ٢١١ ]