* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢].
قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [كمَن طبَع اللهُ على قَلْبه ﴿أَفَمَنْ﴾ الهَمْزة للاستِفهام والفاء عاطِفة، واختَلَفوا في المَعطوف عليه على قولين: إمَّا شيء مُقدَّر، أو على ظاهِر ما سبَقَ.
وقوله تعالى: ﴿شَرَحَ﴾ أي: وسَّع، ومنه قولنا: فُلان شرَح الكِتاب، يَعنِي: وَسَّعه، ومنه: شرَحَ صَدْره للإسلام.
ويُحتَمَل أن يُراد ما في الصَّدْر، ويَكون المَعنَى أن الله تعالى يُوسِّع القَلْب فيَجعَله مُنفَتِحًا للإسلام لا يَضيق به ذَرْعًا، ويُحتَمَل أنه الصَّدْر نَفْسه؛ لأن الإنسان يُحِسُّ بالشيء إذا أَغمَّه أن صَدْره ضاق، وإذا جاءَه ما يُفرِحه نَفْس الصَّدْر يَنشرِح - وإن كان الأصل القَلْب، لكن مكان القَلْب يَكون فيه اتِّساع وضِيق - وهذا شيءٌ مُشاهَد، فإبقاء الآية على ظاهِرها، وهو أن المُراد بالصَّدْر حقيقته، أي: أن حقيقة الصَّدْر أَوْلى، فيَنشَرِح الصدر للإسلام، ويَتقبَّل جميع شرائعه؛ إن أُمِر بالشيء انشَرَح لقَبوله والعمَل به، وإن نُهِيَ عن شيء انشَرَح لقَبوله واجتِنابه، وإن أُخبِر عن شيء انشَرَح لقَبوله وتصديقه وهكذا، وقِسْ هذا برجُل فاسِق إذا أمَرْته بالصلاة تَجِده يَضيق صَدْره
[ ١٧٥ ]
وربما يَقول: أنا لا أُصلِّي لك! دَعْني! وبعض الناس إذا أَمَرْته وذكَّرْته فرِحَ وانشَرَح صَدْره، وقد بيَّن الله تعالى في سورة الأنعام صورةً مُقرَّبة لهذا المَعنَى فقال ﷾: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ يَعنِي: شديد الضيق ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] يَعنِي: كأنه إذا عُرِض عليه الإسلام يَصعَّد في السماء، أي: يَتكَلَّف الصعود.
وقدِ اختَلَف العُلَماء ﵏ في مَعنَى ﴿يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ هل مَعناه: ما اشتُهِر الآنَ من أن الإنسان كُلَّما ارتَفَع في الجوِّ كثُر عليه الضَّغْط، أو أن المَعنى: يَصعَد جَبَلًا عاليًا شامِخًا يَتعَب في رُقيِّه، فالمُفسِّرون السابِقون لا شَكَّ أنهم لا يَعرِفون عن مَسأَلة الضَّغْط، والمُتأخِّرون يَعرِفونه، والله ﷿ يَعلَم هذا وهذا، والآية صالِحةٌ للأَمْرين؛ لأنك لو تَصوَّرت جبَلًا صَعْبَ الرُّقيِّ، وعاليًا يَعنِي: في السماء، مَعناه: عالٍ، وصَعِده الإنسان يَتكلَّف لا سيَّما إن كان عنده ضَغْط يَتعَب جِدًّا، وإذا قُلْنا: إن المُراد بذلك أن الإنسان يَصعَد في السماء فوق الغِلاف الجَويِّ فهو ظاهِر أيضًا.
قول الله ﷿: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ من عَلامة شَرْح الصَّدْر: قَبول الخبَر، وتَصديقه، وقَبول الأمر وامتِثاله، وقَبول النهيِ واجتِنابه، أي: لا يَكون عنده تَردُّد فهذا لا شَكَّ أنه كما قال تعالى: ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾.
قال المُفَسِّر ﵀: فاهتَدى فهو على نور فأَفادَنا المُفَسِّر ﵀ أن في الآية حَذْفًا، تَقديره: فاهتَدَى، ويُؤيِّده: ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ﴾، لكن الواقِع: أنه لا حاجةَ لهذا التَّقديرِ؛ لأن قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ أَيْ: بمُجرَّد أن يَشرَح الله تعالى صَدْره للإسلام يَصير على نور، وهو إذا شرَحَ الله تعالى صَدْره للإسلام فهو سيَهتَدي قَطْعًا.
[ ١٧٦ ]
وقوله: ﴿نُورٍ﴾ يُحتَمَل أن يَكون نورًا حِسِّيًّا، أو مَعنَويًّا، فالمَعنوِيُّ، أَيْ: على نورٍ، والحِسِّيُّ أي: ولو كان في حُجْرةٍ مُظلِمة فهو على نور، يَعنِي: يَجِد نَفْسه أنه يَمشِي على نور.
وهو يَشمَل نور الدنيا ونور الآخِرة، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [الحديد: ١٢].
وقوله تعالى: ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾، الربوبية هنا مُضافة إلى هذا الذي شرَحَ الله تعالى صَدْره للإسلام، وهي رُبوبية خاصَّة؛ لأنها أُضيفَت إلى مَن هَداه الله تعالى.
وفي الآية شيء محَذوف دلَّتْ عليه الهَمزة، وقَدَّره المُفسِّر ﵀ بقوله: [كمَن طُبِع على قَلْبه]، ولو أن المُفَسِّر ﵀ قال: (كمَن ضاقَ صَدْره بالإسلامِ)، لكان هذا أنسَبَ في المُقابِلة؛ لأنه يَنبَغي أن تَجعَل مُقابِل الشيء مُضادًّا له، ولا تَأتي بشَيْء آخَرَ.
فمثَلًا: لو قال الله تعالى: (أَفَمَن وسَّع الله قَلْبه) لكان المُناسِب أن يَكون المُقدَّر كما قال المُفَسِّر ﵀، لكن في قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ﴾ يَكون التَّقدير المُناسِب كمَن ضَيَّق الله تعالى صَدْره بالإسلام فضاق به ذَرْعًا.
وجوابُ هذا الاستِفْهامِ المَذكور في الآية: (لا)، فيَكون الاستِفهام مع المُقدَّر للنَّفيِ، أي: مَن لم يَشرَح الله تعالى صَدْره للإسلام فإن قَلْبه مُظلَم - والعِياذُ بالله تعالى - ليس فيه نور، لا نور عِلْم ولا نور إيمان.
وقوله ﵀: [﴿فَوَيْلٌ﴾ أي: كلِمة عَذاب ﴿لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾]، ﴿وَيْلٌ﴾ مُبتَدَأ و﴿لِلْقَاسِيَةِ﴾ خبَرُه و﴿مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ مُتعَلِّق بالقاسِية ﴿وَيْلٌ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: إنها كلِمة عَذاب وما قاله المُفَسِّر ﵀ أصَحُّ ممَّا قيل: إنها وادٍ في
[ ١٧٧ ]
جَهنَّمَ؛ لأن الإنسان يُقال له: ويلٌ لك من كذا في غير النار؛ قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩]، فهي كلِمة عَذاب ووعيد.
وقوله تعالى: ﴿لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ القاسِية اسمُ فاعِل، و﴿قُلُوبُهُمْ﴾ فاعِلٌ به، والقاسِي ضِدُّ اللَّيِّن، واللَّيِّن قَلْب المُؤمِن، والقاسِي قَلْب الكافِر.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: عن قَبول القُرآن، فأَفادَنا المُفسِّر ﵀: أن ﴿مِنْ﴾ بمَعنَى (عَنْ)، وأن المُراد بـ ﴿ذِكْرِ اللَّهِ﴾: القُرآن، والمَعنَى: فوَيْلٌ للذين تَقسُو قلوبُهم عن القرآن، لكن الأَوْلى إبقاء الآية على ظاهِرها.
ويُحتَمَل أن يَكون قوله تعالى: ﴿مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: بسبَب ذِكْر الله تعالى: فتَكون (مِن) للسَّببية أي: تَقسو قلوبُهم بسبَب ذِكْر الله تعالى، ويُحتَمَل أن المُراد بذِكْر الله تعالى ما هو أعمُّ من القرآن، ويَكون المَعنَى: أن هؤلاءِ كلَّما ذُكِر الله تعالى قسَتْ قُلوبهم.
ووجهُ ذلك: أنهم لا يُريدون ذِكْر الله تعالى، فإذا كرِهوا ذِكْر الله تعالى قَسا القَلْب عُقوبةً لهم، ويَدُلُّ لهذا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤، ١٢٥].
فتَجِد هَؤلاءِ القومَ أَعنِي: المُؤمِنين تَزيدهم السُّورة إيمانًا، والذين في قُلوبهم مرَض تَزيدهم رِجْسًا إلى رِجْسهم.
إِذَنْ نَقول: القاسِية قُلوبهم من ذِكْر الله تعالى يَعنِي الذين إذا ذُكِر الله تعالى قسَتْ قُلوبهم، فلا يَقبَلونه، وإذا لم يَقبَلوه ازدادت قُلوبُهم قَسوةً وقوله تعالى:
[ ١٧٨ ]
﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: ﴿أُولَئِكَ﴾ المُشار إليهم همُ القاسِية قلوبُهم.
وقوله تعالى: ﴿فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: بمعنَى بَيِّن، والأحسَن أن تَكون للظَّرْفية، وما أَحسَنَها في هذا المَوضِعِ إشارةً إلى أن الضَّلال قد أَحاط بهم من كل جانِب كما تُحيط الحُجْرة بساكِنها، وإذا كان الضَّلال قد أَحاط بهم من كل جانِب، فإنه لا يُرجَى لهم خَيْر - والعِياذُ بالله تعالى -؛ لأنهم في ضَلالٍ مُبين.
وعندما تُقابِل قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ بقوله تعالى: ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ يَتبَيَّن لك أن النور في الآية: نور العِلْم ونور الإيمان وضِدُّ العِلْم الضَّلال.