* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الزمر: ٤١].
ثُمَّ قال ﵎: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ تَأمَّل ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ﴾، وفي بعض الآيات: ﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ فهَلِ الحَرْفان بمَعنًى واحِد أو هُما يَختَلِفان؟
الجَوابُ: الأصل فيما اختَلَف لَفظُه أن يَختَلِف مَعناه هذا الأصلُ؛ لأن اللَّفْظ للمَعاني بمَنزِلة الثَّوْب للأجسام، فإذا وجَدْنا لَفْظين تَعدِيَتُهما واحِدة، لكنَّهما مُختَلِفان لفظًا، فالأصل اختِلافهما معنًى، فقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ﴾ يُفيد أن غاية الإنزال إلى رسول الله - ﷺ - لا يَتَجاوَزه إلى غيره.
وقوله تعالى: ﴿عَلَيْكَ﴾ تُفيد أن الإنزال على النبيِّ - ﷺ - حتى تَشَرَّبه كأنه نزَل في نَفْس الرسول ﵊؛ ألم تَقرَأ قول الله ﵎: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤]، ولم يَقُل: إلى قَلْبك هذا هو الفَرْق.
وقوله تعالى: ﴿عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ الكتاب هنا هو القُرآن الكريم، وسُمِّي كِتابًا؛ لأنه مَكتوب في اللَّوْح المَحفوظ، وفي الصُّحُف التي بأَيْدي الملائِكة، وفي الصُّحُف التي بأَيْدينا، وعلى هذا فيَكون فِعَال بمَعنَى: مَفعول، وهذا الوزنُ أَعنِي: فِعالًا بمَعنى: مَفعول يَأتي كثيرًا في اللغة العربية، ومنه فِراش بمَعنى مَفروش، وكِساء
[ ٢٨٧ ]
بمَعنَى: مَكْسِيٌّ، وبِناء بمَعنَى: مَبنيٍّ، وغِراس بمَعنَى: مَغروس، وله أمثِلة كثيرة.
يَقول تعالى: ﴿الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ اللَّام هنا للاختِصاص أو للتَّعدِية؟ جائِز هذا وهذا، والمَعنَى: أن الله تعالى أَنزَل الكِتاب على مُحمَّدٍ - ﷺ - ليَهتَدِيَ به الناس ويَنتَفِعوا به، والأمر كذلك، فإن الناس انتَفَعوا بهذا القُرآنِ انتِفاعًا لا يُماثِله انتِفاع، فالأُمَّة القُرَشية كانت لا تُساوِي شيئًا عند الأُمَم، وكانوا أذِلَّة وكانوا فُقَراءَ، لهم رِحلة إلى الشام في الصَّيْف وإلى اليَمَن في الشِّتاء؛ لأنه ليس عندهم حرَكة ولا تِجارة ولا أموال، وببعثة النبيِّ - ﷺ - وبهذا القرآنِ صاروا سادةَ الأُمَم كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾، وقوله: (آوَى) يَعنِي: آواكَ، وأَوَى بك فكُنْت أبًا للناس بعد أن لم تَكُن، وبعد أن كنتَ يَتيمًا لا أبَ لك؛ ولهذا نَقول: (آوَى) حُذِف المَفعول به من أجل العُموم، يَعنِي: آواك وآوَى بك، وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾: ﴿فَهَدَى﴾ أي: هداك وهَدَى بك، وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ يَعنِي: أَغناك وأَغنَى بك؛ ولهذا قال النبيُّ - ﷺ - للأنصار: "وَكُنْتُمْ عَالَةً فَأَغْنَاكُمْ اللهُ بِي" (١) فالنَّبيُّ - ﷺ - جاء بالبَرَكة لأُمَّته؛ ولهذا قال تعالى: ﴿أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ﴾.
وقوله تعالى: ﴿بِالْحَقِّ﴾ لها مَعنَيان:
الأوَّل: ﴿بِالْحَقِّ﴾ يَعنِي: أن ما جاء به هذا القُرآنُ هو الحقُّ، والحقُّ هو الصِّدْق في الأَخبار، والعَدْل في الأَحْكام، كما قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] يَعنِي أن هذا القُرآنَ نزَل بالحَقِّ أي: أتَى بالحَقِّ وهو صِدْق الأَخْبار وعَدْل الأحكام.
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب المغازي، باب غزوة الطائف، رقم (٤٣٣٠)، ومسلم: كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام، رقم (١٠٦١)، من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم - ﵁ -.
[ ٢٨٨ ]
والمَعنَى الثاني: ﴿بِالْحَقِّ﴾ يَعنِي أنه مَصحوبٌ بالحَقِّ، أي: أنه نزولٌ حقٌّ، ليس فيه باطِل كقوله تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ٢١٢]، فهذا يَعنِي أن نُزوله حقٌّ، ليس بباطِل، فإنه لا يَعتَريه الباطِل، قال ﵎: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢].
وهذا بخِلاف أَخْبار الكُهَّان فكلُّها من الشياطين، كما قال ﷾: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ٢١٢].
قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ﴾ الفاء هذه مُفرَّعة على ما سبَق، يَعنِي: بعد نزول هذا القُرآنِ انقَسَم الناس فيه إلى قِسْمين: قِسْمٌ اهتَدَى به فانتَفَع، وقِسْمٌ ضلَّ عنه فهلَكَ.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾: (مَنْ) هذه شَرْطية، وفِعْل الشرط فيها: ﴿اهْتَدَى﴾، وجَوابه: جُملة: ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾؛ لأن الجُملة هنا اسمِيَّة؛ ولهذا اقتَرَنَت بالفاء كما قال تعالى: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿اهْتَدَى﴾ أي: هِدايةً عِلْمية وهِدايةً عمَلية، فهِداية عِلْمية بأن حرَص على هذا القُرآنِ فحفِظه وتَدبَّره وتَأمَّله، وهِداية عمَلية بأن طبَّق هذا القُرآنَ وعمِل به عَقيدةً وقولًا وفِعْلًا.
وقوله ﵀: [﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ﴾ اهتِداؤه] أي: فلنَفْسه اهتِداؤه، أو فهو لنَفْسه.
[ ٢٨٩ ]
المُهِمُّ: أن المحذوف المُبتَدَأ ولا بُدَّ؛ لأن المَذكور جارٌّ ومجرور، والجارُّ والمجرور لا يُمكِن أبَدًا أن يَكون مُبتَدَأ، فإن شِئْت قدَّرْت: (فلنَفْسه اهتِداؤه)، وإن شِئْت قدَّرْت (فهو لنَفْسه).
واقتَرَنت جُملة الجَواب بالفاء؛ لأنها جُمْلة اسمِيَّة، والقاعِدة أنه إذا وقَعَت جملة الجَواب اسمِيَّة وجَب اقتِرانها بالفاء، وربما تُحذَف الفاء، لكن قليلًا، ومنه قول الشاعِر:
مَنْ يَفْعَلِ الحَسَنَاتِ اللهُ يَشْكُرُهَا (١)
ولم يقل: فالله يَشكُرها. لكن هذا قليل.
ولنَتعَرَّضِ الآنَ لما يَجِب قَرْنه بالفاء من الجُمَل إذا وقَع جوابًا، وهي مَذكورة في قول الشاعِر:
اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَامِدٍ وَبِـ (مَا) وَ(قَدْ) وَبِـ (لَنْ) وَبِالتَّنْفِيسِ
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ أي: ومَن ضَلَّ فلم يَهتدِ لا عِلْمًا ولا عمَلًا ﴿فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ أي: على نَفْسه ولا يَضُرُّ الله تعالى شيئًا، ولا يَضُرُّ غيرَه شيئًا أيضًا.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾: (ما) هذه حِجازية، أي: لا يَنطِق بها إلَّا أهل الحِجاز؛ وهي لا تَعمَل عمَل (ليس) إلَّا عند أهل الحِجاز، فلذلك سُمِّيَت حِجازية فهي عند أهل الحِجاز تَعمَل عمَل (ليس)، أي: تَرفَع المُبتَدَأ وتَنصِب الخبَر،
_________________
(١) اختلف في قائله، فنسبه سيبويه في الكتاب (٣/ ٦٤ - ٦٥) لحسان بن ثابت، ونسبه ابن هشام في مغني اللبيب (ص ٨٠) لعبد الرحمن بن حسان، ونسبه جماعة لكعب بن مالك كما في خزانة الأدب (٩/ ٥١).
[ ٢٩٠ ]
ومن ذلك قوله ﵎: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف: ٣١]، وعند بني تَميمٍ لا تَعمَل عمَل (ليس)، بل هي مُهمَلة، فيَقولون في قوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ يَعنِي: في غير القرآن: (ما هذا بشَرٌ)، فمِن لغة تَميم: (ما زيدٌ قائِمٌ)، ومِن الحِجازية (ما زيدٌ قائمًا)، فتَحصَّل لنا الآنَ أن لُغة قُريشٍ وهم أهل الحِجاز يَقولون: (ما هذا بشَرًا)، وبنو تَميم يَقولون: (ما هذا بشَرٌ)، وكانوا يَقرَؤُون القُرآن: (ما هذا بشَرٌ) قبل أن يُوحَّد على لغة قُريش؛ لأن القرآن أُنزِل على سبعة أَحرُف.
وفي ذلك بيت طريف قال فيه الشاعِر:
وَمُهَفْهَفِ الْأَعْطَافِ قُلْتُ لَهُ انْتَسِبْ فَأَجَابَ مَا قَتْلُ المُحِبِّ حَرَامُ (١)
يَعنِي: قلت له: من أين أنتَ؟ فما قال: أنا من فُلان من آل فُلان؟ فأَجاب: (ما قَتْل المُحِبِّ حَرامُ) فتَكون هذه المرأةُ تَميميةً؛ لأنها قالت: (ما قَتْلُ المُحِبِّ حَرَامُ)، أمَّا في وقتنا الآنَ فلا نَعرِف التَّميميَّ من القُرَشيِّ؛ لأنه قدِ اندَمَج الآنَ، فكلُّ تَميميًّ وكلُّ قُرَشيٍّ تَجِده يَقول: (ما هذا بَشَرٌ)، وهذا يَقول: (ما هذا بَشَرًا) فكلُّهم قدِ اختَلَطوا.
وقوله ﷿: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ إِذَنْ: نُعرِب الآنَ (ما) على لُغة قُرَيْش مع أن اللَّفْظ لا يَختَلِف في هذا التَّرْكيبِ؛ لأن بني تميم يَقولون: ما أنت عليهم بوَكيل. وكذلك قُرَيْش.
لكن لعِلْمنا أن القُرآن على لُغَة قُريش نَقول: إن (ما) هنا حِجازية، و(أن) اسمُها، والتاء للخِطاب، والباء حَرْف جرٍّ زائِدٌ، و(وكيل) خبَرُها مَنصوب بفَتْحة
_________________
(١) غير منسوب، وانظر: نفح الطيب للمَقَّرِي التِّلمساني (٥/ ٢٢٧).
[ ٢٩١ ]
مُقدَّرة على آخِره منَع من ظُهورها اشتِغال المَحلِّ بحرَكة حَرْف الجرَّ الزائِد.
فإن قال قائل: قُلْتم: (إن الباء حَرْفُ جرٍّ زائِدٌ) ونحن نَعلَم أن القُرآن الكريم ليس فيه لَغْو، والزيادة لَغْو؟
فالجَواب على هذا أن نَقول: الزيادة لَغْوٌ إذا لم تُفِدْ مَعنًى، فإن أَفادَت مَعنًى فليسَت لَغْوًا، والمَعنى الذي تُفيده هنا تَوكيد النفيِ، وعلى هذا فليسَت لَغْوًا، بل هي زائِدةٌ لكنا نَقول: (زائِدة لَفْظًا زائِدة مَعنًى)، يَعنِي: تَزيد في المعنَى.
لكن قد يَقول قائِل: كيف (زائِدة زائِدة)؟
نَقول: (زائِدة) الأُولى من (زاد) اللازِمِ، و(زائِدة) الثانية من (زاد) المُتعَدِّي؛ لأن (زاد) مثل (نقَص) تُستَعمَل لازِمة لا تَتَعدَّى للمَفعول، وتُستَعمَل مُتَعدِّية للمَفعول؛ فالمُتعَدِّية كما قال الله تعالى: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة: ٤]، واللازِمة كما تَقول: زاد إيمان الرجُل، وتَقول: نقَص الماء.
وقوله ﵎: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الزمر: ٤١]، يَعنِي: لستَ عليهم بمُراقِب تُراقِبهم وتُحافِظ عليهم، وإنما ذلك إلى الله تعالى فانت عليك البلاغُ، والحِسابُ على ربِّ العِباد ﷿.
وقول المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ مُتعلَّق بـ (أَنزَل)]، ولم يَقُل: بـ (أَنزَلْنا)؛ لأن العامِل هو الفِعْل، و(نا) اسمٌ بتَقدير الانفِصال عن الفِعْل، وهذا تعليمٌ من المُفَسِّر ﵀، فإذا أَرَدْتم أن تَقولوا: هذا مُتعلِّق فلا تَذكُروا إلَّا العامِل فقط، لا تَذكُروا الفاعِل معه ولا المَفعول إن كان المَفعول
[ ٢٩٢ ]
مُتَّصِلًا به، قال ﵀: مُتَعلِّق بـ (أَنزَل)، ونحن في الحقيقة في إعرابنا للقُرآن نَتَجاوَز، ونَقول: في مثل هذا مُتعَلِّق بـ (أَنزَلنا)، وهذا غير مُحرَّر، والصواب: أن تَقول: "مُتعلِّق بـ (أَنزَل) " الذي هو العامِل فقَطْ، دون ما اتَّصَل به من فاعِل أو مَفعول.
وقال المُفَسِّر ﵀: [﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ﴾ اهتِداؤه ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ فتُجبِرهم على الهُدى]، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ [ق: ٤٥]، فالرسول ﵊ ليس بجابِرٍ لهم على الاهتِداء، وليس بمُوكَّلٍ بهم يُحافِظهم ويُحافِظ عليهم.