* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤) كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٥) فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٢٦) وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٢٤ - ٢٧].
قوله تعالى: ﴿يَتَّقِي﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [يَلْقَى]، لكِنَّ المُتَّقيَ للعَذاب هو من يُحاوِل النَّجاة منه، لكِنَّ المُلاقيَ للشيء قد يُلاقيه ببُشرى وفرَحٍ وسُرور، فتَفسير ﴿يَتَّقِي﴾ بـ (يَلقَى) لا شَكَّ أنه قاصِر، ولكنه بعض الأحيان يُفسِّر المُفَسِّر ﵀ القُرآن بما يُقارِبه كما فسَّر قوله تعالى قال: ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾ بـ[أَشَدَّه]، ففسَّر كلِمة سُوء بأَسوَأَ، وأَسوَأُ لا شَكَّ أنه اسم تَفضيل، وسوء ليس كذلك، وعلى هذا فيَكون المُفَسِّر ﵀ فسَّر الكِتاب بما هو أعلى مِنه، والواجِب: أن يَكون المُفسِّر مُطابِقًا للمُفسَّر، ولو قال المُفَسِّر ﵀: العَذاب السيِّئ لكان أَبلَغ مُطابَقة للقُرآن.
والعَذاب هو الشيء الذي يُصيب الإنسان إصابةً مُباشِرة يُقال: ذاقه، لكن ليس باللسان، إنما لمَّا أَصابه مُباشَرة صار كالمَطعوم الذي يُدخِله الإنسان في جَوْفه، وعلى كل حال فإحساسُ الوَجْه بالعَذاب أشَدُّ من إحساس بقية الجَسَد، ويَكون الوَصْف للعَذاب نفسِه إذا كان أَسوَأَ العذاب، ويَكون في الوجه صار أشَدَّ على
[ ٢٠٦ ]
الإنسان ممَّا لو كان في طرَف آخَرَ، لكن الذي يَظهَر لنا: أن سوء العَذاب ليس على اسمِ تَفضيل، ولكنه من باب إضافة الصِّفة إلى مَوْصوفها، يَعنِي: العَذاب السيِّئ.
ومن هذا البابِ أيضا كلِمتا (خَيْر) و(شَر) تُطلَقان على باب اسم التَّفضيل إذا قلت: هذا خيرٌ من هذا وهذا شَرٌّ من هذا. وقد تُطلَقان ويُراد بها الوَصْف بالشَّرِّ فقط، كما تَقول: (هذا شرٌّ)، (هذا خَيْر).
وقول المُفَسِّر ﵀: [بأن يُلقَى في النار مَغلولةً يَدُه إلى عُنُقه] كأنه أُخِذ من كونه يَتَّقي العَذاب بوَجهه؛ لأنه لو كانت يَدُه مُطلَقة لاتَّقَى العَذاب بيده، ولكنِّي أَقول: لا يَلزَم منِ اتِّقاء العَذاب بوَجْهه أن تُغَلَّ يدُه؛ لأن يدَه قد تَكون مُرسَلة غير مُقيَّدة، ولكن لا يَستَطيع أو يَظُنُّ أن مُدافعته بوجهِه أشَدُّ، فيُدافِع بوجهه.
قال المُفَسِّر ﵀ في جواب الشَّرْط في ذِكْر المُعادِل: [كمَن أمِن منه في دُخول الجَنَّة؟].
والجَوابُ: لا، وحينئذٍ يَكون الاستِفْهام للنَّفيِ، يَعنِي: لا يَستَوي مَن يَتَّقِي بوَجْهه سُوء العذاب مع من أمِن العَذاب ولم يَتَّقِه ثُمَّ قال ﵀: [﴿وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ﴾ أي: كُفَّار مَكَّةَ ﴿ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ أي: جزاءَهُم]؛ وقوله: [﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ أي: كُفَّار مكَّةَ] كأنه أَخَذه من قوله تعالى: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ وإلَّا فإن الظالمِين هنا عامٌّ، لفظ عامٌّ يَشمَل كفَّار مكَّةَ وغيرهم، وهذا هو الأَوْلى.
فإن قيل: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يَدُلُّ على أن هذا في المُتأخِّرين؟
قُلنا: نعَمْ، هو يَدُلُّ على أنه في المُتأخِّرين، لكن كل رَسول قد سبَقه رسول، فهنا نَقول: كذَّبَت قبلَهم قومُ نوحٍ وثَمودُ، كذَّبت قبلهم قوم عاد، وهَلُمَّ جرًّا، فيَكون
[ ٢٠٧ ]
(الظالِمون) عامًّا لكُفَّار مكَّةَ ولغيرهم، لكن أوَّل مَن يَدخُل فيهم بلا شَكٍّ كفَّار مكَّةَ؛ لأن القُرآن نزَل توبيخًا لهم وإنذارًا ودَعوةً.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ من جِهةٍ لا تَخطُر ببالهم] وهذا في التَّفسيرُ أشَدُّ وأبلَغُ من أن يَكون من أن يَأتيَهُمُ العَذاب وهم على أُهْبة الاستِعْداد له.
قوله ﵀: [﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ﴾ من الذُّلِّ والهَوان من المَسخِ والقَتْل وغيره] ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ فأَذاقَهمُ الله تعالى، أي: مسَّهُم به حتى كأنهم طعِموه وذاقوه بمَذاقاتهم.
وقول المُفَسِّر ﵀: [من المَسْخ والقَتْل وغيره] المَسْخ مثل اليَهود الذي قال الله لهم: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]، والقَتْل مثل قَتْل بني إسرائيلَ أنفسَهم حينما أُمِروا بالتوبة وقيل لهم: إن كُنْتم صادِقين في التَّوْبة فاقتُلوا أَنفُسكم.
يَقول المُفَسِّر ﵀: [وغيره] وذلك مثل الإِهْلاك بالصاعِقة والرَّجْفة وما أَشبَهَها، فالمُهِمُّ أن المُكذِّبين للرُّسُل كلُّهم أَهلَكهم الله ﷿.
فإن قال قائل: أليس مِن الرُّسُل مَن قُتِل؟
فالجَوابُ: بلى، ولكن هؤلاء الذين قُتِلوا إمَّا أن يَكونوا لم يُؤمَروا بالقِتال فاعتَدَى عليهم مَنِ اعتَدى بدون قِتال، وإمَّا أنهم أُتوا على غِرَّة دون أن يُجاهَروا بالقَتْل، ثُمَّ إذا قُتِلوا هل مَعنَى ذلك أن ما دُعوا إليه يَموت بمَوْتهم؟ لا، قد يَبقَى فيَكون هذا نَصْرًا لهم ولو بعدَ وفاتهم، فأَذاقهم الله تعالى الذُّلَّ والهَوان من المَسْخِ والقَتْل وغيره في الحَياة الدُّنيا.
[ ٢٠٨ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لو كانوا أي: المُكذِّبون يَعلَمون عذابَها ما كذَّبوا، فقول المُفَسِّر ﵀: (ما كذَّبوا) هو جَواب (لو) المَحذوفة.
ثُمَّ قال ﷾: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿ضَرَبْنَا﴾ يَقول المُفَسِّر ﵀: [جعَلنا]، ولعلَّ الضَّرْب أخَصُّ من الجَعْل، وهذا التَّفسيرُ تَفسيرٌ بما هو أعَمُّ؛ لأن ضَرْب المثَل ليس مُجرَّدَ جَعْلٍ له، بل ضَرْب المثَل للاعتِبار به، فضرَبْته مثَلًا أي: جعَلْته شبَهًا حتى يَعتَبِر به؛ فقوله: ﴿ضَرَبْنَا﴾ أي: بيَّنَّا ﴿لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾، والجُملة هنا مُؤكَّدة بمُؤكِّداتٍ ثلاثة: وهي اللَّام، و(قد)، والقسَم المُقدَّر؛ لأن تَأكيد الكلام في مثل هذا التركيبِ: (واللهِ لقَدْ) فيَكون مُؤكَّدًا بمُؤكِّداتٍ ثلاثة.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ﴾ إذا قال قائِل: كيف يُؤكَّد هذا وهو أَمْرٌ مَعلوم، والغالِب أن التأكيد إنما يُصار إليه للحاجة إليه؟
فالجَوابُ: أن التَّأكيد قد يَكون للحاجة إليه عندما يَكون المُخاطَب شاكًّا أو مُنكِرًا، وقد يَكون التَّأكيد لأهمية المُؤكَّد وإن لم يَكُن ثَمَّة إنكار أو تَردُّد، ومنه هذه الآيةُ فإن ضَرْب الله تعالى الأَمْثال للناس في القُرآن أَمْرٌ مَحسوس مُدرَك، ولكن لأَهَمِّيته أكَّده الله ﷿: ﴿لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ أي: من كل شَبَه، فيَضرِب الله تعالى الأشباه والنظائِر ليَحذَر مَن كان على مِثْل هذا النَّظيرِ وهذا الشبيهِ حتى لا يَقوم بمِثْل ما فعَل.
وقوله تعالى: ﴿لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ يَشمَل كل الناس المُؤمِن والكافِر؛ لأَجْل أن يَتذكَّر هؤلاء وهؤلاء.
[ ٢٠٩ ]
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ يَتَّعِظون] و(لعَلَّ) هنا للتَّعليل وهو أحَد معانيها، ومن مَعانيها التَّرجِّي مثل: لعَلَّ الحبيبَ قادِمٌ، ومن مَعانيها الإِشْفاق مثل: لعلَّ الحبيبَ هالِكٌ، ففي الأوَّل: لعَلَّ الحَبيب قادِم، رجاءٌ، وفي الثاني إِشْفاق يَعنِي: أَخشَى أن يَكون هالِكًا، وتَأتي للتَّعليل كما في هذه الآيةِ، وكما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]، وقوله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ قد تَكون هذه للتَّوقُّع، وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣] للتَّوقُّع أيضًا، وهي في القرآن كثير، وقوله تعالى: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ [غافر: ٣٦] للتَّرجِّي، ويُحتَمَل أن تَكون للتَّعليل، وإنَّما هو كثير في القُرآن.
وإنما بيَّنته لئَلَّا يَظُنَّ بعض الناس أنها للتَّرجِّي في كل مَكان فيقول: كيف يَترجَّى الله ﷿ الشيءَ وهو قادِر على كل شيء؟ نَقول: (لعَلَّ) إذا جاءَت في كلام الله تعالى فهي للتَّعليل.
وقوله المُفَسِّر ﵀: ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾ يَعنِي: [يَتَّعِظون]؛ لأن هذا هو الغرَض من ضَرْب الأمثال.