* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٨].
قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ الخِطاب إمَّا للرسول - ﷺ -، أو لكل مَن يَتَوجَّه إليه الخِطاب، واللَّام في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ﴾ مُوطِّئةٌ للقسَم، و(إِنْ) شَرْطية، والجَواب في قوله تعالى: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ جواب القسَم؛ لأنه قُرِن باللَّام، والذي يُجاب باللَّام هو القسَم وليس الشَّرط، والقاعِدة: أنه إذا اجتَمَع شَرْط وقسَم فالجَواب للسابِق منهما؛ قال ابنُ مالِك ﵀ في الأَلْفية:
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ (١)
والمُؤخَّر هنا الشرط فيُحذَف جوابه ويَكون جوابه مَعلومًا من جواب القسَم.
قوله ﷾: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ سُؤال استِفْهام ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ يَعنِي: مَن أَوْجَدهما على هذه الصَّنْعة البَديعة، والسمواتُ مَأخوذة من السُّموِّ وهو العُلو؛ لعُلوَّها وارتِفاعها؛ وجمَعَها لأنها سَبْع سمَواتٍ وطباقًا،
_________________
(١) الألفية (ص ٥٩).
[ ٢٦٦ ]
أي: مُتَطابِقة، فكل واحِدة فَوْق الأخرى، وعلى هذا فتَكون الثانية أَوْسَعَ من الأُولى، والثالثة أَوسَعَ من الثانية، والرابعة أَوسَعَ من الثالِثة وهلُمَّ جَرًّا، وإذا كان بينهما مَسيرة خمسِ مِئة عام عرَفت سَعة كل سماءٍ بالنسبة لما تَحتَها، وأن سَعَتها عظيمة، ومع هذا فهذه السَّمواتُ التي بهذه السَّعة العظيمة هي بالنِّسبة للكُرسيِّ كحلَقةٍ أُلقِيَت في فَلاةٍ من الأرض كحَلقة المِغفَر صغيرة أُلقِيَت في فَلاةٍ من الأرض، وفَضْل العَرْش على الكُرسيِّ كفَضْل الفَلاة على هذه الحَلقةِ، والرَّبُّ ﷿ لا يَقدُر قَدْره إلَّا الله ﷿.
إِذَنِ: السمواتُ سبع مُتَطابِقة، والأرض واحِدة؛ لأنه قال: ﴿وَالْأَرْضَ﴾، ولم يَقُل: والأَرَضين؛ نَقول: المُراد بالأرض هنا الجِنْس، فلا يُنافِي أن تَكون سبعًا، وقد أَشار الله تعالى في القُرآن إلى أنها سَبْع في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، وجاءَت السُّنَّة صريحةً في ذلك في مثل قول النبيِّ - ﷺ -: "مَن اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْض ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ" (١).
وقوله تعالى: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ هذا جَواب سُؤال؛ فيَقولون: الله تعالى هو الذي خلَق السَّمواتِ والأرضَ، ولم يدَّعِ المُشرِكون أن السَّمواتِ والأرضَ كانت قَديمةً غير مُحدَثة، ولم يَدَّعوا أن أحدًا خلَقها سِوى الله تعالى، بل أَقَرُّوا بأن الخالِق هو الله تعالى وحدَه، كما أنهم إذا سُئِلوا: مَن خلَقهم ليَقُولُنَّ: الله. فكلَّما سُئِلوا عن شيء يَتعلَّق بالربوبية نسَبوه إلى الله ﷿ من غير شَريك، فَهُمْ مُقِرُّون بتَوحيد الرُّبوبية غاية الإقرار، يَعلَمون أن الله تعالى هو الخالِق.
وقوله تعالى: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ في ضَمِّ هذا الفِعلِ مع اتِّصال نون التَّوْكيد به
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب المظالم، باب إثم من ظلم شيئًا من الأرض، رقم (٢٤٥٢، ٢٤٥٣)، ومسلم: كتاب المساقاة، باب تحريم الظلم وغصب الأرض وغيرها، رقم (١٦١٠)، من حديث سعيد بن زيد - ﵁ -
[ ٢٦٧ ]
إشكال، والمَعروف أن المُضارع يُبنَى في مَوْضِعين: إذا اتَّصَلت به نون التَّوْكيد يُبنَى على الفَتْح، أو نون النِّسوة يُبنَى على السُّكون فلماذا هنا صار مَضمومًا؟ لأن نون التَّوْكيد هنا غير مُباشِرة للفِعْل، وعلى هذا التَّقديرِ يَكون بينها وبين الفِعْل واوُ الجماعة ونون الرَّفْع، فهي غير مُباشِرة حقيقةً مُباشِرة لفظًا، والفِعْل يُبنَى مع نون التوكيد المُباشِرة لفظًا وتَقديرًا، أمَّا هذه فهي في التَّقدير غير مُباشِرة؛ ولهذا بقِيَ الفِعْل مُعرَبًا، فيُقال: إنه مَرفوعٌ بالنون المَحذوفة لتَوالي الأَمثال، والواو المَحذوفة لالتِقاء الساكنين فاعِل.
وقوله تعالى: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾: ﴿اللَّهُ﴾ بالرفع خبَر مُبتَدأ محَذوف، أي: هو الله، ويَجوز أن تَكون فاعِلًا لفِعْلٍ محذوف أي: خلَقهما الله، ويَجوز أن تَكون مُبتَدأ، والخبَرُ مَحذوف، والتقدير: الله خالِقُهما، والأمر في هذا واسِع، بابُ الإعراب له وُجوهٌ.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ يَعنِي: اسأَلْهم سُؤالًا آخَرَ إذا أَقرُّوا بأن الخالِق هو الله تعالى فقُلْ لهم: أَخبِروني ما تَدعون من دون الله تعالى.
يَقول المُفَسِّر ﵀: [﴿تَدْعُونَ﴾ تَعبُدون]، ويُحتَمَل أن يَكون المُرادُ به دُعاءَ المسألة؛ لأن الدعاء يُطلَق على مَعنيَيْن: الأوَّل: دُعاء المَسأَلة، والثاني: دُعاء العِبادة.
فمِن الأوَّل قوله تعالى: "هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأَسْتَجِيبَ لَهُ" (١)، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب التهجد، باب الدعاء والصلاة من آخر الليل، رقم (١١٤٥)، ومسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه، رقم (٧٥٨)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
[ ٢٦٨ ]
[البقرة: ١٨٦] هذا دُعاءُ مَسأَلة.
ومن الثاني - وهو دُعاء العِبادة - قولُه تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]
فهؤلاء القومُ يَدْعون من دون اللهِ تعالى دُعاءَ مَسأَلة ودُعاء عِبادة؛ لأن اللَّفْظ عامٌّ، والمَعنَى: أَخبِرونا عن هذه الأَصنامِ التي تَدعونها من دون الله تعالى هل يَنفَعْنَ مَن دعاهُنَّ؟ هل يَجلِبن النفع أو يَدفَعْن الضُّرَّ: ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾؟
الجَوابُ: لا، لا يَدفَعْن الضَّرَر.
وإذا: ﴿أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾؟
والجَوابُ: لا، إِذَنْ كيف تُعبَد من دون الله تعالى؟! وكيف تُدعَى من دون الله تعالى؟! والله ﷿ إذا أَراد بي شيئًا ضَرًّا لم يَملِكن دَفْعه، وإذا أَرادني برحمة لم يَملِكْن إمساكَ هذه الرحمةِ.
يَقول المُفَسِّر ﵀: [لا] ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ يَعنِي: لا يُهِمُّني أن تُهدِّدوني بهذه الأصنامِ، فإن حَسْبي اللهُ، أي: كافِيني عمَّن سِواه، والجملة في ﴿حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ يَجوز أن يَكون فيها تَقديمٌ وتأخير، فنُعرب ﴿حَسْبِيَ﴾ خبَرًا مُقدَّمًا، و﴿اللَّهُ﴾ مُبتَدَأ مُؤخَّرًا، ويَجوز أن نَقول: ﴿حَسْبِيَ﴾ مُبتَدَأ و﴿اللَّهُ﴾ خبَر، ويَختَلِف هذا الإعرابُ باختِلاف المَعنَى، فإن أَرَدْت أن تُخبِر عن الحَسْب بأنه اللهُ فاجعَلِ الحَسْب مُبتَدَأ، وإن أَرَدْت أن تُخبِر عن الله بأنه الحَسْب فاجعَلْ ﴿حَسْبِيَ﴾ خبَرًا مُقدَّمًا.
والآية من حيثُ المَعنَى صالحِةٌ لهذا وهذا، فالله تعالى هو الحَسْب، والحَسْب
[ ٢٦٩ ]
هو الله تعالى، وليس لنا حَسْبٌ سِوى الله تعالى، والله ﷾ حَسْبنا وكافينا.
وقوله تعالى: ﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ التَّوكُّل هو الاعتِماد على الله ﷿ اعتِمادًا حَقيقيًّا صادِقًا في جَلْب المَنافِع ودَفْع المَضارِّ مع الثِّقة به، هذا هو التَّوكُّل، وهو من العِبادة الخاصَّة بالله تعالى كما قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢]، أي: على الله تعالى وحدَه.
وأمَّا تَوكُّل غير العِبادة فإنه يَجوز للإنسان أن يَتوكَّل على غيرِه فيما وكَّله فيه، كما لو قُلْت لفُلان: وكَّلْتُك أن تَشتَريَ لي كذا وكذا. فاعتَمَدْت عليه في الشراء، وهذا ليس تَوكُّلَ عِبادة؛ لأن المُتوكِّل في هذه الصورةِ لا يَشعُر بأنه أَدنى مَرتَبةً من الوكيل، بل قد يَشعُر بأنه أَعلى مَرتَبة؛ لأنه جعَل ذلك خادِمًا له مُنفِّذًا لما يَقول، أمَّا التَّوكُّل على الله تعالى فإنك تَتَوكَّل على الله تعالى مُعتَقِدًا في نَفْسك أنك مُضْطَرٌّ إليه، وأنه ﷾ هو الذي بيده تَصريف أُمورك فتَتَوكَّل عليه رغبةً ورَهبةً وتَقرُّبًا إليه.
ولهذا نَقول: هل يَجوز أن أَقول: تَوكَّلت على فُلان؟
الجَوابُ: إن كان ذلك على وجه العِبادة فهذا حَرام وشِرْك، وإن كان على وجه الإنابة أي: أَنَبْته مَنابي فيما أَوْكَلته فيه فهذا لا بأسَ به ولا حرَجَ، وكان النبيُّ - ﷺ - يُوكِّل أصحابه في قَبْض الزَّكَوات وتَصريفها وغير ذلك (١).
يَقول المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ لام قَسَم ﴿سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ﴾] يَعنِي: إذا أَقرُّوا بهذا الإقرارِ [﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ﴾ تَعبُدون ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أيِ: الأصنام] يَعنِي: أَخبِرونا عنها [﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ
_________________
(١) من ذلك ما أخرجه البخاري: كتاب الهبة، باب من لم يقبل الهدية لعلة، رقم (٢٥٩٧)، ومسلم: كتاب الإمارة، باب تحريم هدايا العمال، رقم (١٨٣٢)، من حديث أبي حميد الساعدي - ﵁ -.
[ ٢٧٠ ]
بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾؟] الجَوابُ: يَقول: [لا] ﴿أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾؟ لا، وفي قِراءة: بالإضافة فيهما]، أي: في قوله ﷾: ﴿كَاشِفَاتُ﴾، وفي قوله تعالى: ﴿مُمْسِكَاتُ﴾ فنَقرَأ على هذه القِراءةِ: (هَلْ هُنَّ كاشِفاتٌ ضُرَّه هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتٌ رَحْمَتَهُ)، والقِراءتان سَبْعيتان.
ومن قاعِدة المُفَسِّر ﵀ في هذا الكِتابِ: أنه إذا قال: (وقُرِئَ) فهي شاذَّة، وإذا قال: وفي قِراءة. فهي سَبْعية.
ثُمَّ قال المُفَسِّر ﵀: [﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ يَثِق الواثِقون].