لكِنَّها فِي المَعْنَى مُفيدَةٌ، تُفِيدُ التَّوكِيدَ، ولَوْلَا القُرآنُ لكَانَ السِّياقُ: (مَا لهمْ بذَلِكَ عِلْمٌ)، لكِنْ تُزادُ الحُرُوفُ للتَّوكيدِ؛ لتَوكِيدِ النَّفيِ فِي هَذه الآيةِ يَعْنِي: أن قَولهمْ: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ قَوْلٌ مَبنِيٌّ عَلَى الخرْصِ والظَّنِّ، والمُحَاجَّةِ بالبَاطِلِ، وإلَّا فهُمْ عَمِلُوا وعَبَدُوا بدُونِ أَنْ يَعلَمُوا أنَّهُ مَكتُوب علَيهِمْ؛ لأنهُ لَا يُعلَمُ المَكتُوب إلَا إِذَا وَقَعَ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: أن هؤُلَاءِ احتَجُّوا بالقَدَرِ فقَالُوا: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: بُطْلَانُ الاحتِجَاجِ بالقَدَر؛ لقَولِهِ: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾.
وقَولهمْ: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ صَحِيحٌ، لكِنَّ الاحتِجَاجَ بِهِ غَيرُ صَحِيحٍ، لَوْ شَاءَ الرَّحمنُ مَا عبَدُوهُم كقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا﴾ [البقرة: ٢٥٣]، فهَذَا القَوْلُ صَحِيح، لكِنَّ الاحتِجَاجَ بِهِ غَيرُ صَحِيحٍ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ صَحِيحٌ، لأَنَّ اللهَ تعَالى يَشَاءُ كُلَّ شَيءٍ، كُل شَيءٍ فهُوَ وَاقِعٌ بمَشيئَةِ اللهِ، لكِنْ لَا حُجَّةَ بشَيءٍ لَا تَعْلَمُه أنْتَ، إِذْ إِنَّك لَا تَعْلَمُ أن هَذَا مُقدَّرٌ عَلَيكَ إلا إذَا وَقَعَ، فالقَدَرُ سِرّ مَكْتُومٌ لَا يُعلَم إلَّا إِذَا وَقَعَ المَقْدُورُ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الرَّدُّ عَلَى القَدَريَّةِ الَّذِينَ يُنكِرُون أن اللهَ تعَالى يَشَاءُ أفعَال العِبَادِ، فالقَدَريَّةُ -وهُمُ المُعتَزِلَةُ- يَقُولُون: إنَّ الإنسَانَ خَالِقُ عمَلِهِ، مُريدٌ لَهُ، مُستَقِلّ بِهِ، وأنَّ اللهَ ﷾ لَا إرَادَةَ لَهُ بِهِ، سُبْحَانَ اللهِ! أيقُولُ اللهُ ﷿: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٩] وتَقُولُون أنْتُم: لَا؟ !
[ ٩٣ ]
قابَلَهُم قَوم آخَرُون، وهُمُ الجَبْرِيَّةُ، وقَالُوا: كُلُّ شَيءٍ وَاقِع فهُوَ بمَشيئَةِ اللهِ، والإنسَانُ مُجبَرٌ عَلَى العَمَلِ ولَيسَ مُختَارًا، وهَذَا أيضًا قَولٌ باطِلٌ، وكلّ يَعْرِفُ الفَرْقَ بَينَ الفِعْلِ الاختِيَاريِّ وبينَ الفِعْلِ الاضْطِرَارِيِّ، فكُلّ يعرِفُ الفَرْقَ بَينَ أَنْ يَنْزِلَ الإنسَانُ مِنَ السَّطْحِ مِنْ عَلَى الدَّرَجِ شيئًا فشَيئًا وبَينَ أَنْ يَتَدَحْرَجَ بدُونِ اختِيَارٍ مِنْهُ.
وهُمْ -أَعْنِي: الجَبريَّةَ- يَقُوُلونَ: إنَّ الكُلَّ سَوَاءٌ، يَنْزِلُ باختِيَارٍ، أَوْ يَتدحْرَجُ بغَيرِ اختيَارٍ، الكُلُّ سَوَاءٌ، ومَا حرَكَةُ الإنسَانِ إلَّا كحَرَكَةِ السَّعفةِ فِي الرِّيحِ.
وهَذَا أيضًا قَوْلٌ بَاطِلٌ، ولَا يُمكِنُ أَنْ تَقُومَ بِهِ أُمَّة، ولَا أَنْ تَقُومَ بِهِ مِلَّة، ولَا أَنْ تَقُومَ بِهِ دُنْيَا ولَا أُخْرَى، وإلَّا لقُلْنَا: كُلُّ إنسَانٍ يَتَسَلَّط عَلَى آخَرَ، ثُمَّ يَقُولُ: هَذَا بقَضَاءِ اللهِ وقدَرِهِ، مَا أَمْلِكُ، هَلْ يَرضَى هؤُلَاءِ أَنْ يَأتِيَ شَخْصٌ ويَرُضُّهم رَضًّا، ثُمَّ يقُولُ: هَذَا بقَدَرِ اللهِ؟
الجَوابُ: لَا أحَدَ يَرضَى بذَلِكَ، ولمَّا أَمَرَ عُمرُ بْنُ الخطَّابِ - ﵁ - أَنْ تُقطَعَ يَدُ السَّارِقِ قَال: مَهْلًا يَا أمِيرَ المُؤمِنِينَ، واللهِ مَا سرَقْتُ إلَّا بقَدَرِ اللهِ. قَال: ونحْنُ لَا نَقْطَعُ يَدَكَ إلا بقَدَرِ اللهِ.
فكُلُّ إنسَانٍ يَعْرِفُ أن الإنسَانَ مُختَارٌ، ولَهُ إرادَةٌ تَامَّةٌ بِهَا يَفْعَلُ، لَوْ أننا قُلْنَا بقَوْلِ الجَبرَّيةِ لكَانَتْ عُقُوبةُ اللهِ للمُجرِمِينَ ظُلْمًا؛ لأَنَّهُم سيَقُوُلون: يَا رَبَّنا فعَلْنا هَذَا بغَيرِ اختِيَارِنَا، والَّذِين يَقُولُون: إنَّ اللهَ لَا عَلَاقَةَ لَهُ بفِعْلِ العَبْدِ فهُمْ أيضًا مخطِئُون.
ولهذَا يُسمَّى هؤُلَاءِ القدَريَّةُ مَجُوسَ هَذه الأُمَّةِ؛ لأَنَّهُم جَعَلُوا للحوَادِثِ خالِقَينِ، حوَادِثُ بشَرِيَّة مِنْ خَلْقِ البشَرِ، وحوَادِثُ إلهيَّة مِنْ خَلْقِ اللهِ ﷿، فسُمُّوا مَجُوسَ هذ الأُمَّةِ؛ لأنَّ المَجُوسَ يَقُولُونَ: إنَّ الحوادِثَ لَهَا خَالِقَانِ: الشَّرُّ تَخْلُقه الظُّلمَةُ،
[ ٩٤ ]